47/08/12
بسم الله الرحمن الرحیم
التعلّم واجب نفسي أو غیري، طريقي أو إرشادي؟/الأوامر (الواجب المعلّق)/ مباحث الألفاظ
الموضوع: مباحث الألفاظ/الأوامر (الواجب المعلّق)/ التعلّم واجب نفسي أو غیري، طريقي أو إرشادي؟
خلاصة الجلسة السابقة: کان النقاش في الجلسة الماضية حول «الواجب المعلّق» (مثل الحجّ)، و قلنا إنّ وجوب تعلّم الأحكام الشرعيّة وجوبٌ طريقيّ لا نفسيّ؛ أي إنّ العلم لا موضوعيّة مستقلّة له، بل إنّما وُجب باعتباره طريقاً للوصول إلى الهدف الأصلي، و هو امتثال التكاليف كأداء الصلاة على وجهٍ صحيح. و بناءً على ذلك، إذا وصل المكلّف إلى المقصود من دون تعلّمٍ مباشر و من طريقٍ آخر (كالاحتياط مثلاً)، فلا يستحقّ عقاباً.
كما أنّ هذا الوجوب إرشاديّ؛ لأنّ الشارع إنّما يبيّن حكم العقل بلزوم التعلّم لأجل امتثال التكاليف فترك نفس عمليّة التعلّم لا يترتّب عليه عقابٌ شرعيّ مستقلّ، ما لم يؤدِّ إلى ترك واجبٍ أو ارتكاب حرام، و عندئذٍ يكون العقاب ناشئاً من نفس ذلك الذنب.
وعليه، فلا تعارض بين كون وجوب التعلّم طريقيّاً (بحسب نظر المرحوم النائيني) و كونه إرشاديّاً (بحسب نظر المرحوم البجنوردي). فهذا الوجوب طريقيّ، لأنّه وسيلةٌ للوصول إلى التكليف، و إرشاديّ أيضاً، لأنّ تركه لا يوجب عقاباً مولويّاً مستقلّاً.
وأمّا البحث الحالي في علم الأصول فهو حول «وجوب التعلّم». فهل هذا الوجوب طريقيّ أم لا؟ و إذا كان طريقيّاً، فهل هو إرشاديّ أم مولويّ؟ و ما هي الوجوه و الأدلّة الدالّة على هذا الوجوب؟
و خلال المباحث يُطرح سؤالٌ يحتاج إلى دقّةٍ و تأمّل:
الحديث «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي … مَا لَا يَعْلَمُونَ»[1] يُعَدُّ من «أدلّة البراءة». و الآن لو أنّ شخصاً لم يتعلّم الصلاة، ثم قال: «أنا لا أُحسِن الصلاة، فلذلك لا أُصلّي»، و استند في ذلك إلى هذا الحديث، فما هو الجواب له؟ إذ بحسب ظاهر الحديث: «ما لا تعلمونه مرفوع عنكم». فهل يمكنه أن يقول: بما أنّي لم أكن أعلم، فلا عقاب عليّ؟
الجواب و بيان الدليل
في نظرنا، الجواب أنّ هذا الحديث جارٍ في الشبهات الحكميّة كما يجري في الشبهات الموضوعيّة. و لكن ما هو الدليل على ذلك؟
الدليل هو الآيات و الروايات التي تدلّ على وجوب تعلّم العلم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾[2] و قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾[3] و نظائر هذه الأدلّة، فإنّها تُقيِّد إطلاق أدلّة البراءة، كحديث: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي … مَا لَا يَعْلَمُونَ». و ذلك لأنّ إطلاق أدلّة البراءة لا يشمل حالةَ مَن يترك أصلَ طلبِ التعلّم، ثمّ يتشبّث بحديث الرفع لترك التكليف.
