« قائمة الدروس
بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

48/04/15

بسم الله الرحمن الرحیم

مباحث الألفاظ/الوضع /الأوامر/مقدّمه الواجب/الواجب المعلّق/القیود راجعة إلی المادة أم إلی الهیئة؟

 

الموضوع: مباحث الألفاظ/الوضع /الأوامر/مقدّمه الواجب/الواجب المعلّق/القیود راجعة إلی المادة أم إلی الهیئة؟

 

ملخّص الجلسة السابقة: كان النقاش في الجلسة السابقة حول شروط الواجبات، حيث ذكرنا أنّ الشروط إمّا أن تكون شروطاً للوجوب و الواجب معاً، كالبلوغ والعقل والقدرة، وإمّا أن تكون شروطاً للواجب فقط، كالوضوء والغسل. وفي الموارد المشكوكة، كوقت الصلاة، فإنّ شرطيّة الوقت للواجب واضحة، أمّا كونه شرطاً للوجوب فهو محلّ البحث. وتتمثّل ثمرة البحث في أنّه بناءً على رأي الشيخ الأنصاري (رحمه‌الله) يكون الوقت قيداً للواجب و الوجوب مطلقاً، أمّا بناءً على رأي المحقّق الخوئي(رحمه‌الله)، فالوقت شرطٌ للوجوب والواجب معاً. وفي موارد الشكّ، فإنّ مجرّد شرطيّة القيد للواجب لا يثبت كونه شرطاً للوجوب، ويمكن لنفي ذلك التمسّك بإطلاق الأدلّة، أو عند تعذّر ذلك، بأصل البراءة أو استصحاب عدم الوجوب.

الفرق بين القيد والشرط والتقيّد

من الضروري هنا بيان نقطة تتعلّق بالتعبيرات المختلفة المستعملة في كلمات العلماء؛ لأنّه في المباحث الأصولية، يُعبَّر أحياناً عن معنى واحد بتعبير الشرط، وأحياناً بتعبير القيد، وأحياناً بتعبير التقيّد. فعلى سبيل المثال، قد نواجه في كلمات العلماء تعبيرات مثل «شرائط الصلاة»، أو «قيود الصلاة»، أو «تقيّد الصلاة بالطهارة والستر والقبلة».

لذلك، لا بدّ من توضيح الفرق بين هذه التعبيرات وبيان مضمون كلّ منها. فعلى سبيل المثال، لنأخذ الوضوء بعين الاعتبار. عندما يُقال إنّ الوضوء لازم للصلاة، فإنّ الوضوء أمر يتحقّق قبل الصلاة. كما أنّ المكلّف قد يأتي، بدلاً من الوضوء، بالغسل أو التيمّم في الموارد المقرّرة. ومن هذه الجهة، يمكن اعتبار الوضوء والغسل والتيمّم من شروط الصلاة أو قيودها.

ولكن عندما يتوضّأ المكلّف، تحصل له حالة من الطهارة، ويجب أن تقع الصلاة مقترنةً بهذه الطهارة. ومن هنا، فإنّ التعبير الوارد في «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ» يفيد أنّ الصلاة يجب أن تقع مقترنة بالطهارة ومتقيّدة بها. وتُسمّى هذه النسبة بين الصلاة والطهارة تقيّد الصلاة بالطهارة. ولذلك، لا بدّ من التفريق بين القيد والتقيّد: «القيد قبل الصلاة والتقيّد جزء الصلاة» فالقيد أمر يتحقّق في الخارج، ويكون الفعل مقيّداً به؛ أمّا التقيّد، فهو كيفية ارتباط الفعل بذلك القيد واتّصافه به، وهو ما يُلاحظ ضمن تحقّق الفعل نفسه.

وبعبارة أخرى، يتحقّق القيد قبل الصلاة، أمّا تقيّد الصلاة بذلك القيد فيُلاحظ عند تحقّق الصلاة. فالوضوء، بوصفه أمراً خارجياً، يحصل قبل الصلاة؛ أمّا الصلاة المقيّدة بالطهارة فهي الصلاة التي تقع مقترنة بالطهارة عند تحقّقها.

