« قائمة الدروس
بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

47/06/17

بسم الله الرحمن الرحیم

نیّة الوجوب من جهة النائب/التکسّب بالواجبات /المکاسب المحرّمة

 

الموضوع: المکاسب المحرّمة/التکسّب بالواجبات /نیّة الوجوب من جهة النائب

خلاصة الجلسة السابقة: کان النقاش في باب النیابة في العبادات- لا سیّما بالنسبة إلی الحجّ و الصلاة و الصوم- و أنّه کیف یمکن تحقّق النیابة و أنّ النائب بأيّة نیّة یأتي بالعمل؟ قد ذکر الإمام الخمیني (رضوان الله تعالی علیه) في هذا المجال إشکالاً و أجاب عنه بنفسه. هذا الإشکال ناظر إلی نیّة الوجوب في النیابة التبرعیّة.

«لازم ذلك وجوبه على المتبرّع إذا نزل نفسه منزلته… نعم يجب عليه بما أنّه المنوب عنه ما دام تنزيله و لهذا يجب عليه نيّة الوجوب لكن لا يجب عليه التنزيل و لا إدامته. نعم، لو آجر نفسه للنيابة يجب عليه الوفاء بالإجارة بتنزيل نفسه منزلته في العمل و معه ينوي الوجوب إن وجب على المنوب عنه و لو تركه يعاقب على ترك العمل بالإجارة إذا قلنا بوجوب الوفاء بالعقود و لا يعاقب على ترك الحجّ لأنّ التكليف متوجّه إلى المنوب عنه لا النائب. و توجّهه عليه بعد التنزيل توجّه إلى‌ المنوب عنه أيضاً بوجوده التنزيلي، فمع إتيانه سقط عنه لإتيانه بوجوده التنزيلي و مع تركه بقي على ذمّة المنوب عنه لا النائب[1]

أساس النقاش یتمحور علی هذا المبنی مِن أنّ في النیابة یتحقّق التنزیل؛ أي النائب یجعل نفسه بمنزلة المنوب عنه و یأتي بالعمل العبادي بدلاً عنه. تعبیر «التنزیل» في کلمات الفقهاء یعني: أنّ النائب ینزل منزلة المنوب عنه من حیث الامتثال.

تبیین صورة الإشکال: النیابة التبرعیّة و نیة الوجوب

نفترض أنّ شخصاً ما، أتی بالحجّ تبرّعاً، بدلاً عمّن لم یأتِ بالحج، ففي هذا الفرض: السؤال الأساسي هو أنّ النائب المتبرّع یأتي بالحجّ بأيّة نیّة؟

الجواب واضح: نیّة الوجوب؛ لأنّ الحجّ الباقي علی ذمّة المنوب عنه، هو الحجّ الواجب و إذا أراد النائب أن یأتي بالعمل صحیحاً، وجب علیه أن یأتي بنیّة الوجوب و لا تکفي نیّة الاستحباب و لا یسقط العمل عن ذمّة المنوب عنه. و بالتالي: إنّ النائب و إن أقام بالعمل تبرّعاً من دون أخذ أيّة أجرة، و لکن یجب علیه أن یأتي بالحجّ بنیّة الوجوب؛ لأنّه قد جعل نفسه بمنزلة المنوب عنه. إنّ هذا هو أساس الإشکال: کیف یمکن أن یأتي الفاعل بالعمل المستحبّ (التبرّع عن الغیر) بنیّة الوجوب؟

تعمیم الإشکال بالصلاة و الصوم

یجري هذا التحلیل في الصلاة و الصوم أیضاً. إذا صام و صلّی شخص عن الآخر تبرّعاً و قال في نیّته «أصلّي صلاة الظهر الواجبة علی فلان، قربةً إلی الله»، مع أنّ النائب لیس مکلّفاً بهذه الصلاة فکیف ینوي الوجوب؛ إذ الوجوب ناظر إلی ذمّة المنوب عنه و النائب ینوي الوجوب بواسطة التنزیل.

إجابة الإمام الخمیني (رحمه‌الله) و تبیین الفرق بین التبرّع و الإجارة

قال الإمام الخمیني (قدّس سرّه) في جواب الإشکال: لا یرد هذا الإشکال؛ لأنّ لزوم نیّة الوجوب ناشٍ عن التنزیل لا عن إلزام النائب.

ثمّ إنّه (قدس سره) أوضح الفرق بین النیابة تبرّعاً و النیابة إجارةً:

     إنّ النائب في النیابة التبرّعیة، لیس ملزماً باتمام العمل و إن نوی الوجوب فیجوز له أن یدع الصلاة أو الصوم؛ إذ لیس علی ذمّته إلزام شرعاً.

     إنّ النائب في النیابة الإجاريّة، یکون مکلّفاً بإتمام العمل و لیس له حقّ الفسخ و ترك العمل؛ لأنّه قد انعقد عقد الإجارة و هي عقد لازم.

فالفرق الأساسي بین هذین، في لزوم الاستمرار في العمل لا في أصل النیّة. و نیّة الوجوب لازم في کلیهما؛ إذا التنزیل قد تحقّق فیهما جمیعاً.

