« قائمة الدروس
الحدیث الأستاذ محسن الفقیهی

47/08/01

بسم الله الرحمن الرحیم

الزهد/ صفات المؤمن/شرح جنود العقل و الجهل

 

الموضوع: شرح جنود العقل و الجهل/ صفات المؤمن/ الزهد

المقدّمة:

حديثُنا في مباحث الأخلاق كان حول «الزهد»؛ أي إنّ الإنسان ينبغي أن يكون زاهداً، لكنّ السؤال الأساسي هو: ما معنى الزهد؟ و ما تعريفه الصحيح؟

في بعض الأديان كالمسيحية، للزهد معنى آخر؛ إنّهم يفسّرونه بترك الزواج و ترك امتلاك مال الدنيا. و قد رأيتُ في سفري إلى إيطاليا أنّهم يخصّصون لهذا الأمر مكانةً خاصّةً فالذي لم يتزوّج يضع حزاماً بعقدةٍ مميّزة تدلّ على أنّه لم يتزوّج طوال حياته، و مثلُ هذا الشخص يمكنه الوصول إلى أعلى المناصب الدينية عند الكاثوليك.

و مرتبتهم الثانية أن لا يملك الإنسان شيئاً من أموال الدنيا: لا بيتاً و لا سيارةً و لا حساباً بنكيّاً و لا أرضاً و يعيش في غرفة بسيطة لا يملك فيها إلّا الحدّ الأدنى من مستلزمات الحياة. هذا هو الزهد في نظر المسيحية: بلا زوجة، بلا مال دنيوي و بلا تعلّقات مادية.

تفاوتُ نظرة الإسلام إلى الزهد:

أمّا الزهد في الإسلام فليس كذلك فالإنسان يمكنه أن يكون له بيت و زوجة، بل حتى زوجتان، و يمكنه أن يملك حياةً مادية، و مع ذلك يكون زاهداً. فمعنى الزهد في الإسلام هو قلّة الرغبة في الدنيا؛ أي عدم التعلّق بها و عدم الوقوع في أسر المال فإن اقتضى الأمر يبذل كلّ أمواله في سبيل الله أو يتصدّق بنصفها و لا يرى للمال قيمةً ذاتيةً.

نموذجٌ من سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام):

نُقِل أنّ محتاجاً جاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال (عليه السلام) للمسؤول عن بيت المال: «أعطِه ألفاً» فسأله المسؤول: أأُعطيه ألفَ دينار أم ألفَ درهم؟ فقال عليه السلام: لا فرق عندي؛ أعطه ما يُصلح أمره، أعطه بحيث تُقضى حاجته[1] .

ففي نظر أمير المؤمنين (عليه السلام)، لا فرق بين الذهب و الفضّة؛ المهمّ قضاءُ حاجة المحتاج. و قال: الذهب و الفضّة عندي كالحجارة؛ لا قيمة ذاتية لها.

معنى الزهد العملي:

الزهد هو أن يكون مال الدنيا في يدك، فإذا جاءك محتاج فلا تخف مما يكون عليه مستقبلك إن ساعدته. فإنّ بعض الناس إذا أراد أن يساعد ترتجف يده، و يظلّ يحسب: إن أعطيتُ هذا المال فماذا سيكون مستقبلي؟ أمّا الإنسان الزاهد فيقول: «ليُقضَ أمر هذا العبد المحتاج، و الله يرزق و يعوّض».

الزهد في مقابل الحرص:

الزهد يقابل الحرص تماماً. التفكير في المستقبل ليس أمراً سيّئاً، و لكن الشيطان يدخل من هذا الباب، فيقول: اجمع أكثر و ادّخر أكثر، فليس ما عندك كافياً لمستقبلك. و قد يبلغ الإنسان حدّاً يجمع فيه المليارات، و مع ذلك يقول: هذا قليل.

و اليوم نسمع أنّ بعض الناس يملكون مئات الشقق؛ مائة أو مائتين بل ربما خمسمائة شقّةً. و السؤال: لِمَ كلّ هذا المال؟ بيت واحد أو بيتان أو ثلاثة تكفي للأبناء و الأحفاد، أمّا مئات الشقق فلأيّ شيء؟ هذا هو الحرص بعينه.

الروايات في شأن الزهد:

في كتاب «الكافي» المجلّد الثاني ورد أنّ علامة من يرغب في الآخرة أن يكون زاهداً في الدنيا الفانية.و الزهد لا ينقص شيئاً من النصيب الذي قدّره الله للإنسان؛ فكلّ ما كتبه الله له سيصل إليه، كما أنّ الحرص و جمع المال فوق الحدّ لا يزيدان في رزقه شيئاً[2] .

فناء الدنيا:

كم من مرّة رأينا إنساناً أخطأ في تقديرٍ واحد فذهب جميع ماله! هذه هي الدنيا؛ زائلة، سريعة الانقضاء. و من كان تفكيره محصوراً بالدنيا و غافلاً عن الآخرة فهو الخاسر.

يقول الإمام الصادق عليه السلام: إذا أراد الله بعبدٍ خيراً زهّده في الدنيا و فهّمه في الدين، و بصّره عیوب الدنیا.[3]

و معرفة الإنسان بعيوبه مقامٌ عظيم؛ فكثيراً ما يغرق المرء في الدنيا و المعصية حتى لا يرى عيبه و مهما نُبِّه فلا يقبل.

العجلة نحو الجاه و الدنيا:

بعض الناس يسعون بعجلةٍ للوصول إلى المناصب؛ يتنافسون على الرئاسة و الشهرة و تحمل المسؤوليات. غير أنّ ما كُتِب للإنسان سيبلغه في حينه الذي يختاره الله، فلا حاجة للعجلة و لا للحرص الزائد.

الإفراط في أي أمرٍ مَصدرُ خطرٍ و فساد؛ فالإفراط في جمع المال أو طلب الجاه أو في اتباع الشهوات، يقود غالباً إلى الفضيحة و السقوط.

خلاصة القول:

من وهبه الله ثلاث خصال فقد نال خير الدنيا و الآخرة: الزهد في الدنيا و الفقه مع البصيرة في الدين و المعرفة بعيوب نفسه.

و لا طريق أقوم من طريق الزهد للوصول إلى الحق. و الزهد ليس ترك الدنيا، بل أن تكون رغبة المرء فيها متوازنةً؛ لا إسرافاً و لا حرماناً. خذ من الدنيا ما تحتاج و استفد منها دون أن تتعلّق بها. كن حرّاً. فالمتوازن هو من يجمع بين الزهد و الجاه و النعمة، دون أن تستعبدَه الدنيا.

 


logo