وهذا المعنى مطروح أيضاً في المباحث الفلسفية، حيث إنّ التقيّد جزء، والقيد خارج عن الجزء. فعلى سبيل المثال، قد يتوضّأ المكلّف، ثم يشرب الشاي أو يجلس لبعض الوقت، وبعد ذلك يصلّي. وخلال هذه الفترة، يبقى الوضوء موجوداً، ولكنّ الوضوء نفسه ليس جزءاً من الصلاة، بل يتحقّق خارجها. وما يُعتبر في الصلاة هو تقيّدها بالطهارة.

وينطبق الأمر نفسه على القبلة أيضاً. فالقبلة أمر خارجي وجهة معيّنة، ولكنّ ما يُعتبر في الصلاة هو أن تُؤدّى الصلاة مقيّدة باستقبال القبلة. ولذلك، فإنّ استقبال القبلة والنسبة بين الصلاة والقبلة من سنخ التقيّد.

والأمر نفسه يجري في الستر. فالساتر أمر يجب على المكلّف توفيره، ولكنّ ما يُعتبر عند أداء الصلاة هو تقيّد الصلاة بالستر.

وبناءً على ذلك، لا ينبغي عند دراسة كلمات العلماء الاكتفاء بمجرّد ملاحظة اختلاف التعبيرات. فقد يستعمل أحد العلماء تعبير الشرط، ويستعمل آخر تعبير القيد، وثالث تعبير التقيّد، وقد يُستعمل أحياناً أيضاً تعبير كون الصلاة مقيّدةً. وينبغي فهم المقصود في ضوء الاصطلاح وسياق الكلام.

وقد استعمل بعضهم أيضاً تعبير الاقتران بدلاً من التقيّد؛ أي إنّ الصلاة يجب أن تكون مقترنةً بالطهارة أو الستر أو استقبال القبلة. ولذلك، فإنّ ما يتحقّق قبل الصلاة، كالوضوء والغسل والتيمّم، يُعدّ مقدّمةً و قيداً خارجياً؛ أمّا ما يُلاحظ عند تحقّق الصلاة، فهو تقيّد الصلاة بالطهارة والستر و القبلة.

ارتباط التعبيرين «الشرط في الصلاة» و «الشرط في وجوب الصلاة» بالواجب و الوجوب

تكتسب هذه النقطة أهميةً أيضاً في البحث المتعلّق بقيد المادّة وقيد الهيئة. فإذا كان المولى في مقام البيان وقال «يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ»، و ذكر شرطاً للصلاة، فما الذي يتعلّق به هذا الشرط؟ الظاهر أنّه شرط يتعلّق بنفس الصلاة، أي بالواجب، أمّا إذا قال المولى: «يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ»، ففي هذه الحالة، يكون الشرط قد أُخذ في وجوب الصلاة مباشرةً. وبما أنّ كلّ شرط للوجوب هو شرط للواجب أيضاً، فإنّ مثل هذا القيد يؤثّر في كلٍّ من الوجوب والواجب.

وبناءً على ذلك، إذا تيقّنّا أنّ قيداً ما شرطٌ للوجوب والواجب معاً، كالبلوغ والعقل والقدرة، فلا بحث لنا من هذه الجهة. وكذلك إذا تيقّنّا أنّ قيداً ما شرطٌ للواجب وليس شرطاً للوجوب، كالوضوء والغسل والتيمّم بالنسبة إلى الصلاة، ففي هذه الحالة أيضاً يكون التكليف واضحاً.

محلّ البحث

إنّ محلّ البحث هو الشروط و القيود المشكوكة، كوقت الصلاة. ففيما يتعلّق بالوقت، ينبغي أن نبحث هل الوقت شرطٌ للوجوب و الواجب معاً، أم أنّه شرطٌ للواجب فقط، ولا دخل له في أصل الوجوب؟

فإذا كان الوقت شرطاً للواجب فقط، فإنّ وجوب الصلاة يثبت قبل دخول الوقت، ونتيجةً لذلك، قد يلزم تحصيل بعض مقدّماتها قبل حلول الوقت. أمّا إذا كان الوقت شرطاً للوجوب، فإنّ وجوب الصلاة لا يصبح فعليّاً قبل دخول الوقت، ومن هذه الجهة، لا يثبت الإلزام بتحصيل المقدّمات أيضاً.

