« قائمة الدروس
بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

47/06/16

بسم الله الرحمن الرحیم

ثواب عمل النائب و المنوب‌عنه/التکسّب بالواجبات /المکاسب المحرّمة

 

الموضوع: المکاسب المحرّمة/التکسّب بالواجبات /ثواب عمل النائب و المنوب‌عنه

 

خلاصة الجلسة الماضیة: کان النقاش في الفقه ذیل کلمات الشیخ الأنصاري (رحمه‌الله) و موضوع النقاش، کیفیّة ترتّب الثواب علی عمل النائب و المنوب عنه معاً. قد أورد المحقّق الإیرواني (رحمه‌الله) إشکالاً في کلام الشیخ الأنصاري (رحمه‌الله) و سیأتي عن قریب.

کلام الشیخ الأعظم (رحمه‌الله)

«و من هذا القبيل[1] استيجار الشخص للنيابة عنه في العبادات التي تقبل النيابة‌ كالحج و الزيارة و نحوهما فإن نيابة الشخص عن غيره فيما ذكر و إن كانت مستحبة إلا أن ترتب الثواب للمنوب عنه و حصول هذا النفع له لا يتوقف على قصد النائب الإخلاص في نيابته بل متى جعل نفسه بمنزلة الغير و عمل العمل بقصد التقرب الذي هو تقرب المنوب عنه بعد فرض النيابة انتفع المنوب عنه سواء فعل النائب هذه النيابة بقصد الإخلاص في امتثال أو أمر النيابة عن المؤمن أم لم يلتفت إليها أصلا و لم يعلم بوجودها فضلا عن أن يقصد امتثالها أ لا ترى أن أكثر العوام الذين يعملون الخيرات لأمواتهم لا يعلمون ثبوت الثواب لأنفسهم في هذه النيابة بل يتخيلون النيابة مجرد إحسان إلى الميت لا يعود نفع منه إلى نفسه و التقرب الذي يقصده النائب بعد جعل نفسه نائبا هو تقرب المنوب عنه لا تقرب النائب فيجوز أن ينوب لأجل مجرد استحقاق الأجرة عن فلان بأن ينزل نفسه منزلته في إتيان الفعل قربة إلى الله ثم إذا عرض هذه النيابة الوجوب بسبب الإجارة فالأجير غير متقرب في نيابته لأن الفرض عدم علمه أحيانا بكون النيابة راجحة شرعا يحصل بها التقرب لكنه متقرب بعد جعل نفسه نائبا عن غيره فهو متقرب بوصف كونه بدلا و نائبا عن الغير فالتقرب يحصل للغير».[2]

قد أشار الشیخ الأنصاري (رحمه‌الله) في کلامه إلی:

     إذا صار الشخص نائباً عن الغیر و أتی بعمل عبادي، فإنّ الثواب یکتب للمنوب عنه.

     لکن یکتب الثواب للنائب أیضاً؛ و إن کان کثیر من الناس لا یلتفتون إلی أنّ الثواب یصل إلیهم و یظنّون أنّ النائب مجرّد وسیلة لوصول الثواب إلی المنوب عنه.

إشکال المحقّق الإیرواني

قال المحقّق الإیرواني (رحمه‌الله): «لا يعتبر في حصول القرب العلم بثبوت الثواب و اعتقاد استحقاقه بل اللّازم قصد الامتثال و أثر هذا القصد حصول القرب و الثواب إن علم به العامل أو لم يعلمه و العوام يعلمون بتوجّه الأوامر النّيابيّة إليهم و إلّا لما عملوا العمل النيابيّ كما لا يصلّون الصّلاة الواجبة نيابةً عن الحيّ فداعيهم على العمل علمهم بأمر النّيابة فسواء علموا بأنّهم أيضاً ينتفعون بنيابتهم هذه أو اعتقدوا أنّ الأثر كلّه للمنوب عنه لعملوا العمل للمنوب عنه‌[3]

     لا توجد أيّ علاقة بین ترتّب الثواب للنائب و المنوب عنه و بین علم النائب و جهله بترتّب الثواب علی عمله.