و بتعبيرٍ آخر: الجواب لذلك الشخص هو أن يُقال له: «كان يجب عليك أن تتعلّم؛ لِمَ لَمْ تذهب لتتعلّم؟ كان ينبغي أن تتعلّم ثم تؤدّي صلاتك». و هذا البيان في الحقيقة يُعدّ تخصيصاً و تقييداً لإطلاق أدلّة البراءة.
قاعدة أصوليّة مهمّة:
ثَمّةَ نكتةٌ علميّة ذاتُ أثرٍ كبير في عمليّة الاستنباط، و هي:
«إنّ الحكم الإرشادي -أي الحكم الذي هو مجرّد إرشادٍ إلى حكم العقل- لا يمكن أن يكون مُقيِّدًا، أمّا الحكم المولوي -و هو الحكم المنشئ للإلزام الشرعي- فيمكن أن يكون مُقيِّدًا».
و في علم الأصول يُبحث عن «المطلقات» و «المقيّدات». و هنا يُطرح السؤال: هل يمكن أن تكون المقيّدات من سنخ الحكم الإرشادي؟
و على رأينا، الجواب سلبيّ؛ لأنّ الحكم الإرشادي حكمٌ عقلائيّ، و لا يصلح أن يكون مقيّداً للمطلقات الشرعيّة.
رأي المرحوم المحقّق الخوئي (أعلى الله مقامه الشريف):
ذكر في كتابه الأصولي كلاماً جديراً بالتأمّل:
«و امّا الوجوب الارشادي، بأن يكون ما دلّ عليه من الآيات و الروايات إرشاداً الى ما استقلّ به العقل، نظير الآيات الناهية عن العمل بغير العلم، فلا يمكن الالتزام به أيضاً. إذ لو حملت أدلّة وجوب التعلّم على الارشاد لزم جريان البراءة الشرعية في الشبهات الحكمية قبل الفحص، لانّ المقتضي لجريانها و هو اطلاق الادلّة موجود، و المانع عنه انّما هي هذه الآيات و الروايات الدالّة على وجوب التعلّم، فهي تقيّد اطلاقات أدلّة البراءة بما بعد الفحص، و لو فرض حملها على الارشاد، فهي غير صالحة للمنع عن اطلاقاتها، بل تساق مساق حكم العقل المنتفي بانتفاء موضوعه، اذ مع وجود دليل شرعي من اطلاق أو عموم لا يبقى مجال لحكم العقل. فالمتعيّن هو الالتزام بكون وجوب التعلّم وجوباً مولوياً طريقياً نظير وجوب العمل بالامارات، و يترتّب عليه تنجيز الواقع عند الاصابة، فيكون مانعاً عن جريان البراءة الشرعية في الشبهات الحكمية قبل الفحص».[4]
يقول (رحمه الله): إعمال أدلّة البراءة في الشبهات الحكميّة قبل الفحص غير صحيح. و توضيح ذلك أنّه إذا أراد المكلّف إجراء البراءة، فلا بُدّ أوّلاً من الفحص، و أن يستحضر الأدلّة، و يطّلع على الآيات و الروايات، فإن لم يجد بعد الفحص دليلاً على التكليف، أمكن حينئذٍ القول: «رُفِعَ مَا لَا يَعْلَمُونَ». و أمّا «قُبْحُ العِقَابِ بِلَا بَيَانٍ»، فمعناه أنّه عند عدم البيان تجري البراءة. فموضع إعمال البراءة هو حيث لا بيان. فإذا كان هناك بيان من الشارع، من آيةٍ أو رواية، فلا مانع حينئذٍ من العقاب. و أمّا إذا لم يُعثر على آيةٍ و لا رواية، فهناك يُقال: «رُفِعَ مَا لَا يَعْلَمُونَ».
و يُصرّح المحقّق الخوئي (رحمه الله) بأنّه: «في الشبهات الموضوعيّة تجري البراءة، لكن في الشبهات الحكميّة قبل الفحص لا تجري أصلاً».
