48/04/08
بسم الله الرحمن الرحیم
الحقیقة الشرعیة/الوضع /مباحث الألفاظ
الموضوع: مباحث الألفاظ/الوضع /الحقیقة الشرعیة
الموضوع: مباحث الألفاظ/الأوامر/مقدّمة الواجب/الواجب المعلّق/هل ترجع القيود إلى المادّة أم إلى الهيئة؟
خلاصة الجلسة السابقة: كان بحثنا في الجلسة السابقة حول ما إذا كانت القيود الواردة في الأدلّة، قيوداً للوجوب أم قيوداً للواجب.
قلنا: إنَّ الْقُيُودَ وَالشُّرُوطَ إِمَّا لِلْوُجُوبِ وَالْوَاجِبِ، وَإِمَّا لِلْوَاجِبِ فَقَطْ. فالقيود و الشروط التي تُذكر للواجبات، يمكن تقسيمها من هذه الجهة إلى قسمين: فبعضها شرطٌ للوجوب و شرطٌ للواجب معاً، و بعضها الآخر شرطٌ للواجب فقط.
۱. الشروط التي هي قيدٌ للوجوب و قيدٌ للواجب معاً
مثل: البلوغ، والعقل، والقدرة. فالبلوغ والعقل والقدرة، كلّها شروطٌ للوجوب وشروطٌ للواجب معاً. أي إنّه لكي يتوجّه وجوب الصلاة إلى المكلّف، لا بدّ أن يكون بالغاً وعاقلاً وقادراً. وبعبارة أخرى، ما لم يكن الشخص بالغاً، لا يثبت وجوب الصلاة بالنسبة إليه؛ وكذلك إذا لم يكن عاقلاً أو لم يكن قادراً، فلا يتعلّق به الوجوب. ومن جهة أخرى، فإنّ هذه الأمور نفسها تدخل في تحقّق الواجب على نحوٍ صحيح؛ أي إذا أراد الشخص أن يؤدّي الصلاة بوصفها واجباً، فلا بدّ أن يكون بالغاً وعاقلاً وقادراً. ولذلك، فهذه الأمور شروطٌ للوجوب وشروطٌ للواجب معاً.
۲. الشروط التي هي قيدٌ للواجب فقط
في المقابل، هناك بعض الشروط، كالوضوء والغسل والتيمّم، لا تكون إلا شرطاً للواجب، وليست شرطاً للوجوب. فمثلاً، سواء أكان عندكم وضوء أم لم يكن، فإنّ أصل الصلاة واجبٌ عليكم. وكذلك سواء أكان عندكم غسل أم لم يكن، ففي الموارد التي يكون فيها أصل التكليف بالصلاة متوجّهاً إليكم، لا يسقط وجوب الصلاة. ولذلك، فالوضوء والغسل والتيمّم، في المواضع التي تكون لها موضوعية، شروطٌ للواجب، وليست شروطاً للوجوب.
إذن، إلى هنا لدينا قسمان:
• الشروط التي هي شرطٌ للوجوب وشرطٌ للواجب معاً؛ مثل البلوغ والعقل والقدرة.
• الشروط التي هي شرطٌ للواجب فقط؛ مثل الوضوء والغسل والتيمّم.
۳. الشروط المشكوكة
أمّا القسم الثالث، فهي الشروط التي نشكّ فيها: هل هي شرطٌ للوجوب والواجب معاً، أم هي شرطٌ للواجب فقط؟ ومن الأمثلة المهمّة على هذه المسألة: الوقت.