قد أکّد الإمام الخمیني (قدس سره) مرّةً أخری علی أنّ لزوم نیّة الوجوب، یکون دلیلاً واضحاً علی تحقّق التنزیل في النیابة؛ لأنّه إن لم یکن النائب نازلاً منزلة المنوب عنه حقیقةً، فلا وجه للزوم نیّة الوجوب علیه. هذا یشیر إلی أنّ النیابة، لیس مجرّد إهداء الثواب، بل هي امتثال الأمر المتوجّه إلی المنوب عنه بواسطة النائب.

التحلیل الثاني: استحباب أصل النیابة و تفکیك الأمر التوصّلي من التعبّدي

قال الشیخ الأنصاري (رحمه‌الله) في استدامة کلامه: «إنّ الشخص يجعل نفسه نائباً عن فلان في العمل متقرّباً إلى اللّه، فالمنوب عنه يتقرّب إليه تعالى بعمل نائبه و تقرّبه، و هذا الجعل في نفسه مستحبّ؛ لأنّه إحسان إلى المنوب عنه و إيصال نفع إليه، و قد يستأجر الشخص عليه فيصير واجباً بالإجارة وجوباً توصّلياً لا يعتبر فيه التقرّب. فالأجير إنّما يجعل نفسه لأجل استحقاق الأُجرة نائباً عن الغير في إتيان العمل الفلاني تقرّباً إلى اللّه، فالأُجرة في مقابل النيابة في العمل المتقرّب به إلى اللّه التي مرجع نفعها إلى المنوب عنه، و هذا بخلاف ما نحن فيه؛ لأنّ الأُجرة هنا في مقابل العمل تقرّباً إلى اللّه لأنّ العمل بهذا الوجه لا يرجع نفعه إلّا إلى العامل؛ لأنّ المفروض أنّه يمتثل ما وجب على نفسه، بل في مقابل نفس العمل، فهو يستحقّ نفس العمل، و المفروض أنّ الإخلاص إتيان العمل لخصوص أمر اللّه تعالى، و التقرّب يقع للعامل دون الباذل، و وقوعه للعامل يتوقّف على أن لا يقصد بالعبادة سوى امتثال أمر اللّه تعالى[2]

أصل النیابة- لا سیّما في فرض التبرّع- مستحبّ و لکن نفس العمل (الحجّ و الصوم و الصلاة) تعبّدي. الأجرة في فرض الإجارة، مقابل النیابة التي تُعدّ أمراً توصّلیاً و لیست لنفس العمل العبادي.

تبیین «الداعي علی الداعي» في حلّ إشکال الأجرة

مثال «الداعي علی الداعي» یفتح لنا الطریق، لتوضیح المسألة. إذا صلّی شخص في حرم الإمام الرضا (علیه السلام) صلاة الجعفر (علیه السلام) لرفع ضیق مالي فإنّ هدفه المالُ ؛ و لکن یأتي بالصلاة مع قصد القربة. الداعي الدنیويّ، داعیه الأوّل و لکن هذا الداعي یدفعه إلی العمل خالصاً لوجه الله.

کثیر من الفقهاء منهم آیةالله التبریزي و آیةالله المکارم قد حلّوا مسألة الأجرة علی الواجبات بهذا التحلیل. الأجرة داعٍ إبتدائي و لکن العمل یُؤتی به بقصد القربة و لا یکون منافیاً للإخلاص.

مرأی المحقّق الخویي: محوریّة الخوف الإلهي

قال المحقّق الخویي (رحمه‌الله) بعد أن یجعل هذه النقاشات الکثیرة من الزوائد: «إنّ غرض المكلّف من الإتيان بالصلاة مثلاً قد يكون سعة الرزق و غيرها، بحيث لا يتوسّط التقرّب في البين أصلاً، فلا شبهة في بطلان هذا النحو من العبادة، من غير فرق بين ما نحن فيه و بين العبادات ذات النتائج الدنيويّة كصلاة جعفر (عليه السلام) و غيرها، و قد تكون غاية المكلّف غايةً من العبادة و التقرّب من الله، بحيث يكون طالباً لها بعبادته و تقرّبه من المولى، فهذا لا ينافي العباديّة، و ما نحن فيه من هذا القبيل، و عليه فلا فارق بين المقامين»[3]
إذا کان الداعي الخوفَ من الله، یتحقّق قصد القربة و لا یبقی إشکال في البین و لا یکون النائب بعد أخذ الأجرة تحت سیطرة إنسان بل یخاف من الله فحسب. و یأتي بالصلاة و الصوم و الحجّ حتّی تبرء ذمّته أمام الله- تعالی. هذا الخوف من الله- تعالی- یکفي لأجل تحقّق القربة و لو انجرّ العمل في النهایة إلی الأجرة أو المنفعة الدنیویّة. کما أنّ الداعي في کثیر من العبادات، النجاة من النار أو الدخول في الجنّة و مع ذلك یکون صحیحاً و مقبولاً.


logo