« قائمة الدروس
بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

47/07/28

بسم الله الرحمن الرحیم

 مباحث الألفاظ/الأوامر/ مقدّمة الواجب/الواجب المعلّق/المقدّمات المفوّتة

 

الموضوع: مباحث الألفاظ/الأوامر/ مقدّمة الواجب/الواجب المعلّق/المقدّمات المفوّتة

 

ملخّص الجلسة الماضية: قد نوقش في الجلسة الماضية حول موضوع «الواجب المعلّق» (مثل الحجّ)، و قلنا إنّ المقدمات المفوّتة (المقدّمات التي يُؤدّي تركها إلى فوت الواجب) واجبة حتى قبل تحقّق وجوب العمل الرئيسي. و قد قال آيةالله السيد محمّد سعيد الحكيم (رحمه الله): إنّ هذا الوجوب ناشٍ عن لزوم عقلي لحفظ غرض المولى، و لا يحتاج إلى جعل شرعي استقلالي فالعلاقة بين المقدّمة و ذي المقدّمة ليست علاقة سبب و مسبّب، بل هي علاقة «داعٍ». و هذا الحكم قائم حتّى في فرض اليقين بتحقّق الشرط في المستقبل، و يجب على المكلّف أن يوفّر المقدّمات الضرورية منذ الآن. و برأينا إنّ هذا الرأي، الذي يتوافق مع قول آية الله السيد سعيد الحكيم (رحمه الله) متين و يوافق مع حكم العقل العملي في حفظ أغراض التشريع.

النقاش يتعلّق بالمقدمات المفوّتة التي يعدّ القيام بها ضرورياً لتحقيق الواجب في وقته، بينما لم يصبح الواجب نفسه واجباً بعدُ و لم يتحقّق وجوبه. على سبيل المثال، لم يَجب الحجّ بعد، لكن يجب على الشخص اتخاذ الإجراءات اللازمة لتسجيل و تجهيز مقدمات السفر. و السؤال الأساسي هو: ما نوع وجوب هذا التكليف بأداء المقدمات، و تحت أيّ عنوان يندرج؟

القول الثاني: أنّها تجب وجوباً غیریّاً[1] [2]

يجب الإقرار أوّلاً بأنّ هذه المقدمات يجب القيام بها، إذ بدونها سيكون أداء الواجب الرئيسي في وقته مستحيلاً (مثل سفر الحجّ في هذا العام يفوت). و الآن بعد أن أصبحت هذه المقدمات واجبةً، السؤال هو: هل هذا الوجوب من نوع الواجب الغيري أم الواجب النفسي؟

الواجب الغيري يعني أنّ وجوب المقدّمة متوقف على وجوب ذي المقدمة؛ أي يجب أن يصبح ذو المقدمة واجباً لكي تصبح المقدّمة واجبةً. لكن في فرض المسألة، لم يصبح ذو المقدمة واجباً بعد. و حینئذٍ يرد الإشكال بأنّ الواجب الغيري لا ينطبق؛ لأنّ الواجب الغيري يستلزم علاقة سبب و مسبّب بين وجوب ذي المقدمة (بعنوان السبب) و وجوب المقدمة (بعنون المسبّب). فإذا وُجد الواجب، تكون مقدّمته واجبةً أيضاً. أمّا هنا فالسبب (وجوب ذي المقدمة) لم يتحقّق بعد، فكيف أصبح المسبّب (وجوب المقدمة) واجباً؟ فما نوع هذا الوجوب إذن؟