التمسّك بالإطلاق أو الرجوع إلى الأصل العملي

إذا أمكننا الاستفادة من إطلاق الأدلّة، فلا تصل النوبة إلى الأصل العملي. فعلى سبيل المثال، إذا استفدنا من التعبير «يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ» أنّ الشرط المذكور يتعلّق بالواجب، ومن التعبير «يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ» أنّ الشرط يتعلّق بالوجوب، ففي هذه الحالة، يتّضح حكم المسألة من خلال الأصل اللفظي وإطلاق الأدلّة. أمّا إذا لم نتمكّن من الاستفادة من إطلاق الأدلّة بهذا النحو، ولم نتمكّن من استظهار الفرق بين شرط الواجب وشرط الوجوب من التعبيرات المذكورة، فتصل النوبة إلى الأصل العملي. وفي هذه المرحلة، ينبغي أن نبحث هل يجري أصل البراءة أم الاستصحاب.

وبناءً على ذلك، يكون ترتيب البحث كما يلي: ينبغي أوّلاً البحث في إمكان التمسّك بالأصل اللفظي وإطلاق الدليل؛ فإذا أمكن الوصول إلى النتيجة المطلوبة من إطلاق الدليل، فلا تصل النوبة إلى الأصل العملي؛ أمّا إذا تعذّر التمسّك بالإطلاق، فينبغي الرجوع إلى الأصول العملية.

جريان أصل البراءة عند الشكّ في وجوب المقدّمة

افترضوا أنّ الساعة الآن الحادية عشرة صباحاً، ولم يُرفع أذان الظهر بعد. ونعلم أيضاً أنّ الماء سينقطع بعد ذلك لمدّة معيّنة، كعشر ساعات مثلاً، وأنّ المكلّف يحتاج إلى الماء للوضوء أو الغسل من أجل صلاة الظهر.

وهنا يُطرح هذا السؤال: هل يكون المكلّف في الساعة الحادية عشرة ملزماً بالاحتفاظ بالماء لوضوئه أو غسله، أم لا؟

يقول المرحوم المحقّق الخوئي إنّ مثل هذا الإلزام غير موجود. وبناءً على مبناه، عندما يحين وقت الصلاة، فإن كان الماء موجوداً، توضّأ المكلّف أو اغتسل وصلّى، وإن لم يكن الماء موجوداً، تيمّم مع تحقّق الشروط.

في المقابل، بناءً على مبنى المرحوم الشيخ الأنصاري، بما أنّ وجوب الصلاة مطلق والوقت يُعدّ قيداً للواجب، يجب على المكلّف أن يهيّئ المقدّمات اللازمة لأداء الصلاة مسبقاً.

وقد ذكرنا أنّ المرحوم المحقّق الخوئي (أعلى الله مقامه الشريف) يقول إنّ ذلك غير لازم؛ فعندما يحين وقت الصلاة، إن كان الماء موجوداً، يتوضّأ ويغتسل، وإن لم يكن موجوداً، يتيمّم. أمّا المرحوم الشيخ الأنصاري، فقد قال: لا، بل يجب إعداد المقدّمات مسبقاً. لماذا؟ لأنّ الوجوب مطلق.

ولكن إذا لم يكن لدينا أصل لفظي ـ وأنتم تعلمون أنّ «الْأَصْلُ دَلِيلٌ حَيْثُ لَا دَلِيلَ» ـ أي إذا لم يكن لدينا أصل لفظي، ولم نتمكّن من الاستفادة من التعبير «يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ» أو «يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ»، تصل النوبة إلى الأصل العملي، وهو البراءة؛ أي «الْبَرَاءَةُ مِنَ الْوُجُوبِ»، وهذا هو ما ذهب إليه المرحوم المحقّق الخوئي. بمعنى أنّه هل يجب عليّ في الساعة الحادية عشرة أن أحتفظ بالماء للوضوء والغسل أم لا؟ فإذا أجرينا أصل البراءة، كان معنى ذلك أنّه لا يجب. فالبراءة تفيد عدم الوجوب، والاستصحاب يفيد ذلك أيضاً، وهو استصحاب عدم الوجوب.

