« قائمة الدروس
بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

47/07/29

بسم الله الرحمن الرحیم

مباحث الألفاظ/ الأوامر/ مقدّمة الواجب/ الواجب المعلّق/ المقدّمات المفوّتة

 

الموضوع: مباحث الألفاظ/ الأوامر/ مقدّمة الواجب/ الواجب المعلّق/ المقدّمات المفوّتة

خلاصة الجلسة السابقة:

كان النقاش في الجلسة الماضية حول «الواجب المعلَّق» (كالحجّ)، و قلنا إنّ المقدّمات المفوِّتة (التي يؤدّي تركها إلى فوت الواجب) تكون واجبةً حتّى قبل وجوب الفعل الأصلي. و هذا الوجوب وجوبٌ غيريّ، لكنّه ليس من سنخ العلّة و المعلول، بل من سنخ «الوجوب لأجل» (الداعي)؛ أي إنّه لمـّا كان ذلك الفعل سيصير واجباً في المستقبل، وجبت مقدّماته من الآن. و برأينا، كلّ مقدّمة يؤدّي عدم الإتيان بها إلى عدم تحقّق الواجب فهي واجبة على الإطلاق. فالعجز إن كان طبيعيّاً فهو عذر، أمّا إحداث العجز عمداً من قِبَل المكلَّف فغير جائز و يُعدّ إثماً. و وجوب هذه المقدّمات أمرٌ عرفيّ عقلائيّ، و قد حكم الشارع أيضاً على هذا الأساس.

القول الرابع: یجب تحصیل المقدّمات إذا علمنا بفوت غرض المولی في صورة عدم تحصیل المقدّمات[1]

كان نقاشنا في علم الأصول يدور حول المقدّمات، و لا سيّما المقدّمات المفوِّتة، و قد تقدّم الكلام عن وجوبها. و هنا لا بدّ من الالتفات إلى عدّة نقاط:

التفريق بين المقدّمات الوجوديّة و المقدّمات الوجوبيّة

تنقسم المقدّمات إلى قسمين كليّين:

المقدّمات الوجوديّة: و هي المقدّمات التي يتوقّف تحقّق عين الواجب في الخارج عليها. مثال ذلك: الوضوء و الغُسل و التيمّم؛ فإنّ تحقّق الوجود الخارجي للصلاة منوط بصحّة الوضوء.

المقدّمات الوجوبيّة: و هي المقدّمات التي يتوقّف تحقّق وجوب الواجب عليها. مثال ذلك: الوقت؛ فإنّ وجوب الصلاة مشروط بدخول الوقت.

محلّ النقاش الأصلي

إنّ النقاش حول وجوب المقدّمة إنّما يكون في المقدّمات الوجوديّة غالباً، لا في المقدّمات الوجوبيّة؛ لأنّ المقدّمات الوجوبيّة (كالوقت) ليست قابلةً للتحصيل و الإيجاد من قِبَل المكلَّف، بل لا بدّ من تحقّقها على نحوٍ طبيعيّ. أمّا المقدّمات الوجوديّة، فهي التي نقول بوجوب تهيئتها لكي نتمكّن من الإتيان بالواجب.

و قد تكون المقدّمة الواحدة، وجوبيّةً و وجوديّةً في آنٍ واحد. و المثال البارز على ذلك، الاستطاعة في الحجّ، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾[2] فالاستطاعة مقدّمة وجوبيّة؛ لأنّ وجوب الحجّ مشروط بوجود الاستطاعة و مقدّمة وجوديّة أيضاً؛ لأنّ تحقّق الحجّ في الخارج من دون التمكّن المالي أمرٌ شديد الصعوبة أو متعذّر، كمن يريد الذهاب إلى مكّة عن طريق التکدّي.

و فيما إذا كانت المقدّمة وجوبيّةً و وجوديّةً معاً، فإنّ وجوب المقدّمة يثبت حينما يصير ذو المقدّمة (العمل الأصلي) واجباً؛ إذ في هذه الحالة تتحقّق الجهتان معاً (الوجوبيّة و الوجوديّة)، فتصير جميع المقدّمات واجبةً، و لا يَرِدُ حينئذٍ أيّ إشكال.

تحليل العناوين الشرطيّة في النصوص

النقطة الثانية تتعلّق بالعناوين التي ذُكرت في الآيات و الروايات، مثل:

     الْمُسَافِرُ يُقَصِّر

     الْحَاضِرُ يُتِمّ

     الْمُسْتَطِيعُ يَحُجّ

فهذه العناوين شَرائط لِلْوُجُوب، أي:

     يجب قَصْرُ الصلاة عند تحقّق عنوان المسافر.

     يجب إِتْمَامُ الصلاة عند تحقّق عنوان الحاضر.

     يجب حجّ البيت عند تحقّق عنوان المستطيع.

و بناءً على ذلك، تُعَدّ هذه العناوين من شرائط الوجوب. و قد ذُكرت هذه الملاحظة لأنّ بعضهم يتوهّم كون هذه الموارد استثناءً، مع أنّ الأمر ليس كذلك، بل هي مصاديق واضحة لشروط الوجوب.

هنا نقطة

ليست شرائط الوجوب دائماً غير اختياريّة، بل قد تكون اختياريّةً أحياناً. فمثلًا: قد يسعى الإنسان باختياره إلى تحصيل الثروة فيصير مستطيعاً أو يسافر باختياره فينطبق عليه عنوان المسافر. و لا يجب على الشخص السعي لتحصيل هذه الشرائط، و لكن إذا تحقّقت بنفسها، جرى الحكم الشرعي.