يقول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ﴾[1] وهنا يجب عليك، بوصفك مجتهداً، أن تشخّص هل الوقت شرطٌ للوجوب أم شرطٌ للواجب. فإذا كان الوقت شرطاً للوجوب، فمعناه أنّ وجوب الصلاة لم يأتِ قبل دخول الوقت. وأنت تعلم متى تجب مقدّمة الواجب؟ عندما يأتي وجوب ذي المقدّمة. ولذلك، إذا كان الوقت شرطاً للوجوب، فإنّ الوضوء والغسل والتيمّم - بوصفها مقدّمةً للصلاة- لن يكون لها وجوبٌ مقدّمي قبل دخول الوقت؛ لأنّ وجوب الصلاة لم يأتِ بعد. أمّا إذا كان الوقت قيداً للواجب، فمعناه أنّ وجوب الصلاة قد جاء من قبل، ولكن يجب أن يؤدّى الواجب في وقتٍ معيّن. فمثلاً، قد يكون أصل وجوب الصلاة ثابتاً في الساعة الحادية عشرة، ولكن وقت أداء الصلاة هو وقت الظهر. وفي مورد الصوم أيضاً يمكن تصوّر هذا التفريق. فمثلاً، قد يكون أصل وجوب الصوم ثابتاً قبل الأذان، ولكن زمان تحقّق الواجب وامتثاله يبدأ من حين الأذان. و بناءً على ذلك، قد يثبت الوجوب قبل زمان أداء الواجب، ولكنّ نفس الواجب قد يكون له وقتٌ خاصٌّ.
لثمرة العملية للاختلاف في قيد الوجوب وقيد الواجب
تظهر ثمرة هذا البحث أيضاً في مقدّمات الواجب. فإذا كان الوقت شرطاً للوجوب، فإنّ مقدّمات الواجب أيضاً لا تكون واجبةً قبل مجيء الوجوب؛ أمّا إذا كان الوقت قيداً للواجب، وكان الوجوب قد ثبت من قبل، فيجب توفير المقدّمات اللازمة قبل دخول الوقت. فمثلاً، إذا كان من المقرّر أن تصلّي، فيجب عليك أن تهيّئ مقدّمات الصلاة مسبقاً، كتهيئة المكان المباح، واستقبال القبلة، وطهارة اللباس والبدن، وسائر الشروط اللازمة لأداء الصلاة. وذلك لأنّه إذا كان وجوب الصلاة قد ثبت من قبل، ففي الموارد التي لا يتمكّن فيها المكلّف من تحصيل المقدّمة في الوقت، أو يستلزم تحصيلها فوت الواجب، يجب عليه أن يبادر إلى تحصيلها قبل الوقت. ومن ثمّ، فإنّ لهذا البحث ثمرةً عمليةً في مقام العمل.
المقام الثاني: في مقتضى الأصل العملي
دراسة الموارد المشكوكة:
والآن، السؤال هو: «إِذَا شُكَّ فِي كَوْنِ الشَّرْطِ شَرْطًا لِلْوَاجِبِ فَقَطْ، أَوْ لِلْوُجُوبِ وَالْوَاجِبِ مَعًا؟» إذا شككنا في قيدٍ ما، فما الذي ينبغي فعله؟ أي إذا شككنا في أنّ هذا القيد: «شرطٌ للوجوب والواجب معاً» أم أنّه فقط: «شرطٌ للواجب»، فما هي الوظيفة؟
بناءً على نظرنا، فإنّ القدر المتيقّن هنا هو كونه شرطاً للواجب؛ لأنّ أصل دخالة هذا القيد في الواجب أمرٌ مسلّمٌ به. أمّا كون هذا القيد، مضافاً إلى الواجب، شرطاً للوجوب أيضاً، فهو مشكوكٌ فيه. فعلى سبيل المثال، في مورد وقت الصلاة، عندما يُؤذَّن لصلاة الظهر، فمن المسلّم أنّ الصلاة يجب أن تؤدّى في هذا الوقت؛ ولذلك فالوقت شرطٌ للواجب. أمّا كون الوقت شرطاً لأصل وجوب الصلاة أيضاً أم لا، فهو موردٌ للشكّ.
وهنا ينبغي الالتفات إلى نقطةٍ مهمّة.
