47/10/17
بسم الله الرحمن الرحیم
أخذ الأجرة علی الأذان/التکسب بالواجبات /المکاسب المحرّمة
الموضوع: المکاسب المحرّمة/التکسب بالواجبات /أخذ الأجرة علی الأذان
خلاصة الجلسة الماضية: كان نقاشنا في الفقه حول أخذ الأجرة على الأذان؛ ما حكمه التكليفي؟ و ما حكمه الوضعي؟ يقول صاحب العروة رضوان الله تعالى عليه: «لا يجوز أخذ الأجرة على أذان الصلاة و لو أتى به بقصدها بطل».[1] فقد بيّن الحكم التكليفي بحرمة أخذ الأجرة على الأذان، و بيّن أيضاً الحكم الوضعي و هو بطلان الأذان. و النتيجة أنّ مثل هذا الأذان لا يكفي، و لا يجزئ للصلاة و لا للمستحبات المترتبة على الأذان.
و في هذه المسألة خلاف: فبعضهم يرى حرمة أخذ الأجرة على الأذان، و بعضهم يراه مكروهاً، و بعضهم يحتاط احتياطاً وجوبياً في ترك أخذ الأجرة على الأذان.
و كان رأينا أنّ الأحوط وجوباً ترك أخذ الأجرة على الأذان؛ و ذلك لأنّ الروايات الواردة في هذا الباب – و إن كان بعضها ضعيف السند- إلّا أنّ المشهور من الفقهاء قد عملوا بها، و عمل المشهور يوجب جبر ضعف السند. و عليه فالأحوط وجوباً أن لا يُنشأ عقد الإجارة على الأذان، و لو فُرض إنشاء مثل هذا العقد و أُتي بالأذان على أساسه، فالأحوط وجوباً بطلان هذا الأذان.
و أمّا الإشكال الذي ذكره بعضهم من أنّ قصد القربة لا يتحقق في مثل هذا الأذان فلا نقبله؛ لأنّ قصد القربة قد يتحقق. نعم، قد يكون بعض الناس یؤذّن لأجل المال فقط و لا يقصد القربة، و لكن قد يكون بعضهم يأخذ الأجرة و مع ذلك يقصد القربة؛ كما في الصلاة الاستيجارية، فإنّ الإنسان قد يقبل هذا العمل لأجل المال، لكنّه يصلّي بقصد القربة. و كذلك في الصوم الاستيجاري: فالحاجة المالية قد تدفعه إلى قبول الصوم الاستيجاري، و لكنه يصوم لله تعالى و بقصد القربة. و كذلك في الحج النيابي؛ فقد يقبل الإنسان النيابة في الحج لأجل المال، لكنه يأتي بأعمال الحج بقصد القربة. و عليه فإنّ وجود الدافع المالي لا ينافي قصد القربة؛ فقد يقبل الإنسان العمل بدافع مالي و لكنه عند الإتيان به يؤدّيه لله تعالى و بقصد القربة. و كذلك الأذان؛ فقد يقصد الإنسان القربة و يؤذّن لله تعالى و مع ذلك يتقاضى مبلغاً من المال.
النهيُ في المعاملات
قال بعض الفقهاء: هل النهي في المعاملات يوجب الفساد و البطلان أم لا؟ فذهب جماعة إلى أنّ أخذ الأجرة على الأذان و إن كان حراماً، إلّا أنّه غير باطل؛ لأنّ النهي في المعاملات لا يوجب البطلان، كما في «بيع وقت النداء» فإنّه منهيّ عنه، مع أنّ البيع فيه غير باطل. و يقولون هنا أيضاً: إنّ أخذ الأجرة و إن كان حراماً إلّا أنّ عقد الإجارة غير باطل.
قال المحقّق السبزواري (رحمه الله): فلا وجه للبطلان لما ثبت من أنّ النهي في المعاملات لا يوجب البطلان و يمكن الاختلاف باختلاف الوجوه التي استدل بها على الحرمة و أما مع الشك في أنّها وضعية أو تكليفية، فإن قلنا بأنّ كلّ ما هو منهيّ عنه وضعاً محّرم تكليفاً أيضاً، فالنّهي التكليفي معلوم و الشك إنّما هو في الوضعي، فيرجع فيه إلى الأصل، فيصح لو حصل قصد القربة.[2]
و عندنا أنّ الاحتياط الوجوبي يقتضي ترك أخذ الأجرة، و عدم الاكتفاء بالأذان الواقع على أساس الإجارة.
و أمّا الذين يقولون بالمشروعية فلا يرون إشكالاً، و أمّا القائلون بالحرمة التكليفية فهم على طائفتين: طائفة يرى بطلان الأذان، و طائفة أخری لا يرى بطلانه؛ أي إنّهم يقبلون الحكم التكليفي و لا يقبلون الحكم الوضعي بالبطلان.
