« قائمة الدروس
الحدیث الأستاذ محسن الفقیهی

47/08/08

بسم الله الرحمن الرحیم

 الزهد/ صفات المؤمن/شرح جنود العقل و الجهل

 

الموضوع: شرح جنود العقل و الجهل/ صفات المؤمن/ الزهد

الزهد؛ بوّابة المعرفة و الخيرات:

كان الكلام في بحث الأخلاق حول الزهد و معناه و أنّ الزهد بوّابة إلى المعرفة و أنّ طريق الخيرات يُفتح بالزهد.

يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا أَثْبَتَ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ وَ أَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ وَ بَصَّرَهُ عُيُوبَ الدُّنْيَا دَاءَهَا وَ دَوَاءَهَا وَ أَخْرَجَهُ مِنَ الدُّنْيَا سَالِماً إِلَى دَارِ السَّلَامِ.»[1]

وقد سمعتم قولهم: «العِلمُ نورٌ يقذفه الله في قلبِ مَن يشاء». ما معنى هذا؟ قد يُتعب أحدُهم نفسه ويتعلّم، ولكن ليس عنده نور، و تجد آخرَ لم يبذل ذلك الجهد و لكن عنده نورانيّة. فهناك فرق بين العلم و النور.

العلم الذي يُقرَن بصلاة الليل و الصلاة في أوّل وقتها و التوجّه إلى الله و ترك المعاصي، يتحوّل إلى نور. أمّا العلم المصحوب بالمعصية و ترك الواجبات فقد يكون علماً، و لكنّه ليس نوراً.

و يجب التمييز بين علم الفقه و الفقاهة و التفسير، و بين علم الرياضيات و أمثالها؛ فهذا النوع من العلم لا يكتمل إلّا مع التقوى و الزهد و العبادة و صلاة الليل.

وفي الرواية نفسها: إذا كنتم زاهدين في الدنيا، يثبّت اللهُ الحكمةَ في قلوبكم؛ فلا تتزلزلون، و لا تضعف إيمانكم شبهةٌ أو كلمة.

أثرُ النورانيّة في الكلام:

«وَأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ»؛ ما معناها؟ بعض الناس إذا تكلّموا نفذت كلماتُهم إلى القلوب. قد تسمع الكلام نفسه من غيره و لا يؤثّر فيك، بينما كلامه هو يرسخ في القلب و يمنح الاطمئنان. فإذا كان الإنسان زاهداً، حكيماً، صاحبَ نور، كان كلامُه مؤثّراً.

و قد ترى شخصيةً كبيرةً تتكلّم فتحرّك الجماهير، و يخضع لها حتى المخالفون و يقولون: كلامه حقّ. هذا هو أثر الحكمة المقرونة بالنور.

أمّا مَن كان صاحبَ معصيةٍ و ذنوب، وإن حمل شيئاً من المعلومات و خطب بها، فلن يكون لكلامه ذلك الأثر. فحين يصير الإنسان زاهداً، تُثبَّت الحكمة في قلبه، ثمّ عند الكلام تنتقل هذه الحكمة إلى الآخرين.

معرفةُ العيوب و طرائق العلاج:

و تتابع الرواية: أنّ صاحب الحكمة يعرف عيوب نفسه، فلا يتكبّر، بل يزداد تواضعاً و زهداً، و كلّما ارتفع مقامه ازداد زهداً. يعرف عيوب الدنيا، آفاتها و علاجاتها. و يُعينه الله حتّى يخرج من الدنيا سالماً إلى دار السلام.

و حسنُ العاقبة مهمّ جدّاً، و قد رأينا أنّ كثيرين لم يُوفَّقوا له، مهما بلغوا من المقامات. فإذا سار طالبُ العلم في بداياته مع التقوى و صلاة الليل و الصلاة في وقتها و ترك المعاصي، رزقه الله الحكمة، و جعل لسانه مؤثّراً، و وفّقه لحُسن العاقبة.

مفتاحُ جميعِ الخيرات:

و رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «جُعِلَ الخَيْرُ كُلُّهُ فِي بَيْتٍ، وَجُعِلَ مِفْتَاحُهُ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا».[2] فكلّ الخير وُضع في بيتٍ، ومفتاح ذلك البيت هو الزهد في الدنيا. فإذا كنتم زاهدين، فقد نلتم مفتاح سعادة الدنيا والآخرة.

الهدايا الإلهيّة للنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله):

ينقل الشيخ الصدوق أنّ جبرائيل جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) و قال: يا رسول الله، إنّ الله أرسل إليك هديةً. فقال النبي: و ما الهدية؟

فقال جبرائيل: الصبر و القناعة و الرضا و الزهد و الإخلاص و التوكّل و اليقين. هذه هي الهدايا التي منحها الله للنبيّ.

معنى الصبر:

سأل النبيّ (صلى الله عليه وآله): و ما الصبر؟

فقال جبرائيل: الصبر أن تؤدّي شكر الله عند الشدائد، و ألّا تشكو، و أن تقول: الحمد لله، شكرًا لله.

بعض الناس إذا جاءهم المال قالوا: الحمد لله، وإذا لم يأتِ شكوا. وإذا وقع حادث قالوا: لِمَ أنا؟ لِمَ احترقت سيارتي؟ لِمَ مَرِضَ ولدي؟ أمّا الصبر فهو أن تقول الحمد لله في كلّ حال.

و قد نُقل عن المرحوم آية الله اللنگرودي أنّه كان شديد المرض؛ ألم في القدم و ألم في الظهر و مشاكل في القلب. فإذا سُئل: كيف حالك؟ قال: الحمد لله، ثمّ يقول: قدمي تؤلمني كثيراً. يبدأ بحمد الله، ثم يذكر ما به من ألم.

فإذا أردتَ أن تقول: ظهري يؤلمني أو عندي مشكلة، فابدأ بقولك: الحمد لله، شكراً لله، ثم قل: اللهم اشفني و ادفع عنّي ما بي.

معنى القناعة:

و ما القناعة؟ قال جبرائيل: القناعة أن تفرح بما أعطاك الله، قلّ أو كثر. إن كان الراتب قليلًا، تقول الحمد لله. و إن كثرت المشاكل، تقول الحمد لله. يبذل الإنسان جهده، و لكنّه في كلّ حال يقول: الحمد لله. هذه هي القناعة؛ أن يكون الإنسان راضياً مسروراً بما يأتيه من عند الله، قليلاً كان أو كثيراً.

 


logo