كلّ شرطٍ يكون شرطاً للوجوب، سيكون شرطاً للواجب أيضاً؛ أمّا عكس ذلك فليس صحيحاً. یعنی ما من شرطٍ للوجوب لا تكون له دخالةٌ في الواجب؛ ولكن لدينا شروطٌ تكون فقط شرطاً للواجب وليست شرطاً للوجوب. فعلى سبيل المثال:
• البلوغ شرطٌ للوجوب وشرطٌ للواجب.
• العقل شرطٌ للوجوب وشرطٌ للواجب.
• القدرة شرطٌ للوجوب وشرطٌ للواجب.
• الوضوء شرطٌ للواجب، وليس شرطاً للوجوب.
• الغُسل شرطٌ للواجب، وليس شرطاً للوجوب.
• التيمّم شرطٌ للواجب، وليس شرطاً للوجوب.
وبناءً على ذلك، ففي مورد القيد المشكوك، يكون القدر المتيقّن هو كونه شرطاً للواجب؛ أمّا كونه شرطاً للوجوب فيحتاج إلى الإثبات.
هل يجري «أصل عدم شرط الوجوب»؟
عندما نشكّ في أنّ شيئاً ما شرطٌ للوجوب أم لا، فإنّ من الطرق أن نقول: «الأصل عدمه»؛ أي إنّ الأصل هو عدم كونه شرطاً للوجوب. وبعبارةٍ أخرى، بما أنّ كونه شرطاً للواجب أمرٌ مسلّمٌ به، ونشكّ في كونه شرطاً للوجوب، فإنّ إثبات كون هذا القيد شرطاً للوجوب أيضاً يحتاج إلى دليل. ولذلك، يمكن القول إنّ الشروط المذكورة في الأدلّة مفروضةٌ من جهة دخالتها في نفس الواجب؛ أمّا كونها، مضافاً إلى ذلك، دخيلةً في أصل الوجوب، فيحتاج إلى بيانٍ زائد. فإذا لم يكن لدينا بيانٌ زائدٌ يفهم منه أنّ هذا القيد شرطٌ للوجوب أيضاً، فلا يمكننا اعتباره شرطاً للوجوب. وعليه، نقول: شَرْطٌ لِلْوَاجِبِ وَلَيْسَ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ.
ولذلك، يوجد خلافٌ في هذه المسألة بين المرحوم الشيخ الأنصاري (أعلى الله مقامه الشريف) والمرحوم المحقّق الخوئي، في الموارد المشكوكة، أي الموارد التي لا نعلم فيها هل الشرط شرطٌ للواجب فقط، أم شرطٌ للوجوب والواجب معاً، وكيف ينبغي العمل فيها.
فهل ينبغي في هذه الموارد أن نقول إنّ الشرط شرطٌ للوجوب وشرطٌ للواجب معاً، كما يقول المرحوم الشيخ الأنصاري؟ أم ينبغي أن نقول إنّ هذا الشرط شرطٌ للواجب فقط، كما يعتقد المرحوم المحقّق الخوئي؟
والذي نراه أنّ المسلّم هو أنّ الشروط المشكوكة شَرْطٌ لِلْوَاجِبِ فَقَطْ، وليست شرطاً للوجوب؛ لأنّ كونها شرطاً للوجوب يحتاج إلى دليل.
الأقوال في هذه المسألة:
القول الأوّل: البراءة[2] [3] [4] [5]
بالطبع، هناك طريقٌ آخر، و هو أصل البراءة. أي نقول: إنّنا نشكّ في كون هذا القيد شرطاً للوجوب، فنُجري أصل البراءة. ولكن السؤال هو: هل لدينا، بالإضافة إلى أصل البراءة، دليلٌ آخر أيضاً؟ لأنّ «الْأَصْلُ دَلِيلٌ حَيْثُ لَا دَلِيلَ»؛ أي إنّنا نرجع إلى الأصل في الموضع الذي لا يكون لدينا فيه دليل. أمّا إذا أمكننا الاستفادة من إطلاق الأدلّة، فلا نحتاج بعد ذلك إلى الأصل.
