47/08/05
بسم الله الرحمن الرحیم
مباحث الألفاظ/ الأوامر/ مقدّمة الواجب/ الواجب المعلّق/ قيد الواجب أم قيد الوجوب؟
الموضوع: مباحث الألفاظ/ الأوامر/ مقدّمة الواجب/ الواجب المعلّق/ قيد الواجب أم قيد الوجوب؟
ملخّص الجلسة السابقة: كانت الجلسة السابقة نقاشاً حول «الواجب المعلّق» (مثل الحج). قلنا إنّ القيود الواردة على الواجبات قد تكون قيدَ وجوب أو قيدَ واجب. في حالة الشكّ لا يُرجّح أيٌّ منهما قطعاً و يحتاج الأمر إلى قرينة. بقبول إمكان الواجب المعلّق تُزَال كثير من الاعتراضات على مقدّمات الواجب. ينبغي تمييز زمن الوجوب عن زمن الواجب. الأوامر الشرعيّة اعتباريّة و لا ينبغي قياسها بنظام العلّة و المعلول التكوينيّن.
اعتبارية الأوامر الشرعيّة و مسألة وجوب المقدّمة
نوقِشَ في بحث الأصول أنّه في الأمور الاعتباريّة لا يوجد مانعٌ من وجوبِ المقدّمة قبلَ تحقّقِ ذي المقدّمة فعلاً، لأنّ هذه الأمور ليست من سنخ العلّةِ و المعلولِ التكوينيّ. إذا اعتُبِرَت المسألةُ من سنخ العلّة و المعلول ورد الإشكال؛ لأنّه يُقال: حينما لم يَجِبْ بعدُ ذو المقدّمة، لأيِّ مناسبةٍ تكونُ مقدّمَتُها واجبةً؟ هذا الإشكالُ في فرضِ العلّة و المعلول إشكالٌ وجيهٌ. أمّا إذا رفعنا اليد عن التحليلِ العلّيّ و المعلوليّ و قلنا إنّ هذه الأمور اعتباريّة، و عبّرنا بأنّ «هذه المقدّمة من أجل ذيّ المقدّمة و تُؤدّى ليتحقّقَ ذلك»، فلا يَتوجّهُ أيُّ إشكالٍ على وجوبِ المقدّمة. و لا نقول هنا إنّ ذا المقدّمة علّةٌ فاعليّةٌ للمقدّمة، بل نقول فقط: هذه المقدّمة له، لا أن يكونَ ذلك علّةً تكوينيّةً لها.
تبيين المسألة بعنوان العلّة الغائيّة
يمكنُ في هذا المقام استعمالُ تعبيرٍ آخر و هو تعبيرُ العلّة الغائيّة. نحن نعلمُ في الفلسفة أنّه توجدُ علّةٌ فاعليّةٌ و علّةٌ غائيّةٌ. و العِلّةُ الغائيّةُ تُعنى بأنّ عملًا يُنجَزُ في نهايةِ الأمرِ من أجلِ بلوغِ غايةٍ معيّنةٍ.
إذا سُئِلتَ:
«لِمَ تُؤَدّي هذه المقدّمَة؟» تُجيبُ: «لكي أتشرّفَ بزيارةِ مكةَ.» و مع أنّه قد يَبقى عدّةُ سنينَ حتى يتحقّقَ الوجوبُ، فلا بدّ من التسجيلِ الآن، و أخذِ دورٍ، و تحديدِ قافلةٍ، و تجهيزِ المستلزماتِ. هنا لم يَجِبْ بعدُ ذو المقدّمةِ وجوباً فعليّاً، لكن مقدماته تُنجَزُ. نقولُ هنا: إنّ هذه المقدّمةَ من أجلِ ذلك الوجوبِ المستقبليّ، لا أنّ ذلك الوجوبَ يكونُ علّةً فاعليّةً تَكوينيّةً لهذه المقدّمةِ. فإذا لم نَصِفْها بـ«العلّةِ الفاعلةِ» و استعملنا تعبيرَ «العلّةِ الغائيّةِ» فلا إشكالَ في ذلك.
تَقسيمُ القيودِ في بحثِ الواجبِ المعلّقِ
نُقطةٌ أُخرى هي أنّ القيودَ في بحثِ الواجبِ المعلّقِ تقعُ في قسمين:
1. القيود و شرائط الوجوبِ مثلَ: البلوغِ و العقلِ و القدرةِ و الوقتِ؛ فهذه شرائطُ الوجوبِ.
2. القيود و شرائطُ الواجبِ مثلَ: الركوعِ و السجودِ و القيامِ و القراءةِ و الوضوءِ و الطهارةِ و القبلةِ و السترِ؛ فهذه شرائطُ الواجبِ.
إذا شَكَكنا في قيدٍ ما، هل هو شرطُ وجوبٍ أم شرطُ واجبٍ؟ فلا یجوز أن نقول على نحوٍ صريحٍ و جازمٍ بأنّه شرطُ وجوبٍ أو شرطُ واجبٍ، بل ينبغي الاستعانةُ بالقرائنِ و الدلائلِ ليتبيّنَ أيّهما يعودُ إليه هذا الشرطُ. و كما قلنا في بحثِ الصومِ إنّ الآيةَ الكريمةَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى وجوبِ الصومِ في شهرِ رمضانَ؛ فشهرُ رمضانَ زمنُ الوجوبِ، أمّا الآيةُ التي تقولُ إنّ الصومَ من أذانِ الصبحِ إلى الإفطارِ فهي إشارةٌ إلى زمانِ الواجبِ. فزمنُ الوجوبِ: كاملُ شهرِ رمضانَ. زمنُ الواجبِ: من أذانِ الصبحِ إلى الإفطارِ.
