« قائمة الدروس
بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

47/08/18

بسم الله الرحمن الرحیم

مباحث الألفاظ/الأوامر/ مقدّمة الواجب/ تعلّم الأحکام من المقدّمات المفوّتة أم لا؟

 

الموضوع: مباحث الألفاظ/الأوامر/ مقدّمة الواجب/ تعلّم الأحکام من المقدّمات المفوّتة أم لا؟

خلاصة الجلسة السابقة: ذكرنا في الجلسة الماضية، في بحث وجوب التعلّم، أنّ في تفسير حديث الرفع رأيين:

١) تقييده بأدلّة وجوب التعلّم.

٢) كونه مقيّدًا بـ «بعد الفحص واليأس» (رأي المحقّق الخوئي).

غير أنّ الإشكال الوارد عليه هو أنّه من جهة لا يرى جريان أدلّة البراءة في الشبهات الحكمية قبل الفحص، ومن جهة أخرى يعدّ وجوب التعلّم مقيِّدًا لتلك الأدلّة المولوية نفسها، وهذان الأمران غير منسجمين.

و في ماهية وجوب التعلّم طُرحت نظريتان رئيسيتان: فالشهيد الصدر يراه وجوباً نفسياً تحقّقياً، بينما يرى الميرزا النائيني أنّه وجوب طريقي. و بناءً على رأي المحقّق النائيني، فإنّ عقاب الجاهل المقصّر الذي ارتكب معصيةً ليس لأجل نفس المعصية، بل بسبب ترك التعلّم؛ إذ كان بإمكانه أن يمنع نفسه من المعصية بالتعلّم. و هذا العقاب يختلف اختلافاً جوهرياً عن عقاب العالم العامد، و هو أقلّ شدّة بكثير. و عليه فإنّ وجوب التعلّم طريقيّ و مولويّ معاً.

الأمر الثالث

في علم الأصول، يُطرح سؤال مهمّ: هل تعلّم الأحكام من المقدّمات المفوِّتة أم لا؟

توضيح: يُراد بالمقدّمات المفوِّتة تلك المقدّمات التي يؤدّي تركها إلى فوات الواجب. و يكاد يكون من المتسالم عليه أنّه يجب الإتيان بالمقدّمات المفوِّتة؛ لأنّه إذا لم تُؤتَ بها فات الواجب الأصلي.

السؤال الرئيسي: هل تعلّم الأحكام من هذا القسم، أي من المقدّمات المفوِّتة؟

التفصيل بين المسائل المبتلى بها و غير المبتلى بها

في نظرنا، الجواب عن هذا السؤال يحتاج إلى تفصيل:

المسائل المبتلى بها (و هي المسائل التي يحتاج إليها الشخص في مقام العمل): هذا القسم يُعدّ من المقدّمات المفوِّتة؛ لأنّ الإنسان إذا لم يكن عالماً بالمسائل المبتلى بها، فلن يتمكّن من الصلاة و لا من الصوم و لا من أداء الحجّ، و لا من الإتيان بسائر واجباته. و هذه المسائل ممّا تعمّ به البلوى، و لذلك يكون تعلّمها ضروريّاً.

أمّا المسائل غير المبتلى بها، و هي المسائل التي لا تكون محلّ ابتلاء الشخص، فهذا القسم لا يُعدّ من المقدّمات المفوِّتة.

دراسة حالة إمكان الاحتياط

النكتة الثانية: هل يجب تعلّم الحكم في الموارد التي يكون فيها الاحتياط ممكناً، أم لا؟

و هنا أيضاً لا بدّ من التفصيل:

في نظرنا، في التوصّليات و هي الأعمال التي لا يُشترط فيها قصد القربة، لا يكون الاحتياط في الغالب مشكلاً. كما لو غسل يده ثلاث مرّات بقصد الاحتياط.

و أمّا في التعبّديات، و هي الأعمال التي يُشترط فيها قصد القربة، فقد ذهب بعض الأعلام إلى أنّ «الاحتياط خلاف الاحتياط»؛ لأنّ «قصد الوجوه» لا يتحقّق فيها. ومعنى ذلك أنّ الشخص إذا لم يعلم أنّ الفعل واجب أم لا، فلا يمكنه أن يأتي به بقصد الوجوب.

فالنتيجة: إن قلنا بعدم جواز الاحتياط في التعبّديات، وجب تعلّم الحكم في تلك الموارد. و أمّا إذا قلنا بجواز الاحتياط، فقد يقال: إنّ تعلّم الحكم لا يكون واجباً هناك؛ لأنّ المكلّف يستطيع أن يعمل بالاحتياط من دون تعلّمٍ تفصيليّ للحكم.

و يبدو لنا أنّ ما ذكره الأعلام هو الصحيح، و هو أنّ وجوب تعلّم الأحكام في الموارد التي تعمّ بها البلوى يندرج في المقدّمات المفوِّتة. و أمّا في غير موارد الابتلاء، فلا دليل عندنا على كونه من المقدّمات المفوِّتة، و كذلك في الموارد التي يمكن فيها الاحتياط، فإنّه لا يكون من المقدّمات المفوِّتة أيضاً.