ثمّ يقول: «إنّ وجوب التعلّم هذا ليس إرشاديّاً» و وجه ذلك عنده أنّنا نحتاج إلى أن يكون هذا الوجوب مُقيِّداً لأدلّة البراءة، و الحكم الإرشادي لا يصلح أن يكون مُقيِّداً، فيتعيّن حينئذٍ أن يكون مولويّاً.
إشكالٌ على رأي المحقّق الخوئي:
يمكن تقرير الإشكال الوارد على هذا الرأي على النحو التالي:
إذا كان- كما يقول المحقّق الخوئي نفسه- أنّ أدلّة البراءة لا تجري أصلاً في الشبهات الحكميّة قبل الفحص، فلا حاجة إذن إلى مُقيِّد. إنّما يُحتاج إلی المقيِّد حين يُقال إنّ أدلّة البراءة تشمل المورد، فيلزم إخراجُه بالتخصيص أو التقييد. أمّا إذا قيل منذ البداية إنّها لا تشمل المورد أصلاً، فلا موجب للبحث عن مقيِّد. و عليه، فاستدلاله بأنّ «وجوب التعلّم ينبغي أن يكون مولويّاً لكي يصلح أن يكون مُقيِّداً» مبنيٌّ على افتراض شمول أدلّة البراءة، مع أنّ هذا الشمول منفيٌّ بحسب مبناه هو نفسه. و من ثمّ، فهذا الإشكال وارد على رأي المحقّق الخوئي (رحمه الله).
تبيينٌ دقيقٌ للإشكال و نتيجته:
شرح و تنقيح الإشكال
يمكن تقريب الإشكال الأساسي على رأي المرحوم المحقّق الخوئي (أعلى الله مقامه) بالصورة التالية:
هو قرّر أوّلاً هذا المبنی من أنّ «أدلّة البراءة لا تجري في الشبهات الحكميّة قبل الفحص». و إذا قبلنا بهذا المبنى، فلا تبقى حاجة إلى مقيِّدٍ لتلك الأدلّة؛ لأنّ الحاجة إلى المقيِّد إنّما هو عندما نقول إنّ أدلّة البراءة تشمل مورداً معيّناً، و لإخراجه لا بُدّ من التقييد. أمّا إذا نُفي الشمول من الأصل بالنسبة إلى الشبهات الحكميّة قبل الفحص، فلا يبقى مجالٌ أصلاً للحديث عن مقيِّد.
و بتعبيرٍ أوضح: «تقييد الإطلاق» فرع «ثبوت الإطلاق». فإذا لم يكن هناك شمول، كان الكلام في التقييد لغواً و غيرَ ذي موضو
النقطة الجديرة بالتأمّل أنّ المحقّق الخوئي نفسه، في استمراره لنفس البحث، جعل لوجوب التعلّم جهةً مولويّةً، و دليلُه في ذلك أنّ هذا الوجوب ينبغي أن يكون مُقيِّداً لإطلاقات أدلّة البراءة، و الحكم الإرشادي لا يصلح أن يكون مُقيِّداً، فلابدّ إذن أن يكون مولويّاً.
و برأينا، يوجد نوعٌ من التنافر (تعارض داخلي) في هذا الاستدلال؛ إذ من جهةٍ و بحسب مبناه الأوّل، أدلّة البراءة في هذا المورد أصلا ًلا تجري (أي لا تشمل)، و من جهةٍ أخرى، لتبرير مولويّة وجوب التعلّم، يجعله مقيّداً لتلك الأدلة، و هذا إنّما يكون فرع شمولها. و هذان الأمران لا ينسجمان.
و قد وردت هذه العبارة في كتابه القيّم «مصباح الأصول»، حيث أشار إليها في مبحث البراءة و في ذيل نفس المسألة.
الإشكال الوارد هو: كيف يمكن اعتبار شيءٍ مقيِّداً لأدلّةٍ، بينما تلك الأدلّة - حسب تصريحه السابق- لا تشمل ذلك المورد أصلاً؟