« قائمة الدروس
بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

47/08/11

بسم الله الرحمن الرحیم

 مباحث الألفاظ/ الأوامر/ الواجب المعلّق/ التعلّم واجب نفسي أو غیري، طريقي أو إرشادي؟

 

الموضوع: مباحث الألفاظ/ الأوامر/ الواجب المعلّق/ التعلّم واجب نفسي أو غیري، طريقي أو إرشادي؟

خلاصة الجلسة السابقة: قد نوقشت في الجلسة السابقة حول مسألة «الواجب المعلّق» (مثل الحج). قلنا إنّ تعلّم القرآن و أجزاء الصلاة واجب غيري. الواجب الغيري أحياناً طريقيّ محض (مثل التعلّم) و أحياناً موضوعي (مثل الوضوء و الغسل). الوضوء و الغسل، بالإضافة إلى كونهما غيريّين، لهما موضوعية و أثر عبادي مستقل. الحكم الإرشاديّ لا يترتّب عليه عقاب لترك المقدمة؛ فالعقاب يتعلق بترك ذي المقدمة. الحكم المولوي يجعل العقاب مترتّباً على ترك المقدّمة نفسها. كون الشيء طريقياً لا ينافي كونه مولويّاً. بناءً على الروايات، يكون التعلم في بعض الحالات واجباً طريقيّاً مولويّاً.

في المباحث الأصوليّة يطرح هذا السؤال الأساسي: أي نوع من الوجوب هو «التعلّم» (اكتساب الأحكام الشرعية)؟ بعبارة أخرى، هل وجوب تعلّم مسائل الصلاة و قراءة القرآن و سائر الأحكام من جنس «الواجب الطريقي» أم «الواجب النفسي»، أم يُعتبر «واجباً غيريّاً إرشادياً«.

» پس وضو صرفاً طریق محض نیست، بلکه واجبی است که هم طریقی است و هم دارای حیثیّت نفسی. اما تعلّم چنین نیست؛ اگر کسی به‌نحوی دیگر (فرضاً از طریق خواب یا الهام) به حکم واقعی برسد، نفسِ تعلّم، موضوعیّت مستقلی ندارد.

تبيين المفاهيم (الواجب الطريقي و الإرشادي)

لأجل الدخول في البحث يجب أوّلاً توضيح المعاني الاصطلاحيّة لهذه المصطلحات:

    1. الواجب الطريقي: هو واجب شُرّع لبلوغ أمر آخر (ذو المقدمة) و هو نفسه فاقد لـ «الموضوعيّة» (الإصالة). بعبارة أخرى، الطريق و المقدمة من أجل ذي المقدّمة و ليس له موضوعيّة في ذاته. مثلاً: تعلّم الأحكام لماذا؟ لكي يستطيع المكلّف أن يؤدّي الصلاة بشكل صحيح. الصلاة هي ذو المقدّمة و واجب نفسي؛ و التعلم مقدّمته و يُعتبر واجباً طريقيّاً.

للواجب الطريقي نوعان: طريقي محض؛ أي شيء لا يملك أيّة موضوعية ذاتية و هو مجرّد وسيلة للوصول إلى ذي المقدمة. طريقي مصحوب بالموضوعية؛ مثل الوضوء و الغسل و التيمم. الوضوء واجب للصلاة، لكن الوضوء نفسه له موضوعية؛ و يأتي بالطهارة النفسيّة.

ورد في الروايات: «اَلْوُضُوءُ نُورٌ و الوُضُوءُ عَلَی الوُضُوءِ نُورٌ عَلَی نُورٍ» فليس الوضوء طريقاً محضاً فحسب، بل هو واجب طريقي و له كذلك أثر عبادي مستقل. أما التعلّم فليس كذلك؛ إن وصل شخص بطريقة أخرى (مثلاً عن طريق النوم أو الإلهام) إلى الحكم الواقعي، فذات التعلم لیست له موضوعيّة مستقلّة.

    2. الواجب الإرشادي: هو الواجب الذي لا يترتّب على تركه عقاب مستقلّ، بل إنّ العقاب يترتّب على ترك أو فعل ذي المقدّمة. و من أمثلته الأمر الإلهي: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. فلو لم يُصلِّ شخصٌ، فإنّ عليه عقاباً واحداً (لترك الصلاة)، لا عقابين (أحدهما لترك الصلاة و الآخر لترك الطاعة). فقولُه تعالى: «أطيعوا الله» ليس واجباً يترتّب على تركه عقاب مستقلّ، بل هو إرشاد إلى امتثال التكاليف الواقعيّة.

تنبیه: إنّ التعلّم فیما یکون واجباً، فهل وجوبه نفسي أو غیري أو إرشادي أو طریقي؟

القول الأوّل: أنّ وجوب التعلّم كان طریقیاً[1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9]

في الجواب عن هذا السؤال، و هو: وجوبُ التعلّم من أيّ سنخٍ من الواجبات؟ نرى أنّ هذا الوجوب «طريقيّ». فلو عمل شخصٌ من دون تعلّم، و من طريق «الاحتياط»، لم يترتّب عليه عقاب. فمثلاً، إذا لم يكن الشخص عالماً بالحكم الشرعي (كعدد مرّات غسل اليد)، لكنّه عمل بالاحتياط، فمع أنّه ترك التعلّم، إلّا أنّه لا يُؤاخذ؛ لأنّ وجوبه طريقيّ، و قد أصاب الواقع.