رأي آیةالله البهجت (أعلی الله مقامه الشريف)

قال آیةالله البهجت (رحمه الله): «أنّ الاعتبار في‌ فعليّة وجوب‌ المقدّمة، بفعليّة وجوب‌ ذيها، لا بفعليّة زمان الواجب؛ فلا فرق بين الواجب المعلّق و المنجّز في وجوب المقدّمة بالفعل. و أمّا مع عدم فعليّة وجوب ذيها و الاشتراط بغير الحاصل، فلا تجب المقدّمة فعلا بل مشروطا كذيها، إلّا أن يكون الشّرط المنوط به الوجوب من الشرط المتأخّر»[3] يعني: معيار تحقّق فعليّة وجوب المقدّمة هو تحقّق فعليّة وجوب ذي المقدّمة. لا تنظروا إلی زمن الواجب (مثل شهر ذي الحجّة)، بل انظروا إلی زمن الوجوب (مثل حصول الاستطاعة). عندما يأتي الوجوب (أي عند حصول الاستطاعة) تصبح جميع المقدمات واجبةً. هذا القول في الحقيقة هو نفس نظرية الواجب المعلّق التي ذكرها كبار الفقهاء أيضاً. و هو يرى التمايز بين الواجب المعلّق و غيره في مراعاة زمن الوجوب أو زمن الواجب. فإذا أُعطيَ الاعتبار لزمن الوجوب، فإذا جاء الوجوب (و لو لم يأتِ الواجب) تصبح كلّ المقدمات واجبةً.

وجوه دفع الإشکال في فعلیّة وجوب المقدّمة قبل ذيها

قال المحقّق الخوئي (أعلی الله مقامه الشریف): «انّ هاهنا اشكالاً آخر، و هو انّ هنا واجب لا يصدق عليه تعريف الواجب النفسي و لا تعريف الواجب الغيري، و هو كالمقدّمات الّتي يترتّب على تركها فوت الواجب في ظرفه كغسل الجنب في ليل شهر رمضان للصوم غداً، على القول بعدم امكان الواجب التعليقي. أمّا عدم صدق الواجب النفسي عليه فواضح، لانّه لا يكون ممّا وجب لا لواجب آخر، و لذا لا يترتّب عليه آثار الواجب النفسي، فلا يكون مستحقّا للعقاب على تركه.و أمّا عدم صدق الواجب الغيري عليه، فلانّ الواجب الغيري على مسلك المشهور ما كان وجوبه معلولا لوجوب ذي المقدّمة و مترشّحا منه، فلا يعقل وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها. و هذا الاشكال لا دافع له على مسلك المشهور من كون وجوب المقدّمة مترشّحا من وجوب ذيها، مع الالتزام بعدم امكان الواجب التعليقي. و أمّا على المختار من أنّ وجوب المقدّمة كوجوب ذيها ناش من تماميّة الملاك في الواجب النفسي في ظرفه، بمعنى أنّ المولى اذا رأى مصلحة ملزمة في عمل أوجبه و أوجب كلّ ما يتوقّف عليه هذا العمل، سواء كان من المقدّمات المتقدّمة أو المقارنة أو المتأخّرة، فلا أساس لهذا الاشكال، و يكون الواجب المذكور غيريّاً»[4]

قد طرح المحقّقُ الخوئيّ (أعلى اللهُ مقامَهُ الشريف) هنا سؤالاً دقيقاً ذا طابعٍ تحليليٍّ عميق. إذ يتساءل: الشخصُ الذي يريد الصوم، و كان الصومُ متوقّفاً على الغُسل قبل السَّحَر (كالمرأة المستحاضة)، فبأيِّ واجبٍ نسمّي هذا الغُسل؟ أهو واجبٌ نَفْسِيٌّ أم واجبٌ غَيْرِيٌّ؟

ليس واجباً نَفْسِيّاً؛ لأنّ هذا الغُسل إنّما هو من أجل الصوم. مضافاً إلى ذلك أنّه لو لم تغتسل و بطل صومُها، فإنّ العقاب إنّما يكون على ترك الصوم لا على ترك الغُسل. فالغُسل إذن ليس واجباً نَفْسِيّاً،كما أنّه ليس واجباً غَيْرِيّاً؛ لأنّ الواجب الغيريّ بمعنى علاقة العلّة و المعلول: فذو المقدّمة (الصوم) علّةُ الوجوب، و المقدّمة (الغُسل) معلولُه. و في هذا المثال لم تأتِ العلّة بعدُ (إذ لم يطلع الفجر)، و مع ذلك يجب تحقّق المعلول (وجوب الغُسل) قبلها. فلا تقوم هنا علاقةٌ علِّيّة. و قال (رحمه الله): إنّ الواجب النفسيّ لا يَصْدُق هنا، و الواجب الغيريّ أيضاً بناءً على التعريف المشهور، إلّا أن تقولوا: إنّه قد وجب من أجلِه، لكن لا على نحو العلّة و المعلول. فمن أجل الصلاة و الصوم يجب عليكم الغُسل، و يجب عليكم التيمّم. و هذا الكلام قد طُرح سابقاً أيضاً، و رأيُ المحقّق الخوئيّ هنا هو بعينه، حيث لا يقبل علاقةَ العلّة و المعلول. و أمّا الذين يقولون بالعلّة و المعلول فإنّهم يواجهون هذا الإشكال، و يجب عليهم أن يجيبوا: ماذا يصنعون بهذه الأمثلة؟


[3] مباحث الأصول، .بهجت، محمد تقى‌، ج‌2، ص: 80.
logo