وقد تمسّك بعضهم بالاستصحاب، وتمسّك بعضهم الآخر بالبراءة. ويكون الاحتياط في الموارد التي يكون فيها الشكّ في المكلّف به، أمّا هنا فالشكّ في أصل التكليف؛ أي إنّنا نشكّ في أصل وجود التكليف من عدمه. فهل أنا مكلّف في الساعة الحادية عشرة بالاحتفاظ بالماء للغسل، أم لا وظيفة عليّ في موارد الشكّ في التكليف، نجري أصل البراءة.

وبالطبع، للمرحوم الشهيد الصدر هنا بحثٌ لا نتعرّض له فعلاً، كما أنّ بعضهم يرى وجوب الاحتياط في مثل هذه الموارد. وقد ذكرنا أنّ البحث هنا يدور حول ما إذا كان الوجوب قد ثبت أم لا. فإذا كان الوجوب قد ثبت، نقول: نعم، لقد ثبت الوجوب للصلاة، ونستصحب ذلك أيضاً. ولكنّ البحث هو: هل ثبت الوجوب في الساعة الحادية عشرة أم لم يثبت؟

ارتباط وجوب المقدّمة بوجوب ذي المقدّمة

من النقاط الأخرى التي ينبغي الالتفات إليها هنا، العلاقة بين وجوب المقدّمة و وجوب ذي المقدّمة؛ فإذا ثبت وجوب ذي المقدّمة، فإنّ مقدّماته تُبحث تبعاً لوجوبه، على فرض تحقّق ملاك وجوب المقدّمة؛ ومن جملة ذلك المقدّمات التي يتعذّر أداء الواجب في وقته إذا لم تُحصَّل قبل حلول زمانه. أمّا إذا لم يثبت أصل وجوب ذي المقدّمة، فلا يمكن إثبات وجوب المقدّمة استناداً إليه فحسب.

وفي المسألة المبحوث عنها، يدور النزاع تحديداً حول هذه النقطة، فإذا قلنا إنّ وجوب الصلاة قد ثبت في الساعة الحادية عشرة، عندئذٍ يصبح البحث في وجوب مقدّماتها ذا معنى؛ أمّا إذا قلنا إنّ وجوب الصلاة لم يصبح فعليّاً بعدُ في الساعة الحادية عشرة، فلا يوجد، بناءً على مبنى المرحوم المحقّق الخوئي، وجوبٌ متعلّق بالصلاة حتّى يُطرح وجوب مقدّمتها تبعاً له.

وبناءً على ذلك، يقرّر المرحوم المحقّق الخوئي أنّنا تابعون لحكم الشارع. فإذا لم يكن الشارع قد أثبت وجوب الصلاة في هذا الوقت، فلا يمكننا اعتبار مقدّمتها واجبةً أيضاً.

القول الثالث

قال بعضهم: «ان التقييد إن كان بالمتصل و دار امره بين تقييده للمادة أو للهيئة فيصير الكلام مجملا و لا ينعقد كلا الظهورين لوجود ما يصلح للقرينية بالنسبة إلى كل واحد منهما، و كون مقتضى ظاهر اللفظ حسب القواعد رجوعه إلى أحدهما المعين خروج عن المفروض فلا مناص حينئذ الا من الرجوع إلى الأصول العملية و مقتضاها هي البراءة عن الوجوب عند عدم وجود ذلك القيد و عدم لزوم تحصيله، و اما إن كان بالمنفصل فلا شك في انعقاد الظهور الإطلاقي لكليهما و حينئذ تقييد الهيئة موجب لرفع ظهورين كما ذكره شيخنا الأعظم الأنصاري (قدس سره) و اعترف به في هذه الصورة صاحب الكفاية (قده) أيضا، و اما تقييد المادة فلا يوجب الا رفع ظهور واحد و هو الظهور الإطلاقي للمادة، و اما إطلاق الهيئة فيبقى بحاله، و لا شك في انه إذا دار الأمر بين خلاف ظاهرين و بين خلاف ظاهر واحد فالاجتناب عن الأول و ارتكاب الثاني متعين، فيتعين تقييد المادة.»[1]

ينبغي الآن الالتفات إلى نقطة أخرى، وهي الفرق بين القيد المتّصل و القيد المنفصل، فقد يُذكر القيد في الكلام نفسه الذي يُبيَّن فيه أصل الحكم، وقد يُبيَّن أصل الحكم في دليل، و يَرِد القيد في دليل آخر و في وقت آخر.