القول الأوّل: يندرج مبحث وجوب تعلّم الأحكام في باب المقدّمات المفوّتة[1] .

وقد أشار المرحوم الشيخ الأنصاري إلى هذا المعنى نفسه، حيث قال:«و يمكن التفصيل بين كون الحادث الموجب للتردد في الصحة ممّا وجب على المكلّف تعلّم حكمه قبل الدخول في الصلاة، لعموم البلوى، كأحكام الخلل الشائع وقوعها و ابتلاء المكلّف بها، فلا يجوز لتارك معرفتها إذا حصل له التردّد في الأثناء المضي و البناء على الاستكشاف بعد الفراغ، لأنّ التردّد حصل من سوء اختياره، فهو في مقام الإطاعة كالداخل في العمل متردّداً. و بين كونه ممّا لا يتّفق إلا نادراً، و لأجل ذلك لا يجب تعلّم حكمه قبل الدخول، للوثوق بعدم الابتلاء غالباً، فيجوز هنا المضيّ في العمل على الوجه المذكور».[2]

و مراده أنّ المسائل التي تكون محلّ ابتلاء و توجب تردّد الإنسان في العبادة، كما إذا شكّ في الصلاة و لم يعرف وظيفته، فإنّه «فلا يجوز لتارك معرفتها إذا حصل له التردّد في الأثناء المضيّ»؛ أي لا يجوز له أن يترك تعلّمها إن عرض له التردّد في أثناء العمل.

و مثاله: أن يُبتلى شخص في الصلاة بحالة شكّ، و هو لا يعرف حكم المسألة، فيقول: أبني صلاتي على وجهٍ ما و أتمّها، ثمّ أراجع الحكم بعد ذلك، فإن كانت صحيحةً فبها، و إن كانت باطلة أعدتها و أمّا الآن فلا أتعلم المسألة.

فيجيب المرحوم الشيخ الأنصاري بقوله: «فلا يجوز لتارك معرفتها إذا حصل له التردّد في الأثناء المضي و البناء على الاستكشاف بعد الفراغ؛ لأنّ التردّد حصل من سوء اختياره» أي إنّ هذا العمل غير صحيح؛ لأنّ هذا التردّد ناشئ من سوء اختياره هو، إذ لم يتعلّم المسألة من قبل. ثمّ قال: «فهو في مقام الإطاعة كالداخل في العمل متردّداً» أي إنّه في مقام الامتثال و العبادة بمنزلة من دخل في العمل متردّداً من أوّل الأمر. و عليه، تُشكل صلاته؛ لأنّه منذ ابتداء الصلاة، و بما أنّه ممّن قد يُبتلى بالشكّ، لا يدري هل يستطيع إتمام الصلاة على وجهها الصحيح أم لا.و أمّا المسائل التي لا تقع إلا قليلاً، و لا يبتلى بها الإنسان إلا نادراً، فلا حاجة إلى تعلّمها قبل الدخول في العبادة، بشرط وجود «الوثوق بعدم الابتلاء غالباً»، أي حصول الاطمئنان الغالب بعدم الابتلاء بها.

إشكال في القول الأوّل

قد ذكرنا سابقاً أنّ المقدّمات المفوِّتة هي المقدّمات التي يوجب تركها سلب القدرة على الإتيان بالواجب؛ لأنّ القدرة شرط في التكليف. فالمقدّمات المفوِّتة تمنع من تحقّق القدرة. فمثلاً إذا لم يُسجِّل الإنسان اسمه للحجّ، فإنّه يفقد القدرة على أدائه.

السؤال: هل ترك التعلّم أيضاً يوجب عدم القدرة؟

«فإنّ بين البابين بونًا بعيدًا، إذ باب المقدّمات المفوّتة يرجع إلى مسألة القدرة على ما عرفت، و باب وجوب التعلّم أجنبيّ عن باب القدرة، لأنّ الجهل بالحكم لا يوجب سلب القدرة، و من هنا كانت الأحكام مشتركة بين العالم و الجاهل.»[3]

يقول المحقّق النائيني (رحمه الله): لا، إنّ ترك التعلّم لا يوجب عدم القدرة؛ لأنّ الشارع المقدّس جعل الأحكام مشتركةً بين العالم و الجاهل. فلو كان الجاهل غير قادر، لما توجّه إليه التكليف. و بما أنّ الجاهل أيضاً مكلَّف، يُعلم أنّه قادر؛ و عليه فالجهل لا ينفي القدرة.

ردّ الإشكال

برأينا: هذا الكلام غير تامّ. و الجواب عن إشكاله هو أنّ الجاهل القاصر، و هو من لا تقصير له في جهله، لا يكون مكلَّفاً. أمّا الجاهل المقصِّر، و هو من أبقى نفسه على الجهل بسوء اختياره، فهو مكلَّف؛ لأنّه كان يمكنه أن يتعلّم و كان قادراً على ذلك، لكنّه لم يستفد من هذه القدرة. و على هذا الأساس، فإنّ جهل المقصِّر يمكن أن يكون رافعاً للقدرة المطلوبة للتكليف. و لذلك يكون هذا الشخص مكلَّفاً برفع جهله، و ترك ذلك قد يُعدّ من مصاديق ترك المقدّمة المفوِّتة.

 


logo