بل حتّى في «أطراف العلم الإجمالي» (كما إذا لم يعلم أيّ الإناءين نجس)، لو اجتنب عنهما كليهما من دون تعلّم الحكم، لم يرتكب إثماً. و كذلك لو لم يجتنب عن أحدهما، ثمّ تبيّن بعد ذلك أنّ ذلك الإناء كان طاهراً، لم يرتكب معصيةً (التجرّي). و بناءً على ذلك، نرى أنّ وجوب التعلّم ليس نفسيّاً، بل هو طريقيّ لأجل الإتيان بالواجبات و ترك المحرّمات. و هذا المسلك جارٍ قطعاً في «التوصّليّات»، و جارٍ أيضاً في «التعبّديّات» على رأي كثير من الأعلام، حيث يكون الاحتياط ممكناً. و عليه، ففي موارد إمكان الاحتياط لا يكون ترك التعلّم ذا إشكال شرعي.

قال المحقّق النائيني (قَدَّسَ اللهُ سِرَّهُ): «إن حكم العقل بوجوب التعلّم ليس نفسيّاً بأن يكون العقاب على تركه و إن لم يتفق مخالفة الواقع، بل حكم العقل في المقام إنّما يكون على وجه الطريقية و يدور العقاب مدار مخالفة الواقع»[10]

قال المحقّق النائيني (قدّس الله سرّه): إنّ حكم العقل بوجوب التعلّم ليس نفسيًّا بحيث يترتّب على تركه بنفسه عقاب، بشرط أن لا تقع مخالفة للواقع؛ أي إنّ العقاب يدور مدار «مخالفة الواقع». فإذا ارتُكِب الحرام أو تُرِك الواجب، كان العقاب على نفس ذلك الفعل، لا على ترك التعلّم. و برأينا إنّ هذا الكلام من المحقّق النائيني (رحمه الله) متين و صحيح.

و إذا أدّى ترك التعلّم إلى ترك الواجب في وقته، فإنّ وجوبه يكون من باب «المقدّمات المفوّتة» (وهي المقدّمات التي يجب الإتيان بها قبل وقت الواجب لئلّا يفوت)، فيكون وجوبه حينئذٍ حتميّاً، لكنّه مع ذلك وجوب طريقيّ ليوصل إلى العمل. و قد قلنا إنّ المقدّمات المفوّتة واجبة قطعاً، غير أنّ الكلام في سنخ هذا الوجوب، و إنّما هو وجوب طريقيّ لتمكين المكلّف من الإتيان بالواجب. أمّا إذا لم يُؤتَ بالواجب، فلا يوجد عقابان؛ أحدهما لترك التعلّم و الآخر لارتكاب الحرام، بل يوجد عقاب واحد فقط، و هو العقاب على ترك نفس الواجب أو ارتكاب الفعل الحرام.

القول الثاني: أنّ وجوب التعلم إرشادي محض[11] [12]

قال السيد الحسن البجنوردي (رحمه الله): «إنّ وجوب التعلّم حكم إرشادي محض من قبیل ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾[13] ».[14]

الجمع بين الطريقيّة و الإرشاديّة

هل يوجد تعارض بين القول بـ«الطريقيّة» (رأي النائيني) و القول بـ«الإرشاديّة» (رأي البجنوردي)؟

نرى أنّ هذين القولين قابلان للجمع و لا تقابل بينهما؛ و ذلك لأنّ:

     من حيث إنّ التعلّم طريق للوصول إلى ذي المقدّمة (الواقع)، فهو طريقيّ.

     و من حيث إنّه لا يترتّب على ترك نفس التعلّم ـ من دون مخالفة للواقع ـ عقاب مستقلّ، فهو إرشاديّ.

أي إنّ وجوب التعلّم لأجل ذي المقدّمة، لا لأجل نفس التعلّم؛ فالتعلّم في نفسه لا خصوصيّة له، و إنّما هو لأجل الإتيان بذي المقدّمة. و بناءً عليه، يكون وجوب التعلّم طريقيّاً، و في الوقت نفسه إرشاديّاً، أي لا يترتّب على تركه عقاب.

فالإرشاديّة لا تنافي الطريقيّة. و قد طرح بعضهم القول بالإرشاديّة في مقابل الطريقيّة، مع أنّه لا تقابل بينهما في نظرنا، بل هما قابلان للجمع: فهو طريقيّ لأنّه جُعل للوصول إلى ذي المقدّمة، و هو إرشاديّ لأنّ تركه لا يستتبع عقاباً مستقلّاً.

و عليه، يمكن أن يُقال إنّ وجوب التعلّم وجوب طريقيّ، كما يمكن أن يُقال إنّه إرشاديّ. و من هنا، لا يظهر في كلمات المحقّق البجنوردي دليل على نفي طريقيّة وجوب التعلّم، بل إنّما حكم بإرشاديّته، و لا إشكال في ذلك. و المقصود من الإرشاديّة أنّ وجوب التعلّم ليس مولويّاً، أي لا يترتّب على تركه عقاب.

و ذلك لأنّ ثمّة بحثاً يُطرح، و هو أنّ الإنسان قد يُقال له يوم القيامة: «لِمَ لم تفعل هذا؟» فيجيب: «لم أكن أعلم». فيُقال له: «هَلّا تَعَلَّمْتَ؟ لِمَ لم تتعلّم؟ كان بإمكانك أن تتعلّم». و هنا يُطرح السؤال: هل هذا الخطاب مولويّ أم إرشاديّ؟ و قد حُمِل هذا التعبير على الإرشاديّة لا على المولويّة.


[12] منتهی الأصول (ط. ج)، ج۱، ص273 (الظاهر) و275.
[14] منتهی الأصول (ط. ج)، ج۱، ص273 (الظاهر) و275.
logo