يُجيب آيةُ الله السُّبحاني (حفظه الله تعالى) عن هذا الإشكال بقوله: إنّ هذا الوجوبَ وجوبٌ غيريّ، غير أنّه ليس من الشرط أن يكون كلُّ واجبٍ غيريٍّ بالضرورة مبتنياً على علاقة العلّة و المعلول. بل يكفي أن يكون وجوبُ المقدّمة «لأجل» وجوب ذي المقدّمة. فهذه المقدّمة واجبة؛ لماذا؟ لأنّ الحجّ سيصير واجباً في المستقبل، و أنتم مكلَّفون بالإتيان بهذه المقدّمة. و الوجوب الغيريّ هو ما وَجَبَ لِوُجُوبِ غيره، لا من باب العلّة و المعلول؛ لأنّكم لو قلتم بالعلاقة العلّيّة لوقعتم في الإشكال. فدعوا طرحَ علاقة العلّة و المعلول، و اقتصروا على القول إجمالاً: إنّ هذه المقدّمة قد وجبت «لأجله»؛ لأنّ ذلك الواجب سيتحقّق في المستقبل، فيجب الإتيان بهذه المقدّمة من الآن (كالتسجيل في القافلة). و هذا التعبير كافٍ؛ و عليه فالوجوب شرعيّ، و لكن لا يمكن توجيهه بعلاقة العلّة و المعلول، بل هو واجب «لأجله».

القول الثالث: وجوب المقدّمات المفوّتة[3] [4]

يقول المحقّق الخوئي (رحمه الله) في تحليل هذه المسألة: إنّكم حينما تعلمون بوجود واجبٍ ما، فإنّ لذلك الواجب ملاكاً و غرضاً معيّناً، و يجب الإتيان به. فعلى سبيل المثال، يجب الإتيان بالحجّ. و لنفرض أنّ شخصاً يعلم أنّ مبلغاً كبيراً من النقد سيصل إليه بعد عشرة أو عشرين يوماً، و بذلك يمكنه أن يصير مستطيعاً فإذا لم يُسجِّل الآن، فلن يذهب إلى مكّة في هذه السنة.

و هنا يكون غرضُ المولى و ملاكُه واضحَين. و حينما يكون الغرض و الملاك معلومَين، فمن الطبيعي أن يجب الإتيان بالمقدّمة اللازمة لتحقّقهما. فإذا علمتم بوضوح الغرض و الملاك، وجب عليكم الإتيان بهذه المقدّمات المفوِّتة؛ لأنّه لو لم تُؤتَ بها لفات الحجّ، و لن تتمكّنوا بعد ذلك من الإتيان به.

ونحن نرى أيضاً أنّ المقدّمات المفوِّتة واجبة على نحو الإطلاق؛ أي إنّ جميع المقدّمات التي يتوقّف عليها الواجب، بحيث لو لم تُؤدَّ لم يتحقّق ذلك الواجب، تكون واجبةً. و حينئذٍ، سواء قلنا إنّ هذا الوجوب لأجل حفظ الغرض أم لأجل حفظ الملاك، ففي جميع الأحوال نكون مكلَّفين بالإتيان بتلك المقدّمات.

التفريق بين العذر الطبيعي و إيجاد العجز عمداً

النقطة المهمّة في هذا البحث هي التمييز بين العجز العُذريّ. فالعجز يُعدّ عذراً، و لكن بشرط ألّا يكون هذا العجز ناشئاً من قِبَل نفس المكلَّف؛ أي إذا عجز الشخص بطبيعة الحال عن الإتيان بعملٍ ما، عُدَّ معذوراً، أمّا إذا وضع نفسه عمداً في موضع العجز (كأن يُرخِيَ بدنه عمدًا ليصلّي جالساً)، فهذا غير صحيح؛ إذ لا ينبغي للإنسان أن يجعل نفسه معذوراً.

فإذا صار معذوراً بطبيعة الحال (كالمرض غير المقصود)، قيل: إنّه لا يقدر على الإتيان بهذا الواجب. أمّا إذا تعمّد أن يُمرِضَ نفسه لكي لا يصوم، فذلك غير جائ يجب على الإنسان حفظ صحّته و الصيام؛ فإن مرض، لم يصم، أمّا إذا تعمّد إمراض نفسه، فهذا خلاف الشر

إنّ التعجيز يجب أن يقع على نحوٍ طبيعيّ؛ نعم، أنا عاجز و لا أستطيع، أمّا أن أُعجِزَ نفسي بيدي، فهذا غير صحيح.

