« قائمة الدروس
بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

47/06/15

بسم الله الرحمن الرحیم

النیابة في الطواف/التکسّب بالواجبات /المکاسب المحرّمة

 

الموضوع: المکاسب المحرّمة/التکسّب بالواجبات /النیابة في الطواف

 

خلاصة الجلسة الماضیة

لقد وصل نقاشنا في الفقه إلى مسألة استئجار الأجير للطواف و الجمع بين طواف المؤجِّر و طواف نفسه. و كانت المسألة تتمثّل في: إذا استُؤجِر شخص ليُطِیف فرداً مريضاً (يدفعه بالكرسي المتحرك)، فهل يمكنه أن يقصد بنفس تلك الحركة طوافَه هو أيضاً، ليتحقّق طواف واحد لنفسه و للمريض؟

قال آية الله المحقق الخوئي (قدّس سرّه): «إنّ المؤجر قد يكون أجيراً عن الغير في الطواف و نائباً عنه في إيجاد العمل المعيّن في الخارج و قد يكون أجيراً للإطافة به و قد يكون أجيراً لحمله في الطواف. أمّا الصورة الأولى فإنّه لا يجوز للأجير أن يقصد الطواف لنفسه حين ما يأتي بالعمل المستأجر عليه و إذا كان أجيراً لحمل غيره في الطواف أو للإطافة به يجوز له أن يقصد الطواف لنفسه حين ما يحمل المستأجر للطواف».[1]

لا بأس بأن تقع الحرکة الواحدة بنیّتین:

     المریض، یقصد طواف نفسه؛

     یمکن للأجیر أن یقصد طواف نفسه؛ و کلاهما صحیحان و الإجارة صحیحة أیضاً.

برأینا إنّ قول المحقّق الخویي تامّ و لا إشکال فیه.

ثمّ إنّ بعض الفقهاء أرادوا أن یفرّقوا بین الصبيّ و غیره و لکن الحقّ أنّه لا یوجد أيّ فرق. المعیار أن ینوي کلّ أحد طواف نفسه و یُراعي شرائط العمل.

«لو كان المحمول صبيّاً جاز أن يباشر نيّة طواف المحمول أيضاً فينوي بحركته الأصليّة طوافه و بحركته العرضيّة طواف المحمول و لا مجال للإشكال في صحّة احتساب كلّ منهما حركته طوافاً لنفسه في صورة استيجار الحامل بعد القول بجواز الاحتساب فيما لو حمل تبرّعاً و معلوم أنّ الجواز هناك في كمال الوضوح»[2]

إنّ الأجیر في الواقع حامل فقط؛ أي المریض المحمول هو الذي ینوي طواف نفسه و الأجیر هو وسیلة الحرکة فقط، سواء أستوجِرَ لـ «الإطافة» أو «الحمل للطواف». قد صرّح المحقّق الخويي أنّ هذین التعبیرین «الإجارة للحمل» أو «الإجارة للإطافة» واحد في المعنی؛ فإنّ المریض في کلا الفرضین یأتي بطواف نفسه و الأجیر هو الذي یحمل المریض فقط.

النیابة في الطواف

لکن النقاش في النیابة له صورة أخری. إذا ناب شخص في الطواف عن الغیر؛ أي لا یکون المیّت أو المریض قادراً علی النیّة ففي هذه الصورة لا یجوز للنائب أن ینوي حرکته طوافاً لنفسه فإنّ طواف النائب طواف مستقلّ للمنوب عنه و اجتماع النیّتین (النیابة و الطواف لنفسه) لا یمکن في مورد واحد.

في الفرض الأوّل، ینوي المریض نفسُه الطوافَ؛ و الأجیر یحمله فقط. لکن في فرض النیابة، لا عمل للمنوب عنه و یأتي النائب تمام العمل، لذلك لا یمکن الجمع بین الطوافین؛ هذا الکلام یقبله المحقّق الخويي و الآخرون من الفقهاء.

و بالجملة: برأینا إنّ الشخص سواء کان أجیراً في الحمل أو أجیراً في الطواف فلا فرق في الحکم؛ لأنّ ذات العمل واحد و طواف الأجیر و المحمول صحیح بالنیّات المستقلّة من دون تداخل بعضها مع بعض.

في استدامة النقاش، ذکر الشیخ الأنصاري (رحمه‌الله) نکتةً دقیقةً حول النیابة في الحج، فإنّه لا یری إشکالاً في النیابة رغم أنّه قد أشکل علی أخذ الأجرة في الواجبات و یعدّ أخذ الأجرة فیها منافیاً لقصد الإخلاص.

