47/10/19
بسم الله الرحمن الرحیم
الزهد/صفات المؤمن /شرح جنود العقل و الجهل
الموضوع: شرح جنود العقل و الجهل/صفات المؤمن /الزهد
الزهد و الإخلاص و اليقين و التوكل؛ هدايا إلهية للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله):
الزهد؛ إحدى النعم الإلهية العظيمة:
كان الکلام في مباحث الأخلاق حول الزهد. إنّ الزهد هو إحدى نعم الله تعالى على الإنسان. و قد ورد في إحدى الروايات أنّ أفضل هدية أتى بها جبريل لنبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله) كانت هدايا، إحداها الزهد؛ أي أنّ الله تعالى وهب الزهد للنبي (صلى الله عليه وآله).
سأل النبي (صلى الله عليه وآله) عن معنى هذه الهدية التي منحها الله تعالى له و تسمى بالزهد؟
فأجاب جبريل قائلاً: الزاهد هو من يحب أولياء الله و يبغض أعداء الله، و يستخدم الحلال من الدنيا بقدر الحاجة، و يجتنب الحرام الإلهي. فإذا اجتنب الإنسان الحرام، و انتفع بالحلال من الله، و أحب أولياء الله و أبغض أعداءه، فقد نال مقام الزهد.
إنّ هذه الصفة هي صفة مهمة وهبها الله تعالى لنبي الإسلام (صلى الله عليه وآله). لقد أتى جبريل بهذه الهدية للنبي (صلى الله عليه وآله) التي منحها الله إياه ليكون زاهداً. ففي الحلال حساب و في الحرام عقاب؛ لذا يجب اجتناب المحرمات تماماً و الانتفاع بالحلال الإلهي.
موالاة أولياء الله و معاداة أعداء الله:
يجب علينا أن نحبَّ أولياء الله و أن نعادي أعداء الله. فبعض الناس يحبون أولياء الله؛ يحبون الأئمة (عليهم السلام) و الأولياء الإلهيين، ولكنهم لا يعادون أعداء الله. يقولون: تصالحوا مع أمريكا، و تعايشوا مع إسرائيل، لماذا تقولون: الموت لأمريكا؟ و لماذا تعارضون؟
هؤلاء أعداء الله. فكيف يمكن التوافق مع أعداء الله؟ و من علامات الزهد أنّ من نعلم أنه عدوٌّ لله، فلنکن له أعداء.
و نقرأ في الروايات والأدعية: «لعنة الله على أعدائهم أجمعين». فلماذا نقول هذه العبارة؟ لأن الواجب أن يكون لنا موقف العداء تجاه أعداء أولياء الله، وأعداء الأئمة و أعداء النبي (صلى الله عليه وآله) و أعداء الله تعالى و أعداء الأولياء الإلهيين.
قد تكون لدينا صفة حسنة فنحب أولياء الله؛ فنزور الإمام الحسين (عليه السلام)، ونزور أبا الفضل العباس (عليه السلام)، وأمير المؤمنين (عليه السلام)، والإمام الرضا (عليه السلام)، وسائر الأئمة (عليهم السلام). و هذا أمر عظيم و ذو قيمة كبيرة، و يدل على المحبة لأهل البيت (عليهم السلام) و لأولياء الله. و لكن هناك مقام آخر، و هو أن نعادي أعداءهم أيضاً، أي «أعدائهم أجمعين»، بمعنى أن نجاهد جميع أعداء الله، لا أن نكتفي بالقول باللسان.
فإذا كان هناك يزيد و يزيديون فعلينا أن نجاهدهم، و إذا كان هناك من يتصفون بصفات معاوية فعلينا أن نجاهدهم. و لا ينبغي أن نكون مجرد محبين لأهل البيت. فمحبة أهل البيت و زيارتهم و البكاء على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) أمور عظيمة القيمة، لكنها يجب أن تكون مقرونةً بمعاداة أعدائهم.
ويجب أن نحب أصدقاء أهل البيت و نودَّهم و نساعدهم و ننصرهم. أما أعداء أهل البيت و أعداء أولياء الله و أعداء القيادة و أعداء المرجعية، و الذين يعارضون المراجع الدينية، و الذين يعارضون النظام الإسلامي، فيجب اتخاذ موقف العداء تجاههم.
و عليه، فإن الزهد يعني أنّکم إذا أردتم أن تكونوا زاهدين، فعليكم أن تكونوا أولياء لأولياء الله و أعداء لأعداء الله، و أن تكتفوا بحلال الله، و ألا تقتربوا من الحرام.
