« قائمة الدروس
الحدیث الأستاذ محسن الفقیهی

47/06/26

بسم الله الرحمن الرحیم

الزهد/صفات المؤمن /شرح جنود العقل و الجهل

 

الموضوع: شرح جنود العقل و الجهل/صفات المؤمن /الزهد

 

حقيقة الزهد في کلام أميرالمؤمنين (علیه‌السلام)

قال أميرالمؤمنين (علیه‌السلام) في حکمة ۴۳۹ من نهج البلاغة: «الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾[1] ، وَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي وَ لَمْ يَفْرَحْ بِالْآتِي فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ[2]

في كمالات الإنسان، الزهد من أعلى المراتب. القناعة صفة جيّدة جداً و الشجاعة صفة جيدة جداً و هناك صفات نبيلة عديدة ينبغي على الإنسان أن يتّصف بها، و لكن واحدة من أرفع الصفات للإنسان هي الزهد. و مع ذلك، فإنّ فهم الزهد بدقة، يكون قليلاً صعباً؛ ما هو الزهد، هل نحن زهاد أم لا، و في أيّ مرتبة من الزهد نحن؟

الزهد؛ حالة نفسيّة:

يقول الإمام: «الزهد كله بين كلمتين من القرآن»؛ الزهد حالة نفسيّة. الزهد ليس في الظاهر؛ ليس في نوع الملابس التي نرتديها، و ليس في الحياة البسيطة أو المترفة. قد يرتدي شخص ملابس جيّدةً لكنه يكون زاهداً، و قد يكون لشخص مظهر بسيط لكنّه ليس زاهداً. الزهد حالة روحيّة و داخليّة للإنسان. أحياناً تكون الروح روحيّةً زاهديّةً و أحياناً تكون الروح روحيّة حرص على الدنيا.

الزهد مقابل الحرص:

في الآيات و الروايات، الزهد مقابل الحرص. بعض الأشخاص حريصون على الدنيا؛ مهما كان لديهم، لا يقنعون: لديهم بيت، يقول ينبغي أن يكون هناك بيت آخر؛ لديهم زوجة، يقول أحتاج إلى زوجة أخرى؛ لديهم مال، يقول لا يزال قليلاً. دائماً يحسّون بالحرص و لا يرضون بما لديهم. هؤلاء ليس لديهم زهد. على العكس، بعض الأشخاص يقولون: الحمد لله، لدي حياة جيدة، لدي زوجة جيدة، لدي بيت، لدي وسيلة، شكراً لله. الحياة لها مراتب؛ البيت له مراتب، و السيارة لها مراتب و الامتيازات لها مراتب. و لكن عندما يصل الإنسان إلى حدّ الكفاية و الراحة، يجب أن يكون قانعاً و ألا يحسّ بالحرص.

التفسیر القرآني للزهد

قال الله- تعالی- في القرآن الکريم: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾[3] یعني: لا تحزنوا كثيراً على ما فقدتموه، و لا تفرحوا أكثر من اللازم بما يُعطى لكم. لقد ولي الماضي. إذا كان هناك خطأ، استغفروا و انظروا إلى المستقبل. كونوا هادئين.

الزهد و الهدوء الروحي:

لماذا يُصاب بعض الناس بالضغط العصبي، و السكتة القلبيّة أو انسداد الشرايين؟ كثيراًما تكون جذور هذه المشكلات في عدم الزهد. على سبيل المثال: إذا أُخذت مكانة من شخص، فإن أعصابه تنهار؛ و إذا أُزيلت منه مسؤوليّة، فإنه يُصاب بأزمّة نفسيّة. إذا وُجد الزهد، فلن يتأثّر الإنسان بذلك. قد يقول: الحمد لله، أصبحت خفيفاً، أُزيلت المسؤوليّة عن عاتقي.

مثال على التعلّق بالمقام:

نُقل عن قاضٍ تم إبعاده من مسؤوليّة القضاء أنّه قال: «الآن أدركت كيف عانى الملك عندما أُزيح عن العرش». بينما ما قيمة القاضي أو أيّ منصب دُنيوي، تجعل الإنسان يعاني من انهيار نفسيّ من أجله؟ إذا وُجد الزهد، فسيبقى الإنسان هادئاً. لن يُصاب بسكتة، و لا ستنهار أعصابه.

الدنيا غير موثقة:

الدنيا و المقام و المال و الجمال، جميعها غير دائمة: لحظة واحدة يذهب المقام؛ لحظة واحدة يُفقد المال؛ لحظة واحدة تُدمّر الجمال بحادث؛ حادث واحد قد يُفرق الأسرة، فلماذا يتعلّق الإنسان بهذه الأمور؟

لا حزن على الماضي، و لا فرح مفرط بالمستقبل:

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا لم يحزن الإنسان على الماضي، و لم يفرح أكثر من اللازم بالمستقبل، فقد وصل إلى حقيقة الزهد. لا الوعود المستقبليّة موثوقة، و لا الممتلكات الحاليّة دائمة. الزهد لا يعني ترك الدنيا. لا يعني الزهد أنّه يجب ألا يكون لديك منزل كبير؛ أو سيارة جيدة؛ أو أن لا تستخدم نعمة الدنيا. لا يوجد أيّ مشكلة في ذلك. الزهد هو في الذهن و القلب، و ليس في ظاهر الحياة.

نموذج الزهد: هدوء الإمام خمینی (رحمه الله):

قال الإمام خمینی (رحمه الله) في الطائرة من فرنسا إلى إيران، بينما كان الشرق و الغرب أعداءه: «أنا أقوم بواجبي؛ إذا قُتلت، قُتلت؛ و إذا بقيت، سأخدم». هذه الروحيّة هي روح الزهد. كلّ شيء أمانة من الله. إذا عرف الإنسان أنّ جماله أمانة من الله؛ و ماله أمانة من الله؛ و زوجته و أولاده أمانة من الله؛ و عقله و ذاكرته و مكانته أمانة من الله؛ فلن يتعلّق بشيء. الله يعطي كلّما أراد و يأخذ كلّما أراد. ترى أحياناً أنّ الإنسان لديه العقل و الحكمة حتّى آخر عمره و أحياناً مع المرض، يفقد كلّ شيء.

معنى شكر النعمة:

شكر النعمة يعني: «اللهم، هذه نعمتك؛ لا تأخذها مني». يعني أن تعرف أنّ المال ليس لك، بل هو أمانة و تستخدمه في سبيل الله.

جذرُ كلّ الخلافات: حبّ الدنيا:

قال النبي الكريم محمد (صلّى الله عليه وآله): «حبّ الدنیا رأس کل خطیئة»[4] العلقة بالدنيا هو جذر جميع النزاعات و الخلافات: نزاعات المناصب؛ نزاعات المسؤولين؛ الضغوط و الظلم.

مثال على مشاكل التعلق بالمقام:

نُقل عن قاضٍ تعرض للضغط لتنفيذ الحق، و تم الضغط عليه ليقوم بأمر مخالف للشريعة. عندما رفض، تم تهديده بأنهم سیعزلونه. كلّ هذه الأمور ناتجة عن حبّ الدنيا.

الخلاصة:

الزهد يعني:

الراحة في الفقدان؛

التوازن في الاستفادة؛

عدم التعلّق بالدنيا

رؤية جميع النعم كأمانة إلهية؛

هذا الزهد يجعل الإنسان حرّاً، هادئاً و مقاوماً.

 


logo