أخذُ الهدية و المساعدةِ من بيت المال
نقول: یجب ترك أخذ الأجرة على الأذان، و لكن إذا أعطى إمامُ الجماعة شيئاً للمؤذّن من بيت المال أو من أوقاف المسجد فلا بأس به؛ لأنّ هذا يُعطى بعنوان الهدية و المساعدة، لا بعنوان الأجرة.
قال الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه الشريف: «إن أعطى الإمامُ المؤذّنَ شيئاً من أموال المصالح كان جائزاً».[3]
و قال الشهيد الثاني: «و لا يلحق بها[4] أخذ ما أعدّ للمؤذّنين من أوقاف مصالح المسجد و إن كان مقدّراً و باعثاً على الأذان»[5] فلا إشكال في الدفع إلى المؤذّن من أوقاف المسجد.
و هذا هو رأينا أيضاً: فالمساعدة المالية و الهدية لا إشكال فيهما، و أمّا جعل المؤذّن أجيراً بعقد إجارة على الأذان، فغير صحيح و يستلزم البطلان.
حکم ثواب المؤذّنِ الآخذِ للأجرة
إذا أخذ المؤذّن مالاً مقابل الأذان، أمکن أن یزول الثواب علی الأذان.
قال المحقّق السبزواري (رحمه الله): هل يوصف أذان آخذ الأُجرة بالتحريم؟ فيه قولان و القول بالتحريم إذا كان غرضه من الأذان منحصراً في الأُجرة متّجه و الظاهر أنّ أخذ ما يعدّ للمؤذّنين من أوقاف مصالح المساجد و نحوها جائز ليس بأُجرة و لا يثاب فاعله عليه إلّا مع تمحّض إرادة القربة في فعله.[6]
حكمُ الحرمة خاصٌّ بالأذان الإعلامي
نقطةٌ أخرى ذكرها صاحب الحدائق أعلى الله مقامه الشريف، و هي أنّ حرمة أخذ الأجرة تختصّ بالأذان الإعلامي دون الأذان الصلاتي؛ لأنّ عندنا نوعين من الأذان:
1. الأذان الإعلامي: يؤذّن المؤذّن على المأذنة لإعلام الناس بوقت الصلاة و دعوتهم إلى صلاة الجماعة.
2. الأذان الصلاتي: الأذان الذي يُقال عند حضور إمام الجماعة في المسجد، ثم يقيم الإمام للصلاة و يبدأ بها.
قال (رحمه الله): «لا يخفى أنّ مورد الأخبار المتقدّمة إنّما هو الأذان الإعلاميّ الذي هو محلّ البحث غالباً في المقام و أمّا الأذان و الإقامة المستحبّان لكلّ من صلّى الإتيان بهما من منفرد أو جامع فلا نصّ فيهما بوجه. و تكلّف البحث فيهما كما ذكروه لا وجه له».[7]
قال صاحب الحدائق (رحمه الله): إنّ أخذ الأجرة على الأذان الإعلامي حرام، لا على الأذان الصلاتي. لكن بعضهم قال بشمول الحكم لكليهما.[8]
و برأینا أنّ الروايات لا تدلّ على اختصاص النظر بالأذان الإعلامي؛ فإنّ تعبير الروايات هو «الأذان» و «المؤذّن» و يشمل النوعين معاً. و عليه فإن قلنا بالحرمة شملتهما معاً، و إن قلنا بالكراهة شملتهما معاً، و إن قلنا بالاحتیاط الوجوبي فالاحتياط شامل لهما معاً.
أخذُ الأجرة على الأجزاء المستحبّة
هناك مسألةٌ أخرى ينبغي النقاش فيها و هي أنّ بعض الأمور في الأذان مستحبّة، مثل:
– قول «جلّ جلال ربّي» بعد «أشهد أن لا إله إلا الله»
– بعض الأدعية
– الصلاة على النبيّ صلى الله عليه و آله عند ذكر اسمه الشريف
فالسؤال: هل يجوز أخذ الأجرة على مستحبّات الأذان أم لا؟
قال كاشف الغطاء (رضوان الله تعالى عليه): «لا بأس بأخذ الأجرة على ما يستحب فيه و ليس منه كالشهادة بالولاية لعليّ علیه السلام».[9]
و هذا هو رأينا أيضاً: فإذا دُفِع مبلغٌ مقابل المستحبّات الخارجة عن ذات الأذان، فلا إشكال فيه. أمّا أصل الأذان فالمؤذّن يأتي به بقصد القربة لله تعالى، و أمّا المستحبّات الخارجة عن حقيقة الأذان فله أن يأتي بها في مقابل مبلغ مالي.
و من المسائل التي سنتناولها لاحقاً إن شاء الله: ما الفرق بين «الأجرة» و «الرزق» في الأذان؟ و لماذا نقول إنّ الأجرة حرام، بينما الهدية أو الرزق من بيت المال غير حرام؟ و ما الفارق بينهما بحيث يكون أحدهما ممنوعاً و الآخر جائزاً؟ سنبيّن ذلك بإذن الله في النقاشات القادمة.