« قائمة الدروس
بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

47/08/13

بسم الله الرحمن الرحیم

 دراسة وجوب التعلّم من حیث الطريقيّة و ماهيته (إرشادي أو مولوي)/ الأوامر (الواجب المعلّق)/ مباحث الألفاظ

 

الموضوع: مباحث الألفاظ/ الأوامر (الواجب المعلّق)/ دراسة وجوب التعلّم من حیث الطريقيّة و ماهيته (إرشادي أو مولوي)

خلاصة الجلسة الماضية: في الجلسة السابقة جرى النقاش حول ماهيّة وجوب التعلّم. و قد تبيّن أنّ وجوب التعلّم وجوبٌ طريقيّ و إرشاديّ، لا نفسيّ و لا مولوي. و معنى ذلك أنّ التعلّم ليس مقصوداً لذاته، بل هو وسيلة لأداء التكاليف على الوجه الصحيح، و أنّ الشارع في هذا الحكم إنّما يؤكّد ما يحكم به العقل. كما أنّ الاستناد إلى حديث «رُفِعَ مَا لَا يَعْلَمُونَ» لتبرير ترك التعلّم ثمّ ترك التكليف استنادٌ غير صحيح؛ لأنّ أدلّة وجوب التعلّم تُقيِّد إطلاق أدلّة البراءة. و يرى المحقّق الخوئي (رحمه الله) أنّ وجوب التعلّم مولويّ ليكون قادراً على تقييد أدلّة البراءة، غير أنّه من جهةٍ أخرى يعتقد أنّ أدلّة البراءة في الشبهات الحكميّة قبل الفحص لا تجري أصلاً. و الإشكال الأساسي هو وجود تعارض بين هذين المبنيين؛ لأنّ التقييد فرع الشمول، فإذا كانت أدلّة البراءة لا تشمل هذا المورد من البداية، فلا حاجة إلى عدّ وجوب التعلّم مولويّاً لأجل تقييدها.

و في الجلسة الماضية طُرحت نكتةٌ مهمّة نعيدها لتثبيتها في الأذهان. و كان محور النقاش تفسير و تطبيق الحديث الشريف «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي مَا لَا يَعْلَمُونَ» فالمعنى الظاهري للحديث أنّ «ما لا يعلمونه قد رُفع عنهم»، و هو المستند لقاعدة «قُبْحُ العِقَابِ بِلَا بَيَان». و لكن عند التفسير یکون السؤال الأساسي هو: في أيّ الموارد تجري هذه الرواية؟

رأيان في تفسير حديث الرفع:

القول الأوّل: رأي المحقّق الخوئي (أعلى الله مقامه)

يرى أنّ حديث الرفع يجري «بعد الفحص و اليأس»[1] ، أي إنّ شموله يختصّ بالموارد التي لا يصل فيها المكلّف إلى الحكم الشرعي بعد الفحص و التحقيق في آيات القرآن و روايات المعصومين (عليهم السلام). فإذا كان الحكم موجوداً في الكتاب و السنّة، فلا يشمله حديث الرفع. فمجال جريان الحديث هو موارد فقدان البيان الشرعي بعد الفحص.

القول الثاني: رأي المخالفين

ذهب بعضهم إلى أنّ حديث الرفع مطلق، من دون تقييد بـ «بعد الفحص». غير أنّ أدلّة وجوب التعلّم، مثل: «طلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ»[2] و قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾[3] و قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾[4] و قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾[5] ، تدلّ على وجوب الفحص و التعلّم، و بذلك تُقيِّد إطلاق حديث الرفع بما بعد الفحص.

وعليه، فإنّ النتيجة النهائية في كلا القولين تنتهي إلى تقييد حديث الرفع بما بعد الفحص، غير أنّ منشأ استنباط هذا التقييد مختلف بينهما.