فعلى سبيل المثال، إذا ورد أصل الخطاب بصيغة «أَقِمِ الصَّلَاةَ»، ثمّ ذُكر قيد الوقت في آية أو دليل آخر، فإنّنا نكون أمام تقييد منفصل. أمّا إذا كان الخطاب منذ البداية بهذه الصيغة: «أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ»، ففي هذه الحالة، يكون القيد قد ورد متّصلاً بالخطاب في الكلام نفسه، ونكون أمام تقييد متّصل.

والسؤال الآن هو: هل يوجد فرق بين القيد المتّصل و القيد المنفصل أم لا؟ ينبغي بحث هذا الفرق من جهتين:

1. مقام الثبوت؛

2. مقام الإثبات.

عدم الفرق بين التقييد المتّصل والمنفصل في مقام الثبوت

في مقام الثبوت، إذا كان مبنانا أنّ الأئمّة (عليهم السلام) «كُلُّهُمْ نُورٌ وَاحِدٌ»، وأنّ القرآن الكريم والروايات الصادرة عن الأئمّة (عليهم السلام) جميعها من عند الوحي الإلهي، فلن يكون هناك فرق من هذه الجهة بين الدليل المتّصل والدليل المنفصل.

وبعبارة أخرى، إذا لاحظنا مجموع آيات القرآن وروايات المعصومين (عليهم السلام) بعضها إلى جانب بعض في مقام الثبوت، فسيكون كلّ دليل منها مفسّراً و مبيّناً للدليل الآخر، ولا ينبغي ملاحظة كلّ دليل بصورة مستقلّة ومنفصلة عن سائر الأدلّة. ومن هنا، يُلحظ مجموع كلمات الشارع والمعصومين (عليهم السلام) في مقام الثبوت «كالكلام الواحد». وبناءً على ذلك، فإنّ انفصال دليل عن دليل آخر من حيث زمان الصدور لا يوجب تعدّد مفاديهما وانفصالهما واقعاً في مقام الثبوت. وهذه النقطة إحدى جهات صعوبة الاجتهاد أيضاً؛ إذ لا يستطيع المجتهد استنباط الحكم الشرعي بمجرّد ملاحظة آية أو رواية واحدة. بل يجب أن يكون المجتهد مسلّطاً على مجموع الآيات والروايات المرتبطة بالمسألة، وأن يلاحظ الأدلّة بعضها إلى جانب بعض.

وبناءً على ذلك، فإنّ فهم شخصٍ لرواية واحدة فهماً جيّداً، أو تحليله آيةً واحدة تحليلاً دقيقاً، لا يكفي وحده لاستنباط الحكم؛ بل لا بدّ من جمع مجموع الأدلّة المرتبطة بالمسألة بعضها إلى جانب بعض، ثمّ استنباط الحكم الشرعي من مجموعها.

وعلى هذا الأساس، إذا رأينا في كلمات بعض العلماء أنّهم قالوا: «المنفصل في مقام الثبوت كالمتّصل»، فالمقصود هو هذا المعنى؛ أي إنّه لا فرق في مقام الثبوت بين الدليل المتّصل و المنفصل؛ لأنّ جميع هذه الأدلّة ترجع في نهاية المطاف إلى مصدر واحد، و ينبغي ملاحظتها بعضها إلى جانب بعض.

الفرق بين التقييد المتّصل و المنفصل في مقام الإثبات

أمّا في مقام الإثبات، فالمسألة مختلفة. فإذا صدر كلام المولى و انعقد ظهوره في الإطلاق، ثمّ ورد بعد مدّة دليل آخر يقيّد ذلك الإطلاق، فإنّ الظهور الأوّلي للدليل الأوّل في الإطلاق يكون قد تشكّل قبل ورود القيد المنفصل. و لذلك، إذا ورد لاحقاً قيد قطعي و يقيني، فإنّ المقدار من إطلاق الدليل الأوّل الذي يتعارض مع الدليل القطعي يُخصَّص أو يُقيَّد بذلك القيد و يخرج عن دائرة الإطلاق.

أمّا إذا كان القيد الوارد مشكوكاً، فلا يمكن رفع الظهور المنعقد في الإطلاق بمجرّد الاحتمال. فعلى سبيل المثال، إذا كان لدينا مطلق و قابله مقيّد قطعي، فمن الواضح أنّ المقيّد القطعي يقيّد الإطلاق في حدوده، و لا إشكال في ذلك.

