47/08/06
بسم الله الرحمن الرحیم
مباحث الألفاظ/ الأوامر/ مقدّمة الواجب/ الواجب المعلّق/ الواجب النفسي أم الغيري، الواجب الطريقي أم الإرشادي؟
الموضوع: مباحث الألفاظ/ الأوامر/ مقدّمة الواجب/ الواجب المعلّق/ الواجب النفسي أم الغيري، الواجب الطريقي أم الإرشادي؟
خلاصةُ الجلسةِ السابقةِ: قد ناقشنا في الجلسات الماضيةِ في «الواجبِ المعلّقِ» (كالحجّ). قلنا إنّ الأوامرَ و النواهِي الشرعيّةَ من قبيلِ الأمورِ الاعتباريّةِ لا من قبيلِ العلّةِ و المعلولِ التكوينيّ. لا إشكالَ في أن يكونَ وجوبُ المقدّمةِ قبلَ تحقيقِ ذي المقدّمةِ فعليّاً في الأمورِ الاعتباريّة. القيود تقسمُ إلى قسمينِ: شرطُ وجوبٍ و شرطُ واجبٍ. تَحتاجُ تَشخيصُ نوعِ القيدِ في مواردِ الشكّ، إلى القرائنَ. التكليفُ بالعاجزِ قبيحٌ، أمّا عقابُ العاجزِ إذا كانَ قد جعلَ نفسهُ عاجزاً بسوءِ اختيارهِ فلَيسَ قبيحاً. حفظُ القدرةِ من الواجباتِ الشرعيّةِ المهمّةِ، و لا ينبغي أن يجعلَ الإنسانُ نفسهُ عاجزاً.
الواجب النفسي أم الغیري، الواجب الطريقي أم الإرشادي؟
المبحث الذي يطرح في هذه الجلسة هو هل التعلم خاصّةً تعلّم القرآن الكريم، واجب نفسي أم واجب غيري؟ و إذا كان واجباً غيرياً، فهل هو واجب طريقي أم واجب ارشادي؟ على سبيل المثال تعلم القرآن، تعلم الحمد، تعلم السورة، هذه الأمور واجبة للصلاة. و السؤال الآن هل التعلم بذاته واجب نفسي أم واجب غيري؟ و إذا كان غيرياً فهل هو طريقي أم ارشادي؟ لتوضيح أصل المسألة لا بدّ أن نبيّن أوّلاً بعض المصطلحات.
تبيين معنى الواجب الطريقي
الواجب الطريقي يعني واجباً وجوبه لسبب واجب آخر؛ فهو ليس مطلوباً لذاته بل وسيلة و طريق لتحقيق واجب آخر. مثلاً تتعلّم الحمد للصلاة فيقال تعلّمُ الحمد واجب طريقي للصلاة، أمّا يجب الانتباه إلى أنّ كلّ واجب غيري ليس بالضرورة واجباً طريقيّاً محضاً.
افتراق الواجبات الطريقيّة عن الواجبات الغيريّة الموضوعية
يكون الواجب أحياناً لأجل واجب آخر و مع ذلك له موضوعيّة؛ أي له مصلحة و أثر مستقل. مثل الوضوء و الغسل للصلاة. صحيح أنّ الوضوء و الغسل واجبان للصلاة، لكنّه ليسا مجرّد طريق أو جسر للعبور، بل إنّ الوضوء و الغسل بأنفسهما يحقّقان الطهارة و لهما نورانيّة و أثر عبادي مستقل كما ورد في الحديث: «اَلْوُضُوءُ نُورٌ». و الوضوء مندوب بنفسه أيضاً؛ أي حتى من دون الصلاة يكون عبادة بذاتها. و كذلك الغسل، و له نورانية و أثر خاص به. نسمي مثل هذا الواجب واجباً غيرياً موضوعياً.
مقایسة التعلم بالوضوء و الغسل
تعلم القرآن للصلاة واجب، و الوضوء و الغسل أيضاً واجبان للصلاة، لكنّ الفرق أنّ التعلم واجب غيري طريقي محض، أمّا الوضوء و الغسل فهما واجبان غيريان موضوعيان؛ أي إنّ الوضوء و الغسل ذاتهما مرتبة من العبادة و التقرب إلى الله؛ يؤدّيان بنية القربة و لهما أثر مستقل. أمّا التعلم فهو مجرّد وسيلة و مقدّمة و لا يکون له مثل هذه الموضوعية. فإذا سمعتَ یقال «الواجب الطريقي» فاعلم أنّ 1) الواجب أحياناً یکون طريقيّاً محضاً (مثل التعلم)، و 2) و قد يكون الواجب غيريّاً موضوعياً (مثل الوضوء و الغسل).
تبیین الحکم الإرشادي و الحکم المولوي
النقطة الثانية هي أنّ الحكم أحياناً يكون إرشادياً و أحياناً مولوياً.
معنى الحكم الإرشادي
الحكم الإرشادي يعني: «لا عقاب على تركه» لا عقاب على ترك هذه المقدمة نفسها؛ بل العقاب متعلق بترك ذي المقدمة. مثلاً إذا لم يصل أحدهم يسألون: «لم لم تصلِّ؟» لا أن يسألوا «لم لم تتعلم الحمد؟» ففي هذه الحالة يكون الأمر بالتعلم إرشاديّاً.
معنى الحكم المولوي
أما إذا قيل في القيامة للشخص: «لم لم تتعلم؟» و كان ترك التعلم ذاته منشأ للعقاب فهنا يكون الحكم مولويّاً لا إرشاديّاً:
فاذا كان العقاب على ترك ذي المقدمة فهو إرشادي.
إذا كان العقاب على ترك المقدّمة نفسها فهو مولوي.
نسبة الطرقيّة مع المولوية و الإرشادية
النقطة المهمة أنّ الطرقيّة لا تتعارض مع المولوية؛ أي قد يكون الواجب طريقيّاً لكنه في الوقت ذاته مولوي و يترتّب على تركه عقاب. لذلك، الطريقي ليس بالضرورة معارضاً للإرشادي، بل الطريقي قد يكون إرشاديّاً أو مولويّاً.
تطبيق البحث على التعلم
إذا ورد في الروایات التي بأيدينا «أَ فَلَا تَعَلَّمْتَ؟»[1] و یؤاخذ الشخص على ترك التعلم، ففي هذه الحالة: التعلّم واجب غيري و طريقي، لكنّه مولوي لا إرشادي، و لا يجوز له أن يقول «لم أكن أعلم»، بل يقال له: «لمَ لم تذهب لتتعلّم؟» هنا يتحقق العقاب على ترك التعلم.