إعادة النظر و بيان نظرية المحقّق الخوئي و الإشكال الوارد عليها:

في المباحث السابقة طُرحت هذه المسألة: هل إنّ الأمر بـ «وجوب التعلّم» أمرٌ طريقيّ أم نفسيّ أم غيريّ؟ و قد أشرنا في تحليل هذا البحث إلى أنّ المحقّق الخوئي (أعلى الله مقامه) قد طرح هنا رأياً يستحقّ التأمّل، و هو مخالفٌ للمبنى الذي اختاره بنفسه في بحث البراءة.

فإنّه في مبحث البراءة يقول بـ «الانصراف»، أي يعتقد أنّ أدلّة الرفع مثل قوله (صلّی الله عليه و آله) «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي … مَا لَا يَعْلَمُونَ» منصرفةٌ عن موردٍ لم يقم فيه الشخص بالفحص و التحقيق. وبعبارة أخرى، إنّ هذه الأدلّة لا تشمل من لم يسعَ أصلاً إلى اكتشاف الحكم (قبل الفحص)، بل إنّها تشمله فقط بعد الفحص و عدم الوصول إلى الدليل (بعد الفحص و اليأس).

و النتيجة المنطقيّة لهذا المبنى أنّه إذا كانت أدلّة البراءة من البداية لا تشمل مثل هذا المورد، فلا حاجة حينئذٍ إلى التقييد (أي تحديد دائرة الشمول)، لأنّ التقييد إنّما يكون ذا معنى عندما يكون هناك إطلاق نريد تضييق نطاقه.

غير أنّ الإشكال هنا هو أنّ المحقّق الخوئي (رحمه الله) نفسه قد قال بالتقييد في موضعٍ آخر (عند بحث وجوب التعلّم)، حيث ذكر أنّ «أدلّة وجوب التعلّم» تأتي فتقيّد إطلاق أدلّة «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي مَا لَا يَعْلَمُونَ» بـ «بعد الفحص و اليأس». ثمّ حكم بأنّ وجوب التعلّم مولويّ، ليصحّ هذا التقييد؛ لأنّ «الحكم الإرشادي لا يمكن أن يكون مقيِّداً».

برأينا أنّ بين هذين الكلامين نوعاً من التنافي؛ لأنّه إذا كانت أدلّة البراءة- بحسب المبنى الأوّل- منصرفةً عن موارد قبل الفحص (أي غير شاملة لها أصلاً)، فلا يبقى مجالٌ لتقييدها. و عليه فإنّ الاستدلال بلزوم كون وجوب التعلّم مولويّاً لأجل التقييد لا ينسجم مع ذلك المبنى.

لذا ينبغي تسجيل هذه النكتة بوصفها إشكالاً مهمّاً على رأي المحقّق الخوئي، و أخذها بعين الاعتبار عند مراجعة كلماته و آثاره.

القول الثالث: وجوب التعلّم وجوبٌ نفسيٌّ تهيُّئيّ[6]

يرى الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) أنّ «وجوب التعلّم وجوبٌ نفسيٌّ تهيُّئيّ»[7] . و معنى هذا التعبير أنّ التعلّم واجبٌ ذاتيٌّ مستقلّ شُرِّع لأجل التهيئة و إعداد المكلّف للقيام بالواجبات و ترك المحرّمات. أي إنّ الإنسان لكي يطيع ربَّه لا بدّ أن يتعلّم الأحكام؛ و من ثمّ فالتعلّم يُعدّ مقدّمةً واجبةً بالذات لأجل الطاعة.

رأي المرحوم الميرزا النائيني (أعلى الله مقامه) و الأسئلة الفرعيّة

أمّا المحقّق النائيني (رحمه الله) يرى أنّ «وجوب التعلّم واجبٌ طريقيّ» خلافاً للشهید الصدر، كما أنّ تعابير أخرى مثل «الوجوب الغيري» أو «الوجوب الترشّحي» أو «الوجوب الطريقي» كلّها تشير إلى المعنى نفسه؛ و هو أنّ وجوب التعلّم وجوبٌ طريقيّ و وسيلةٌ للوصول إلى الوظيفة الأصليّة، و هي الطاعة (فعل الواجب و ترك الحرام). فبدون فهم الأحكام و معرفتها لا يستطيع الإنسان أن يطبّق أمر الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾[8] تطبيقاً صحيحاً.