وبنظرنا، لدينا هنا دليلان:
١) الدليل الأوّل: أنّ شروط الواجب متيقّنة، وشروط الوجوب مشكوكة؛ أي إنّه من المسلّم أنّ هذا الشرط شرطٌ للواجب، ولكن كونه شرطاً للوجوب مشكوكٌ فيه. ولذلك، يمكننا هنا أيضاً إجراء الأصل.
٢) الدليل الثاني: يمكننا أن نقول إنّ كون الشيء شرطاً للوجوب يحتاج إلى بيانٍ زائد. فلا بدّ من وجود بيانٍ ودليلٍ يفهم منه أنّ هذا الشرط، مضافاً إلى كونه شرطاً للواجب، شرطٌ للوجوب أيضاً. ولكن عندما لا يرد مثل هذا البيان الزائد، نستنتج أنّ هذا الشرط شَرْطٌ لِلْوَاجِبِ وَلَيْسَ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ؛ أي إنّه شرطٌ للواجب وليس شرطاً للوجوب. فإذا كان دليل الواجب مطلقاً، ولم يكن فيه دليلٌ يقيّد الوجوب بهذا الشرط، فيمكن الاستفادة من إطلاق الدليل والقول بأنّ الوجوب مطلقٌ، وأنّ هذا القيد قيدٌ للواجب فقط.
وعليه، فلدينا هنا وجهان لنفي كون القيد شرطاً للوجوب:
١. أصل البراءة: لأنّ كون هذا القيد شرطاً للوجوب مشكوكٌ فيه.
٢. إطلاق الأدلّة: فإذا أمكننا الاستفادة من إطلاق الدليل، فإنّ الإطلاق يقتضي ألّا يكون الوجوب مقيّداً بهذا الشرط.
وبالطبع، إذا أمكننا، بالتمسّك بالإطلاق، إثبات عدم تقييد الوجوب، فلا نحتاج بعد ذلك إلى إجراء أصل البراءة؛ لأنّه مع وجود الدليل الاجتهادي، لا تصل النوبة إلى الأصل العملي.
وعليه، إذا شككنا في أنّ شرطاً ما شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ وَالْوَاجِبِ مَعًا أم شَرْطٌ لِلْوَاجِبِ فَقَطْ، نقول: إنّ القدر المسلّم هو شرطيّته للواجب، أمّا شرطيّته للوجوب فلم تثبت، ولإثبات أنّ هذا الشرط شرطٌ للوجوب أيضاً، نحتاج إلى دليل. فإذن، في الموارد المشكوكة، الأصل هو أن نعدّ هذا القيد شرطاً للواجب، لا أن نجعله، من دون دليل، شرطاً للوجوب أيضاً.
وبنظرنا، يمكننا هنا التمسّك بأصل البراءة، وكذلك، في حال تماميّة مقدّمات التمسّك بالإطلاق، يمكننا الاستناد إلى إطلاق الأدلّة. وعليه، يمكننا بهذين الوجهين أن نصل إلى هذه النتيجة، وهي أنّه في الموارد المشكوكة، تكون شرطيّة هذا القيد للواجب ثابتةً، أمّا شرطيّته للوجوب فغير ثابتة.
تقوية رأي المرحوم المحقّق الخوئي
رأي الأستاذ: بناءً على ذلك، في الموارد المشكوكة، إذا ورد شرطٌ ولم نعلم هل هو شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ وَالْوَاجِبِ مَعًا أم شَرْطٌ لِلْوَاجِبِ فَقَطْ، نقول: إنّ شرطيّته للواجب معلومةٌ وثابتةٌ، أمّا شرطيّته للوجوب فغير ثابتة.
وعلى هذا الأساس، نقوّي رأي المرحوم المحقّق الخوئي في هذه المسألة؛ أي إنّنا في الموارد المشكوكة نعدّ هذا الشرط قيداً للواجب، ونحتاج إلى دليلٍ لكي نعدّه قيداً للوجوب أيضاً.