     جاء في الروایة أنّ الثواب یصل إلی النائب بقدر ما یصل إلی المنوب عنه و لا ینقص منه شيء و هذا الأمر لا یرتبط بعلم النائب و جهله.

بیان الإمام الخميني (قدس سرّه) حول دور الإخلاص

أشار الإمام الخمیني (قدس سرّه) إلی نکتة هامّة: «إنّ حصول القرب على فرض اعتباره مترتّب على العمل الخالص للّه- تعالى-، فإن أتى به بعد الخلوص لنفسه تصير مقرّبةً و إن أتى به لغير يصير الغير مقرّباً، فلا بدّ من لحاظ منشأ حصول القرب للمنوب عنه و ليس هو إلّا إتيان النائب العمل للّه. مع أنّ إتيانه للأجر ينافي كونه للّه- تعالى-، فالأجر ينافي الإخلاص و مع عدمه لا يحصل القرب للمنوب عنه و لهذا لو أتى الأجير بالعمل رياءً لا يقع عن المنوب عنه لعدم صلاحيّته لحصول القرب له، فالإشكال في محلّه و كذا الجواب[4]

التقرّب یتمحور، حول إخلاص النائب

برأیه (قدّس سره):

     إنّ ما یوجب تقرّب المنوب عنه، هو إخلاص النائب.

     النائب یأتي بالعمل قربةً إلی الله و تارکاً للریاء؛ هذا الإخلاص، یجعل العمل قابلاً للإهداء و مؤثّراً.

لإخلاص النائب أثران

قد صرّح الإمام الخمیني (قدس سره) بـ:

    1. تقرّب المنوب‌عنه: لأنّ العمل الذي یُهدی إلیه، عمل خالص.

    2. تقرّب النائب: لأنّه قد عمل مع قصد القربة.

فإخلاص النائب، یوجب قرب نفسه و قرب المنوب عنه أیضاً.

إشکال المشهور؛ منافاة الأجرة مع الإخلاص

قد ذکر المحقّق الناییني (رحمه‌الله) إشکالاً معروفاً: «يقع فيه[5] الإشكال من وجهين (و حاصل الأوّل منهما) أنّ داعي الأجير على العمل ليس إلا أخذ الأجرة؛ إذ لو لا الأجرة لما كان يأتي بالعمل و أنّ المفروض عدم انبعاثه على العمل امتثالاً لاستحباب التبرّع فعمله لأجل الأجرة خاصّةً و هذا موجب للبطلان؛ ضرورة كونه عبادةً متوقّفةً على قصد القربة».[6]

 

ردّ الإشکال من المحقّق الناییني (رحمه‌الله): التفکیك بین النیابة و العمل

قال المحقّق الناییني (رحمه‌الله): الأجرة في مقابل النیابة لا في مقابل العمل العبادي

     الأجرة في مقابل النیابة التي هي أمر توصّلي.

     إذا قبل النائب النیابة فقد اشتغلت ذمّته.

     بعد اشتغال ذمّة النائب لأداء العمل العباديّ فالعمل یکون لإبراء الذمّة لا لنفس الأجرة.

إذا أعطی شخص للحجّ النیابي ثلاثمأة ملیون تومان، فالنائب یأخذ الأجرة مقابل النیابة و بالقبول تشتغل ذمّة النائب بالحج. و بعد هذا، یسعی النائب المتدیّن أن یأتي بالحجّ خالصاً لوجه الله حتّی تبرء ذمّته. فالعمل العبادي (کالحجّ و الصلاة و الصیام) بعد قبول النیابة، لیس مقابلَ الأجرة بل یُؤتی به لبرائة الذمّة فالإخلاص یتحقّق تماماً.