الإخلاص؛ الهدية الإلهية الثانية:
ثمّ قال جبريل للنبي (صلى الله عليه وآله): إنّ الله تعالى أرسل إليك هديةً أخرى. فسأل النبي (صلى الله عليه وآله) و ما تلك الهدية؟ فقال جبريل: الإخلاص. لقد أنعم الله عليك بنعمة الإخلاص.
فسأل النبي (صلى الله عليه وآله): ما الإخلاص؟ و من هو العبد المخلص؟
فأجاب جبريل: العبد المخلص هو الذي لا يسأل الناس شيئاً. فإذا أنعم الله عليه بنعمة رضي بها و سُرَّ بها و قال: «الحمد لله». و لا تكون له توقعات من الآخرين و لا يطلب منهم شيئاً.
فبعض الناس يكثرون من الطلب من هذا و ذاك، و يمدّون أيديهم إلى الآخرين باستمرار. و هؤلاء يكون نصيبهم من الإخلاص أقل.
أما إذا كان الإنسان مخلصاً، فإنه يسأل الله و يقول: اللهم تولَّ أنت حلَّ مشكلاتي. و یکون شاکراً لكلّ نعمة يهبها الله له و راضياً بها، فيقول: الحمد لله على نعمة الصحة، و الحمد لله على الذرية الصالحة، و الحمد لله على الزوجة الصالحة و الحياة الطيبة.
فهذه من علامات الإخلاص. و الإخلاص يعني أن يكون الإنسان متوكلاً على الله، لا معتمداً على خلق الله، و ألا يُكثر من إظهار حاجته إلى الناس، و أن يكون راضياً و قانعاً بما أعطاه الله تعالى.
اليقين؛ الهدية الإلهية الثالثة:
ثم قال جبريل: إن الله تعالى قد وهبك هديةً أخرى غير الزهد و الإخلاص.
فسأل النبي (صلى الله عليه وآله): و ما تلك الهدية؟
فقال جبريل: اليقين.
فسأل النبي: ما اليقين؟
فأوضح جبريل: كل عبدٍ استقرَّ اليقين في قلبه يعمل لله تعالى كأنه يراه بعينيه.
فالإنسان صاحب اليقين، و إن كان لا يرى الله، إلا أنه يؤمن بأنّ الله يراه. فإذا بلغ اعتقاد الإنسان مرحلةً يوقن فيها بأنّ الله تعالى يراه، و يعلم جميع أعماله، و مطلع على كل تصرفاته، فقد بلغ مقام اليقين. و ليس المقصود أن يقول بلسانه فقط: إن الله يراني، بل أن يؤمن بهذه الحقيقة بكل قلبه و كيانه، و أن يعتقد أنّ الله تعالى شاهدٌ و رقيبٌ على جميع أعماله.
و هذا هو مقام اليقين الذي منَّ الله تعالى به على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله).
و لذلك فإنّ من أعظم نعم الله على العبد أن يكون صاحب يقين. فإذا كان الإنسان موقناً، و يرى أنّ الله شاهدٌ على أعماله و رقيبٌ عليها، و يؤمن بأنّ الله تعالى مطلعٌ على جميع تصرفاته، فإنّه لن يسعى أبداً إلى المعصية أو إلى ارتكاب ما يخالف أمر الله.
التوكل؛ الهدية الإلهية الرابعة:
قال جبريل: إنّ الله تعالى أرسل إليك هديةً أخرى. فسأل النبي (صلى الله عليه وآله): و ما تلك الهدية؟ فقال جبريل: التوكل.
و من النعم التي أنعم الله بها على النبي، التوكل.
و ما التوكل؟ التوكل هو أن يعتمد الإنسان على الله تعالى و يتكل عليه في جميع أموره. و هذا أيضاً من مراتب الزهد و درجاته. فالزاهد هو الذي يتوكل على الله تعالى في جميع شؤون حياته.
طرق الوصول إلى هذه المقامات:
و للوصول إلى مقام الزهد و الإخلاص و اليقين و التوكل طرقٌ و وسائل، و سیناقش فيها إن شاء الله في المباحث القادمة.
و نسأل الله تعالى أن يرزقنا هذه المقامات أيضاً، و أن يجعل لنا نصيباً من الزهد، و نصيباً من الإخلاص، و نصيباً من اليقين، و نصيباً من التوكل.
و نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً للنمو الروحي، و أن يبلغنا هذه المقامات السامية.