«و من هذا القبيل[3] استيجار الشخص للنيابة عنه في العبادات التي تقبل النيابة‌ كالحج و الزيارة و نحوهما فإنّ نيابة الشخص عن غيره فيما ذكر و إن كانت مستحبةً إلّا أن ترتّب الثواب للمنوب عنه و حصول هذا النفع له لا يتوقّف على قصد النائب الإخلاصَ في نيابته بل متى جعل نفسه بمنزلة الغير و عمل العمل بقصد التقرّب الذي هو تقرّب المنوب عنه بعد فرض النيابة انتفع المنوب عنه سواء فعل النائب هذه النيابة بقصد الإخلاص في امتثال أو أمر النيابة عن المؤمن أم لم يلتفت إليها أصلاً و لم يعلم بوجودها فضلاً عن أن يقصد امتثالها أ لا ترى أنّ أكثر العوام الذين يعملون الخيرات لأمواتهم لا يعلمون ثبوت الثواب لأنفسهم في هذه النيابة بل يتخيّلون النيابة مجرّد إحسان إلى الميّت لا يعود نفع منه إلى نفسه و التقرّب الذي يقصده النائب بعد جعل نفسه نائباً هو تقرّب المنوب عنه لا تقرّب النائب فيجوز أن ينوب لأجل مجرّد استحقاق الأجرة عن فلان بأن ينزل نفسه منزلته في إتيان الفعل قربةً إلى الله ثمّ إذا عرض هذه النيابة الوجوب بسبب الإجارة فالأجير غير متقرّب في نيابته لأنّ الفرض عدم علمه أحياناً بكون النيابة راجحةً شرعاً يحصل بها التقرّب لكنّه متقرّب بعد جعل نفسه نائباً عن غيره فهو متقرّب بوصف كونه بدلاً و نائباً عن الغير فالتقرّب يحصل للغير».[4]

توضیح الشیخ الأنصاري (رحمه‌الله):

النیابة تترکّب من أمرین:

۱. الأمر التوصّلي: قبول النیابة و أخذ الأجرة و عقد الإجارة و تهیئة مقدّمات الحج؛

۲. الأمر التعبّدي: نفس الحجّ مع قصد القربة و الإخلاص، حین یأتي النائب بالعمل.

قد فرّق الشیخ الأنصاري بین هذین الأمرین. أخذ الأجرة عمل توصّلي و لا ینافي قصد القربة في العبادة. إذا حان حین العبادة، یقصد النائب القربة بینه و بین الله و یأتي بالعمل.

إشکال في کلام الشیخ (رحمه‌الله)

کان لدینا علی کلام الشیخ الأنصاري (رحمه‌الله) إشکالان:

۱. إشکال في التفکیك بین الأمر التوصّلي و الأمر التعبّدي، نحن نقول: النیابة أمر بسیط لا مرکّب؛ أي قبول النیابة و الإتیان بالعمل لیسا عملین مستقلّین؛ بل مجموعهما أمر واحد و هذا الأمر الواحد تعبّدي؛ إذ النیابة قد شُرِّعت لإتیان العمل العبادي. لذلك جعلُ الإجارة قسمین، قسماً توصّلیاً و قسماً تعبّدیاً، لیس صحیحاً فیما یبدو لنا.

۲. إشکال في منع الأجرة علی الواجبات

إنّا نعتقد کما اعتقد المحقّق الخويي و عدّة من الفقهاء، أنّ أخذ الأجرة علی الواجب لا ینافي قصد القربة.

المثال المذکور في جلسة الدرس:

هناك أب من الأثریاء و لکن ولده یتهاون عن الحجّ مع أنّه مستطیع، یقول الأب لولده: «خذ هذا المبلغ و حُجّ»، و الإبن یحجّ بتحضیض أبیه و یأتي بالعمل خالصاً. إنّ أخذه هذا المبلغ لا ینافي قصد القربة و لا یکون أخذ الأجرة ذا مفسدة أیضاً. فلذلك برأینا إنّ کلام الشیخ الأنصاري (رحمه‌الله) قابل للمناقشة.

ثواب النائب و المنوب عنه

النکتة الأخری، مسألة ثواب النائب و المنوب عنه. قد وقعت في بعض کلمات الشیخ الأنصاري (رحمه‌الله) تردیدات و لکن الروایات صریحة في:

     عمل النائب یقع للمنوب عنه؛

     و یکتب للنائب الثواب الکامل.

کما ورد في روایة عن الإمام الصادق علیه السلام: «مَنْ حَجَّ فَجَعَلَ حَجَّتَهُ عَنْ ذِي قَرَابَتِهِ يَصِلُهُ بِهَا كَانَتْ حَجَّتُهُ كَامِلَةً وَ كَانَ لِلَّذِي حَجَّ عَنْهُ مِثْلُ أَجْرِهِ إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَاسِعٌ لِذَلِكَ‌.»[5]


[3] من قبيل أنه إذا كان حصول النفع غير متوقف على الإخلاص جاز الإستيجار عليه.
logo