و الآن يطرح السؤال: ما هو فهمكم لهذا الأمر؟ عندما يوصف الوجوب بأنّه ترشّحي أو يُسمّى غيريًّا أو يُعدّ طريقيًّا، فما النتيجة المترتّبة على ذلك؟ فإذا كان شخصٌ جاهلاً بالحكم و ارتكب معصيةً (كأن يزني و هو غير عالمٍ بحرمة ذلك)، فعلى أيّ شيء يتوجّه العقاب؟

هل يكون العقاب على تَرْكِ الوَاقِعِ (تركِ التكليف الأصلي)؟

أم يكون العقاب على تَرْكِ التعلّم (تركِ المقدّمة)؟

و لتوضيح المسألة، قارن بين شخصين:

الشخص الأوّل: يعلم بالحكم (مثلاً يعلم أنّ الزنا حرام) و مع ذلك يتعمّد ارتكابه.

الشخص الثاني: لا يعلم أصلاً أنّ هذا الفعل محرّم (كمن لا يعرف حرمة الزنا) فيفعله، و يقول: «أنا حقًّا لم أكن أعلم، لم أعرف أنّ هذا حرام.»

فهل بين هذين الشخصين فرقٌ أم لا؟ القاعدة تقتضي أنّ العقاب يتعلّق بترك الواقع (التكليف الأصلي). و الآن يُطرح السؤال: ماذا تقولون في شأن الشخص الجاهل؟ هل يكون العقاب على ترك الواقع، أم على ترك المقدّمة (عدم التعلّم)؟

برأينا أنّ هذا السؤال معيارٌ مهمّ في دراسة نظريّة طريقيّة وجوب التعلّم. فإن كان الوجوب طريقيّاً، فالعقاب الأصلي ينبغي أن يتوجّه إلى ترك الواقع (المعصية)، لا إلى مجرّد ترك المقدّمة. و مع ذلك، يمكن أن يشمل العتابُ و المؤاخذةُ الإلهيّة سببَ ترك التعلّم أيضاً، و لا سيّما إذا كان هناك تقصير (جاهلٌ مقصّر).

دراسة فرض عدم ارتكاب المعصية

السؤال: إذا كان شخص لم يتعلّم الأحكام و لم يرتكب أيّ ذنب (مثلاً احترز بسبب الاحتياط حتى عن كثير من المباحات)، فهل يترتّب عليه عقاب لمجرّد ترك التعلّم؟

هذا السؤال يفتح باباً دقيقاً أشار إليه المحقّق النائيني (رحمه الله). فإذا كان وجوب التعلّم طريقيّاً محضاً، ففي الفرض الذي يكون فيه الشخص قد امتثل وظيفته من طريق آخر (كالاحتياط)، قد يكون ترك المقدّمة (التعلّم) خالياً من العقاب المستقلّ.

لكن هنا نکتة: إذا أدّى ترك التعلّم إلى فوات واجبٍ أو ارتكاب حرام، يتحقّق في حدّ نفسه العقابُ المترتّب على ذلك.

تبيين و نقد نظريّة المحقّق النائيني (رحمه الله) في مسألة العقاب

السؤال الثاني و هو أدقّ: شخص جاهل بالحكم قد ارتكب معصيةً (كمن وقع في الزنا مثلاً)، ثم يدّعي: «أنا لم أكن أعلم أنّ هذا حرام» في يوم القيامة، إلى أيّ جهة من فعله يتوجّه العقاب الإلهي؟ هل يُقال له: «لِمَ ارتكبت هذه المعصية؟» أم يقال له: «لِمَ لَمْ تذهب لتتعلّم (حتّى تعلم بحرمتها)؟»

قد ذهب المحقّق النائيني (أعلى الله مقامه) إلى أنّ العقاب ليس على نفس المعصية (ترك الواقع)، بل على «ترك التعلّم». و بعبارة أخرى، المؤاخذة الأصليّة متوجّهة إلى أنّه: «لِمَ تركت الطريق الموصِل إلى معرفة التكليف، و لم تتعلّم؟» نعم، للمعصية الصادرة آثارها الوضعيّة الخاصّة، لكن من حيث العقاب التكليفي، تكون المؤاخذة ناظرةً إلى ترك المقدّمة (التعلّم).