الردّ على إشكالِ وجوبِ الغُسلِ قبلَ أذانِ الصُبحِ
بناءً على ذلك، فالغُسلُ قبلَ أذانِ الصُبحِ، و إنْ كان يُؤدّى قبلَ زمانِ الوجوبِ، إلاّ أنّه يقعُ في زمنِ الوجوبِ، فلا إشكالَ في ذلك. و كان الإشكالُ: «لماذا الغُسلُ قبلَ أذانِ الصُبحِ واجبٌ، مع أنّ ذا المقدِّمةِ لم يجبْ بعدُ؟» فالجوابُ أنَّ وجوبَ الصومِ قد ثبتَ من ابتداءِ شهرِ رمضانَ، و إنّما يُؤدّى الواجبُ في زمنٍ مخصوصٍ. فمَن يغتَسِلُ لِبعضِ الناسِ قبلَ الأذانِ و مَن يغتَسِلُ بعدَ الإفطارِ -كالمستحاضَة- و لا حرجَ في كلتا الحالتين؛ لأنّ الوجوبَ قد تحقّق في شهرِ رمضانَ.
الوجه السادس (في المقدمات المفّوتة و تحصیلها بالقدرة العقلّیة)
«فحيث لم يكن للقدرة العقلية دخل في ملاك الحكم وانما يكون لها دخل في حسن الخطاب، فلابد من الاقتصار على المقدار الذي يحكم العقل باعتباره، ومعلوم : ان مناط حكم العقل باعتبار القدرة انما هو قبح تكليف العاجز، وهذا انما يكون إذا كان الشخص عاجزا بنفسه وبذاته، بحيث لايكون له إلى الفعل سبيل كالطيران في الهواء فان التكليف بمثل هذا قبيح على المولى كما يقبح العقاب منه عليه.
وأما إذا لم يكن الشخص عاجزا بنفسه وبذاته، بل هو عجز نفسه بسوء اختياره وسلب عنه القدرة، ففي مثل هذا لا يحكم العقل بقبح عقابه وان قبح تكليفه بعد عجزه، ولا ملازمة بين قبح التكليف وقبح العقاب، فان قبح التكليف لمن عجز نفسه انما هو لمكان لغوية التكليف حيث لا يصلح ان يكون التكليف محركا وباعثا نحو الفعل، وهذا بخلاف العقاب فإنه لا يقبح عقابه بعد ما كان الامتناع بسوء اختياره. وهذا معنى ما يقال: ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فإنه انما لا ينافيه عقابا لا خطابا خلافا للمحكى عن أبي هاشم حيث قال: انه لا ينافيه لا خطابا ولا عقابا، وسيأتي ضعفه في بعض المباحث الآتية انشاء الله تعالى.
إذا عرفت ذلك فنقول: ان كل واجب لم يعتبر فيه القدرة شرعا، كان مقتضى القاعدة لزوم تحصيل مقدماته التي لم تكن حاصلة وحرمة تفويت المقدمات الحاصلة ولو قبل مجيئ زمان الواجب، بل وقبل تمامية ملاك الوجوب أيضا، إذ العقل يستقل بحفظ القدرة ولزوم تحصيل المقدمات الاعدادية»[1]
الآن نطرح سؤالين أصوليين مهمين:
السؤال الأول: هل تكليفُ العاجزِ قبيحٌ أم لا؟ الجواب واضحٌ: تكليفُ العاجزِ قبيحٌ و قد اتفقَ الجميعُ عليه.
السؤال الثاني: هل عقابُ العاجزِ قبيحٌ أم لا؟ هنا يجبُ التأملُ. الجوابُ أنّه إذا كانَ الشخصُ قد جعلَ نفسهُ عاجزاً بسوءِ اختيارهِ، فليسَ عقابُه قبيحاً. افترضْ أنّ شخصاً كانَ يستطيعُ أن يتوضّأَ في أوّلِ الوقتِ، لكنه قصّر فلم يتوضأْ، و في آخرِ الوقتِ لم يُعدّ قادراً على الوضوءِ فاضطرّ إلى التيمّمِ. في هذه الحالةِ: لا يلزمهُ الوضوءُ، لكنّه آثمٌ، لماذا؟ لأنّه هو الذي جعلَ نفسهُ عاجزاً.
قاعدةٌ مهمّةٌ: وجوبُ حفظِ القدرةِ النقطةُ المهمّةُ التي ينبغي أن تثبُتَ في ذهنِكم هي أن «حفظَ القدرةِ منَ الواجباتِ»، أي:
• إن استطعتَ أن تتوضأَ فتوَضأْ؛
• إن استطعتَ أن تغتسلَ فاغتسلْ؛
• إن استطعتَ أن تُصلّيَ الصلاةَ قائماً فافعلْ؛
• إن استطعتَ أن تحافظَ على قدرتِكَ على الصومِ بمراجعةِ الطّبيبِ فافعلْ ذلك.
لا ينبغي أن يجعلَ الإنسانُ نفسهُ عاجزاً ثمّ يقولَ: «كنتُ عاجزاً، ما کنت مستطيعاً» هذا العذرُ غيرُ مقبولٍ. و من أجلِ ذلكَ أكّدَ كبارُ الأُصولِ، مثلُ الشيخِ الأنصاري (رحمهُ اللهُ)، ضرورةَ حفظِ الماءِ لكي لا يضطرَّ الإنسانُ إلى التيمّمِ. تمّ التأكيدُ على هذه القاعدةِ في مواضعَ مختلفةٍ بأنْ لا يفقدَ الإنسانُ قوّتهُ.