الإشکال الثاني: إشکال في الأمر بالعبادة

«(و حاصل الإشكال الثاني) في ما يتحقّق به عبادية العمل و ذلك لاحتياج العبادة إلى تعلق الأمر بها فان كان ملاك عباديته هو الأمر الإجاري أعني ما دل على وجوب الوفاء بعقدها مثلاً فيشكل بأن هذا الأمر توصلي لا يتوقف صحة متعلقة على قصد الأمر و المفروض توقف صحة عمل الأجير على قصد الأمر فيستكشف أنه لا بد من أن يكون ملاك عباديته شي‌ء وراء الأمر الإجاري و فاما أن يكون أمر عبادي آخر متوجه إلى الأجير بعد صيرورته أجيرا مثل الأمر المتوجه الى المنوب عنه و يكون شرط تعلقه بالأجير صيرورته أجيرا، (أو يكون نفس الأمر) المتوجه الى المنوب عنه إما حقيقة بأن يكون شخص ذلك الأمر المتوجه الى المنوب عنه متوجها الى النائب بعد الإجارة و يكون ذلك الأمر الواحد الشخصي متعلقا بمأمورين حقيقة (أو يكون ادعاء) بان يكون النائب جعل نفسه نفس المنوب منه بالتنزيل و الادعاء و يترتب عليه كون أمر المنوب عنه أمر النائب بالتنزيل (و شي‌ء من المحتملات ليس بصحيح) و ذلك لأن امتثال مثل أمر المنوب عنه المتوجه إلى النائب لا تغني عن امتثال الأمر المتوجه الى المنوب عنه إذ هما أمران متعلقان بمأمورين لكل واحد منهما امتثال على حده (و استحالة) توجه شخص الأمر المتعلق بالمنوب عنه إلى النائب حقيقة و امتناع انبعاث النائب عن أمر المنوب عنه ما لم يتعلق به لعدم معقولية انبعاث احد ببعث شخص آخر (و كون أمر المنوب عنه) أمرا للنائب ادعاء لا يزيد عن ادعاء».[7]

لا بدّ من قصد الأمر في العبادة، فالسؤال هو أنّ «النائب یقصد أيّ أمرٍ؟»

دراسة الاحتمالات

الف) لا یمکن قصد الأمر الإجاري؛ لأنّ الأمر بالإجارة أمر توصّلي و لا یکفي هذا الأمر لکون العمل عبادیّاً.

ب) قَصَدَ النائب، الأمرَ المتوجّهَ إلی المنوب عنه، هل الأمر المتوجّه إلی المنوب عنه، قابل للنقل إلی النائب؟ فهذا یحتاج إلی الدلیل.

ردّ الإشکال من المحقّق الناییني (رحمه‌الله) مستنداً بالروایات

قال المحقّق الناییني (رحمه‌الله): الروایات تدلّ علی انتقال الأمر؛ روایات کالتالي: «یقضي عن المیّت الحجَّ» و «یقضي عنه الصوم» و «إقضوا عن موتاکم ...» تدلّ علی أنّ الأمر المتوجّه إلی المنوب عنه قد اتّسع و شمل النائب أیضاً و النائب في الحقیقة مصداق للمأمور بهذا الأمر.

الحاصل:

     النائب في العبادة النیابیّة، یقصد الأمر العباديّ الشرعي.

     الأمر التوصّلي للإجارة لا دخل له بالمسألة.

     أخذ الأجرة علی النیابة، لا ینافي قصد القربة.

تجمیع الرأیین حول نسبة الأجرة و الإخلاص

رأي الشیخ الأنصاري و المحقّق الناییني (رحمهماالله): النیابة أمر توصّلي و العمل العبادي یستقلّ من النیابة و له أمر تعبّدي. و الأجرة مقابل النیابة لا العمل. و بهذا التفکیك ، یرتفع إشکال الإخلاص في العمل.

الرأي المقابل (وحدة العمل و النیابة): نحن و بعض الفقهاء کالمحقّق الخویي (رحمه‌الله) و آیةالله السبحاني (حفظه‌الله) و عدّة آخر من الفقهاء نعتقد بأنّ النیابة و العمل العبادي، شيء واحد و أخذ الأجرة لا ینافي قصد القربة و لا نحتاج إلی هذا التفکیك.


[1] من قبيل أنه إذا كان حصول النفع غير متوقف على الإخلاص جاز الإستيجار عليه.
[5] تصحیح عمل الأجیر.
logo