و يشير (قده) لتأييد هذا الرأي إلى فرقٍ مهمّ: إنّ العقاب الناشئ عن ترك التعلّم يختلف تماماً عن عقاب من يرتكب الذنب عالماً عامداً. الجاهل القاصر (کالذي یکون في ابتداء التکلیف فإنّه غافل عن الحكم حقّاً)، و إن كان يُؤاخَذ من جهة ترك التعلّم، إلا أنّ مستوى هذا العقاب و درجته أدنى بكثير من عقاب الشخص العالِم المتعمّد الذي يرتكب المعصية مع علمه التامّ بعِظَم الذنب و عقوبته. و هذا التفاوت في العقاب ينسجم مع بعض الروايات التي تتحدّث عن مغفرة «سبعين ذنباً» للجاهل.

الإشكال الوارد على نظريّة المحقّق النائيني و مناقشتها

هنا إشكالٌ يُوجَّه إلى رأيه: فمن جهةٍ، يذهب إلى أنّ وجوب التعلّم وجوبٌ طريقيّ، و من جهةٍ أخرى يرى أنّ العقاب مترتّب على نفس هذه المقدّمة، أي ترك التعلّم. ويبدو أنّ بين هذين الادّعاءين تنافياً؛ لأنّه إذا كان الوجوب طريقيّاً محضاً، فمعناه أنّ العقاب الأصليّ يتعلّق فقط بترك «ذي المقدّمة» (أي المعصية أو ترك الواجب)، أمّا ترك نفس الطريق (المقدّمة) فلا يستوجب عقاباً مستقلاً. فكيف يكون المحقّق النائيني (رحمه الله) قائلاً بالطريقيّة، و مع ذلك يرى العقاب على ترك الطريق؟

برأينا أنّه یجب في رفع هذه الشبهة أن يُقال: إنّ كون الحكم طريقيّاً لا يستلزم بالضرورة انتفاء العقاب على تركه. فقد يكون التكليف طريقيّاً (أي جُعل وسيلةً للوصول إلى غاية أخرى)، و مع ذلك يجعل الشارعُ المقدّس لترك هذا الطريق المعَيَّن عقاباً مولوياً مستقلاً. فيكون تركُه تركاً للطريق، و مستوجِباً لعقابٍ خاصٍّ به، دون أن ينافي ذلك منطقَ التشري

و يمكن تفسير بيان المرحوم النائيني بقوله:

«هو مترتّبٌ على ترك الطريق المؤدّي إلى مخالفة الواقع»[9] ؛ أي إنّ العقاب مترتّب على ترك الطريق الذي يؤدّي تركُه إلى الوقوع في مخالفة الواقع (المعصية). فخطاب الله تعالى للجاهل يكون: «لِمَ تركتَ هذا الطريق (التعلّم) الذي كان يَصُدّك عن الوقوع في الذنب؟» لا أن یقول «لِمَ ارتكبتَ هذه المعصية بعينها؟» لأنّه بسبب جهله، لم يكن في دائرة التكليف بتلك المعصية الخاصة.

وجه الإشكال أنّكم إذا قلتم «هو طريقيّ»، فمعناه أنّ العقاب على مخالفة الواقع، لا على ترك المقدّمة. فالقائلون بالغيريّة أو بالترشّح يقولون إنّ العقاب إنّما هو على مخالفة الواقع، لا على المقدّمة، أي إنّ ترك التعلّم لا يوجب العقاب؛ لأنّ العقاب يترتّب على ترك الواق فهل هذا الفهم ينافي ما علیه المحقّق النائيني؟ أم ينبغي القول إنّ مقصوده «الطريقيّة المولويّة»؟ فيُحتمل أن يكون الوجوب طريقيّاً، و مع ذلك مولوياً أيضاً، بحيث يترتّب العقاب عليه.


logo