« قائمة الدروس
بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

47/08/19

بسم الله الرحمن الرحیم

 مباحث الألفاظ/ الأوامر (مقدّمة الواجب/ الواجب المعلّق)/ وجوب التعلّم واجب غیري أو نفسي؟

 

الموضوع: مباحث الألفاظ/ الأوامر (مقدّمة الواجب/ الواجب المعلّق)/ وجوب التعلّم واجب غیري أو نفسي؟

ملخص الجلسة السابقة: تحدثنا في الجلسة الماضية عن وجوب العلم، و قلنا إنّ وجوب تعلم الأحكام الشرعية، في المسائل التي ابتُلي بها (ذات عموم البلوي)، هو من المقدّمات المفوَّتة التي یوجب تركها فوت الواجب الأصلي. أما في المسائل غير المبتلى بها، فليس هناك هذا الوجوب. و في حالات إمكان الاحتياط (خاصّةً في التوسلات)، قد يتساقط وجوب العلم، و لكن في التعبديّات مع القول بعدم جواز الاحتياط، فإنّ العلم لازم. رأي المرحوم الشيخ الأنصاري يؤيّد وجوب العلم في الحالات التي يسبّب تركها التردّد أثناء العبادة، بينما أنّ رأي المرحوم النائيني مِن أنّ جهله لا ينفي القدرة، فتعلّمه ليس من المقدّمات المفوّتة، قابل للنقد؛ لأنّ الجاهل المقصّر قد ضيّع قدرته علی التعلّم بسوء اختیاره و یمکن أن يكون ذلك من صور سلب القدرة التي هم من شرائط التكليف.

هل وجوب التعلّم واجبٌ غيريّ أم نفسيّ؟

تصوّروا أنّ شخصاً يُحضَر يوم القيامة على الصراط، فيُقال له: «لِمَ لَمْ تَعْمَلْ؟» فيجيب: «لم أكن أعلم». فيُقال له مرةً أخرى: «أَفَلَا تَعَلَّمْتَ؟»[1] أي: لِمَ لَمْ تَعْلَمْ؟ و لماذا لم تذهب لتتعلّم؟

و هنا يَطرح عليكم السؤال الاجتهاديّ الأساسيّ: هل الأمر بـ«التعلّم» في هذا الخطاب أمرٌ نفسيّ أم أمرٌ غيريّ؟

و بعبارةٍ أوضح: هل يكون عقاب هذا الشخص على «ترك التعلّم» أم على «ترك الواجب»؟ يوم القيامة حين يُقال له: «لِمَ لَمْ تَتَعَلَّمْ؟» فيقول: «لم أكن أعلم»، فيُقال له: «فلِمَ لَمْ تذهب لتتعلّم؟» فالسؤال الآن: على ماذا يكون عقابه؟ أَيُعاقَب على ترك العمل، أم على ترك التعلّم؟

و لتوضيح المطلب، لاحِظوا هذا المثال: رجلٌ ارتكب الزنا المُحصَن مئة مرّة. فيُقال له يوم القيامة: «لِمَ فَعَلْتَ هذه الأفعال؟» فيجيب: «لم أكن أعلم أصلاً، و لم أكن أعرف حكمها، و لم أكن أعلم أنّ هذا العمل حرام». و نفترض أنّه صادق في قوله، و أنّه لم يكن عالماً بالحكم، بل لم يذهب أصلاً ليسأل عمّا هو الزنا و ما هو الزنا المحصن، و لم يكن داخلاً في هذه الأبواب و يوم القيامة يُراد عقابه. فأنتم -بوصفكم مجتهداً- بيّنوا: أيُّ عقابٍ يُرتَّب عليه؟ هل يُعاقَب على ارتكاب الزنا مئة مرّة و يُلقى في قعر جهنّم؟ أم يُقال له: «لِمَ لَمْ تذهب لتتعلّم؟» (إذ لو كان قد تعلّم، لما أقدم على هذا الذنب بهذا المقدار).

هنا رأيان:

الرأي الأول:

إن عقابه یکون أخفّ؛ لأنّه كان في الواقع جاهلاً (لكن جاهلاً مقصِّراً لا قاصراً)، و مع ذلك فهو جاهل لا يعلم فلا يُسجَّل عليه ارتكاب مئة مرّة من الزنا المحصن بل يُقال له: «لِمَ لَمْ تذهب لتتعلّم؟» و يُجلَدُ بسبب تركه للتعلّم مقداراً من الجلد. و بذلك يكون وجوب التعلّم وجوبًا نفسيًّا.

الرأي الثاني:

يُعاقَب على الزنا و يُقال له: «لقد زنيت مأة مرّة و نحن نجلّدك على زناك.» و في هذه الصورة يكون وجوب التعلّم وجوباً غيريّاً.

التحقيق و مناقشة الرأيين:

هذه المسألة تحتاج إلى تأمّلٍ وتدقيقٍ في الأدلّة. و هنا قولان:

يقول بعضهم: إنّ الله تعالى يُعاقب هذا الشخص يوم القيامة على ترك التعلّم، لأنّه كان في الحقيقة جاهلاً مقصِّراً. و إن كان قد قصّر و لم يذهب ليتعلّم، إلّا أنّه جاهلٌ في النهاية، و عقابه ليس كعقاب العالم المتعمّد.

و قال آخرون: إنّه يُعاقب على تلك المئة من الزنا، و الخطاب «لِمَ لَمْ تذهب لتتعلّم؟» يدلّ على أنّ وجوب التعلّم وجوبٌ نفسيّ.

توضيح:

هذا الشخص جاهلٌ مقصِّر، أي كان يستطيع أن يذهب ليتفقّه و يتعلّم، و لكنّه لم يفعل. و مع ذلك فهو جاهل لم يكن يدري أنّ هذا العمل يستوجب ذلك العقاب الشديد. و يوم القيامة حين يُحضَر و يُقال له: «لقد ارتكبتَ هذه الذنوب الكثيرة»، يقول: «والله لم أكن أعلم أصلاً.» فيُقال له: «لِمَ لَمْ تذهب لتتعلّم؟» فيجيب: «كنتُ لامباليًاً، فلم أذهب لأتعلّم.» فهل هذا الشخص يساوي من يعلم شدّة هذا الذنب ثمّ يرتكبه عن علمٍ و عمدٍ مئة مرّة؟ حتمًا لا؛ فبينهما فرقٌ واضح.

بناءً على ذلك، تتشكّل هنا نظريتان:

١. إذا قيل إنّ عبارة «أَ فَلَا تَعَلَّمْتَ؟» ظاهرها في الواجب الغيري، تكون النتيجة أنّه لا عقاب على ترك التعلّم أصلاً، و العقاب يكون فقط على نفس العمل.

٢. و إذا قيل إن «أَ فَلَا تَعَلَّمْتَ؟» ظاهرها في الواجب النفسي، تكون النتيجة أنّ العقاب على ترك التعلّم، لا على نفس العمل.

 


logo