« قائمة الدروس
الحدیث الأستاذ محسن الفقیهی

47/07/24

بسم الله الرحمن الرحیم

 الزهد/صفات المؤمن/ جنود العقل و الجهل

 

الموضوع: جنود العقل و الجهل /صفات المؤمن/ الزهد

الزهد؛ بوّابة الفضائل الأخلاقية:

كان حديثُنا في مباحث الأخلاق حول الزهد و قلنا إنّ الزهد هو بوّابةُ الفضائل الأخلاقية و أنّ أعلى صفةٍ للإنسان هي أن يكون زاهداً. و لكن المهم هو أن نعرف معنى الزهد و خصائصه و علاماته. لا ينبغي لكلّ أحدٍ أن يقول عن نفسه: «أنا زاهد»؛ لأنّ للزهد خصائص و علاماتٍ.

حبّ الدنيا؛ أصلُ كلّ الخطايا

«حُبُّ الدُّنیا رأسُ كُلِّ خطيئة»[1] ؛ فشدّة التعلّق بالدنيا هي أصل جميع الخطايا: الخطايا الغضبيّة و الشهويّة و الماليّة و غيرها، كلّها تنشأ من حبّ الدنيا. فالإفراط في التعلّق بالدنيا يعرّض الإنسان لكثيرٍ من الأخطار.

على الزاهد أن يكون شاكراً و متّقياً و ما معنى الشاكر؟ أي أن يشكر دائماً نِعَمَ الله و یقول أعطاني اللهُ مقداراً من النعم و أنعم عليّ بهذا القدر فأنا شاكر. و من جهةٍ أخرى، فإنّ ترك الذنوب من علامات الزهد. فالزاهد لا يرتكب الذنب أبداً؛ لأنّه لا يحمل حبّ الدنيا في قلبه، و لا يصبح أسيراً لها.

استخدامُ الدنيا أم الأسرُ لها؟

هناك فرقٌ بين أن ينتفع الإنسانُ بالدنيا و بين أن يقع أسيراً لها فالانتفاع بالدنيا أمرٌ حسن. ﴿خَلَقَ لَكُم ما فِي الأَرْضِ جَميعاً﴾[2] ، فكلّ ما في الأرض هو لكم: المياه، النباتات، الطبيعة، المرأة، الولد… انتفعوا بهذه الأشياء، و لكن لا تكونوا أسرى لها.

فإذا أصبح الإنسان أسيراً للمرأة و الولد و المال و البيت و الدنيا، زال عنه ذوقُ العبودية. فيقول: من أجل هذا الطفل ضيّعت ديني، و من أجل هذه المرأة تركتُ ديني، و من أجل هذا البيت وقعتُ في الرشوة و الحرام. هذا ليس زهداً، بل هو أسرُ الدنيا.

نظرة الإسلام إلى نِعَم الدنيا:

إنّ العيش الحلال و المال الحلال و البيت الواسع و المرکب الجیّد، كلّها نِعَم. و في الرواية: من سعادة الرجل أن يكون له بيتٌ واسع و المرکب البهيء[3] . لا بأس بذلك؛ و لكن لا تكن أسيرَها. فإذا ارتكبتَ الذنب من أجل البيت أو السيارة أو المرأة أو المال، فهذا ضدّ الزهد. فالأنبياء و أولياء الله كانت لهم زوجاتٌ و بيوتٌ و حياة. إنّ الزهد في الإسلام يختلف عن الزهد المسيحي.

الفرق بین الزهدِ الإسلامي و الزهدِ المسيحي:

في المسيحية يُفسَّر الزهد بأن يترك الإنسانُ المرأةَ تركاً مطلقاً، و ألّا يملك مالاً من أملاك الدنيا، و ألّا تكون له دارٌ أو حسابٌ بنكي أو حياةٌ شخصية. و قد رأينا كهنةً تُعرَف درجاتُ زهدهم بأحزمةٍ خاصّة و عُقَدٍ مختلفة:

العقدة الأولى: تركُ المرأة

العقدة الثانية: تركُ مال الدنيا

و العُقَد اللاحقة: أمورٌ أخرى

لكنّ الإسلام لا يقبل هذا. فالإسلام يقول: انتفع بالمرأة و لكن لا ترتكب الحرام؛ و انتفع بمال الدنيا و لكن لا تقع في الحرام؛ عِش عیشك و لکن لا تكن متعلّقاً بها.

روايةُ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) في معنى الزهد:

يقول رسولُ الله (صلى الله عليه وآله): «الزهد ليس بتحريم الحلال، و لكن أن تكون بما في يدِ الله أوثقَ منك بما في يديك».[4] فمعنى الزهد هو ألّا تحرّم حلالَ الله على نفسك، و ألّا تُضيّع المال، و لكن يكون اعتمادُك على ما عند الله أكثرَ من اعتمادك على ما في يدك.

فإن كنتَ تجمع المال لتستريح، فهذا خطأ؛ فالراحة الحقيقية في التوكّل على الله.

الثقةُ بالله لا بالدنيا:

المرأة و الولد و المال و البيت، جميعُها أمورٌ حسنة؛ و لكنّ الله قادرٌ في لحظةٍ على أن يسلبها جميعاً. فينبغي أن يكون اعتمادُك الأساسي على الله، لا على المال و لا على الزوجة و لا على الولد و لا على الموقع. الأوّل هو الله، ثمّ أمرُ الله و بعد ذلك المرأة و الولد و الحياة و المال و السيارة.

محاسبةُ النفس:

السؤال الآن: هل نحن حقّاً زاهدون أم أنّنا نقول الكلمة فقط؟ و لتفهيم هذه المسألة، قال النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام): «يا عليّ، إنّ الله تعالى زيّنك بزينةٍ لم يزيّن العباد بزينةٍ أحبَّ إليه منها».[5] و ما هذه الزينة؟ الزهد.

علاماتُ الزهد في كلام النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله):

    1. أن تكون الدنيا عندك مبغوضةً، لا أن تكون عاشقاً لها.

    2. محبّةُ الفقراء: «وَ حُبِّبَ إليكَ الفقراء».

فإذا رأيتَ نفسك تُداهن الأغنياء و تخصّهم باحترامٍ زائد و تنصرف عن الفقراء، فاعلم أنّك لستَ بزاهد؛ فهذه مجرّد كلمات.

المعيار الحقيقي: علاقتُك بالفقراء

انظر: مع مَن تجلس أكثر؟ مع الأغنياء أم مع الفقراء؟ احترم الجميع و لا تُسِئ الأدب؛ و لكن محبّتُك يجب أن تكون للفقراء. يجب أن یحبّك الفقراء و أن تحبّهم أنت.

و إن كنتَ رجلَ دين، فلا تذهب فقط إلى بيوت الأغنياء، بل كن مع الفقراء و خالطهم و عِشْ معهم؛ فهذا من علامات الزهد.

النتيجةُ النهائية:

إذا كان حبّ الدنيا و الأغنياء في قلب الإنسان، فإنّ الزهد يزول من قلبه، و تزول معه فضائل الدنيا و الآخرة. أمّا إذا كان حبّ الفقراء و الاهتمامُ بالمستضعفين و الأنسُ بأبناء الناس العاديّين في القلب، فهذه علامةٌ على انفتاح باب الرحمة الإلهية. فالزهدُ هو بوّابةُ جميع الفضائل.


logo