و قضيّة المقدّمات المفوِّتة على هذا النحو أيضاً، فإنّكم إذا لم تُنجزوا هذه المقدّمة صرتم عاجزين، أمّا إذا أتيتم بها فلن تكونوا عاجزين، و ستتمكّنون من أداء الحجّ على الوجه الأكمل و إنجاز جميع شؤونكم. «تَعْجِيزُ المُكَلَّفِ نَفْسَهُ غيرُ مَقْبولٍ»؛ فإذا عجّز المكلَّفُ نفسَه ليُعدَّ من مصاديق العاجز، فذلك غير صحيح. أمّا إذا عجز بطبيعة الحال، فنقول حينئذٍ: لا قدرة له و لا استطاعة، و لا إشكال في ذلك و يسقط عنه الواجب. أمّا أن تُعجِزوا أنفسكم عمداً، فهذا غير صحيح.

الإرجاع إلى عرف العقلاء

هنا نقطة أخرى أنّه في علم الأصول يجب غالباً الرجوع إلى عرف العقلاء. انظُر ماذا يفعل العرف؟ يقول الأب لابنه: «اليوم سيأتي بعض الضيوف»، ثمّ بعد أن يخبر أسرته بعدد الضيوف تقوم الأسرة و تذهب إلى المطبخ و تبدأ في تجهيز المقدّمات حفاظاً على سمعة العائلة. هذا أمر عرفي و عقلائي و شائع جدّاً. يقومون بتمهيد المقدّمات المفوّتة و غیر المفوّتة لحفظ السمعة؛ هذا أمر طبيعي و عرفي. في المصنع أو الوزارة أو في أيّ مكان آخر يأمر المدير: «عليكم أن توفّروا المقدّمات بأنفسكم» بعقولكم و درايتكم يجب عليكم توفير كلّ المقدّمات مفوّتةً کانت أم غیرها.

نحن نرى أنّ هذه المسألة مسألة عرفية و عقلائية و أنّ الشريعة أيضاً جاءت وفقاً لعرف العقلاء و أصدرت الأوامر و ليس ثمّة شيء جديد. إذا جعل شخص نفسه عاجزاً (مثلاً ليتهرّب من واجب)، ماذا يحصل لذلك الواجب؟ حسناً، لن يستطيع أداؤه و قد ارتكب إثماً. أمّا عموماً فلا يجب أن نجعل أنفسنا عاجزين. إذا حدث العجز طبيعيّاً فليست ثمّة حيلة، لكن إذا لم يكن طبيعيّاً و جعلتُ نفسي عاجزاً فمثل هذا الفعل غير صحيح في جميع الأحكام الإسلامية. و فيما يتعلّق بالعرف، الأمر كذلك. إذا قال شخص: «هكذا أصبحتُ، فعلت هذا الأمر»، يُقال له: «أنت فعلت ذلك بنفسك، بيدك فعلتَه؛ لماذا فعلتَ ذلك؟» أي یلومه المسؤول الأعلى.

تفريق شرائط الوجوب (العناوين)

أمّا مسألة العناوين (مثل المسافر، الحاضر، المستطيع) فمستقلّة. قد اُتخذت عناوين في الأدلة الشرعية مثل المسافر أو الحاضر أو المستطيع بعنوان شرائط الوجوب. لا يلزم أن يحقّق المكلّفُ بنفسه شرائط الوجوب. قلنا إنّ شرائط الوجوب لا يلزم أن نقوم بها نحن، أما شرطُ الواجب فلابدّ من أدائه. عندما يقال «يجب على الحاضر أن يفعل هذا» فالمعنى: إذا حضر الشخص؛ عندما يقال «يجب على المسافر أن يفعل هذا» فالمعنى: إذا صار مسافراً بطبيعة الحال. المقصود ليس أن تسعى أنت لکي تصبح مستطيعاً أو حاضراً أو مسافراً. هذه العناوين نفسها تُحسب من شرائط الوجوب و لا يلزم الحصولُ عليها من قِبَل المكلّف، بل إذا تحقّقت الشرائط صار المكلّفُ مستوفياً لها.


logo