أمّا إذا شككنا في كون أمرٍ ما قيداً، فلا يمكننا رفع اليد عن الإطلاق المنعقد بمجرّد الاحتمال. و في مثل هذه الموارد، ينبغي الالتفات إلى الظهور الإطلاقي نفسه الذي انعقد في الكلام الأوّل.

وفي المسألة محلّ البحث أيضاً، إذا علمنا بصورة قطعيّة أنّ قيداً ما قيدٌ للواجب، ولكن شككنا في أنّ القيد نفسه قيدٌ للوجوب أيضاً أم لا، فإنّ هذا المقدار المشكوك لا يمكنه رفع اليد عن الإطلاق المنعقد.

يتّضح من هنا الفرق الجوهري بين التقييد المتّصل و المنفصل في مقام الإثبات. ففي القيد المنفصل، يصدر كلام المولى أوّلاً و ينعقد ظهوره في الإطلاق، ثمّ يَرِد القيد بعد مدّة. و لذلك، لا يمكن للقيد المنفصل أن يرفع الظهور المنعقد إلا بمقدار ما هو يقيني منه. أمّا في القيد المتّصل، فلم ينعقد بعدُ ظهور مستقلّ في الإطلاق؛ لأنّ كلام المولى يُفهم منذ البداية مقيّداً بقرينة متّصلة به.

و بتعبير أدقّ، إذا قال المولى: «أَقِمِ الصَّلَاةَ»، ثمّ ورد بعد مدّة في دليل آخر القيد «أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ»، فإنّ ظهور الخطاب الأوّل في الإطلاق يكون قد انعقد عند صدوره، ويأتي الدليل المنفصل اللاحق ليقيّد ذلك الظهور في الحدود التي تكون دلالته فيها قطعيّة.

أمّا إذا قال المولى منذ البداية: «أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ»، فإنّ القرينة المتّصلة تمنع منذ البداية من انعقاد ظهور مستقلّ في الإطلاق، ويظهر الكلام مقيّداً من أوّل الأمر.

و بناءً على ذلك، إذا رأينا في كلمات العلماء أنّهم فرّقوا بين الشرط المتّصل والشرط المنفصل، فإنّ وجه هذا الفرق هو مسألة انعقاد الظهور: ففي المنفصل، ينعقد الظهور الأوّلي في الإطلاق، أمّا في المتّصل، فيتشكّل الظهور منذ البداية مع ملاحظة القرينة المتّصلة و على نحو التقييد.

وبعبارة أخرى، في القيد المتّصل، ينعقد كلام المولى مقيّداً منذ البداية؛ أمّا في القيد المنفصل، فيظهر الكلام أوّلاً مطلقاً، ثمّ يأتي الدليل المنفصل الذي يَرِد بعد ساعة أو يوم أو عشرة أيّام متضمّناً للقيد، فيقيّد الكلام في الحدود التي تكون دلالته فيها قطعيّةً؛ أي إنّ ذلك القيد يقيّد المطلق بالمقدار المتيقّن، أمّا بالمقدار المشكوك فلا يمكنه تقييده، و يبقى الإطلاق على حاله.

و لذلك، إذا رأينا أنّ بعضهم يفرّق بين الشروط المتّصلة و الشروط المنفصلة، فإنّ وجه ذلك هو أنّ انعقاد الظهور يتحقّق في المنفصل، أمّا في المتّصل، فإنّ الظهور ينعقد في المقيّد نفسه؛ لأنّ القيد متّصل بالكلام.

و إذا رأينا أنّ بعض العلماء يفرّقون بين مقام الثبوت و مقام الإثبات، فمقصودهم أنّه عندما نقول: «كُلُّهُمْ نُورٌ وَاحِدٌ»، ينبغي أن نضع جميع الكلمات بعضها إلى جانب بعض؛ وعندئذٍ يكون المنفصل بمنزلة المتّصل، ولا فرق بينهما في مقام الثبوت. و لذلك، ذهب كثير من العلماء إلى أنّه لا فرق بين المتّصل والمنفصل؛ لأنّه لا فرق بينهما في مقام الثبوت. رأي الأستاذ: لكنّنا لا نقبل هذا القول.

 


هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo