« قائمة الدروس
بحث الفقه الأستاذ محسن الفقیهی

47/08/13

بسم الله الرحمن الرحیم

أخذُ الأجرةِ على تبليغ الدين/ التكسّبُ بالواجبات/ المكاسبُ المحرَّمة

 

الموضوع: المكاسبُ المحرَّمة/ التكسّبُ بالواجبات/ أخذُ الأجرةِ على تبليغ الدين

 

خلاصةُ الجلسة السابقة: كان نقاشنا الفقهي حول مسألةِ التعليم؛ أي هل بيانُ الأحكامِ للناس واجبٌ علينا؟ و كذلك هل يجوز أخذُ الأجرة على بيانِ الأحكام؟ فمثلاً: هل يجوز للمرء أن يحدّد مبلغاً ماليّاً مقابل بيان المسائل الشرعيّة و يقول: لا أُبيّنها إلا إذا دُفع لي كذا؟ و في ذلك أقوالٌ مختلفة، فبعض یقول بالحرمة، و بعض آخر یقول بالجواز.

الرأيُ الثالث

و من الأقوال جوازُ أخذِ الأجرة على ما زاد على الواجب؛ أي إنّ بيانَ الواجبات، كالطريقة الصحيحة للصلاة و الصيام و بيان المحرّمات، لا يجوز أخذُ المال عليه، أمّا ما زاد على الواجب من مسائلَ إضافيّة، فيجوز أخذُ الأجرة عليه، مع التأكيد على الكراهة لا سيّما عند اشتراط المبلغ.

قال الشهيد الأوّل (رحمه الله): «لو أخذ الأجرةَ على ما زاد على الواجب من الفقه و القرآن جاز على كراهةٍ، و يتأكّد مع الشرط و لا يحرُم».[1]

الرأيُ الرابع

هناك قولٌ آخر و هو عدمُ جوازِ أخذِ الأجرة في المسائل التي يكثر ابتلاء الناس بها، كأحكام الشكوك في الصلاة و نظائرها.

«لا تجوز على الأحوط الإجارةُ على تعليم مسائل الحلال و الحرام و تعليمِ الواجبات مثل الصلاة و الصيام و نحوهما مما كان محلَّ الابتلاء دون غيره».

فالأعلامُ الكبار، مثل آيةِ الله السيستاني[2] ، و آيةِ الله السيّد محسن الحكيم،[3] و آيةِ الله الوحيد الخراساني،[4] يرون أنّه لا يجوز أخذُ الأجرة على تعليم الحلال و الحرام و الواجبات كالصلاة و الصوم ممّا هو محلّ ابتلاء عامٍّ. بل إنّ بعضَ هؤلاء الأعلام يرى الإشكالَ حتى في الموارد التي ليست من محلّ الابتلاء.

و قد احتاطَ بعضُ المراجع احتياطاً وجوبياً بعدم أخذِ المال في تعليم الواجبات التي هي محلّ الابتلاء، بل و حتى في غير محلّ الابتلاء لا یری حکم الجواز خالیاً من الإشکال، كما نُقل عن آيةِ الله العظمى الوحيد الخراساني:

«و لا تجوز الإجارةُ على تعليمِ الحلال و الحرام و تعليمِ الواجبات مثل الصلاة و الصيام و غيرهما ممّا هو محلّ الابتلاء على الأحوط وجوباً، بل إذا لم يكن محلّ الابتلاء فلا يخلو عن إشكال أيضاً».[5]

الرأيُ الخامس

هناك نظريةٌ أخرى قائمةٌ على التفصيل؛ و هي أنّه بناءً على الاحتياط الوجوبي، لا يجوز أخذُ الأجرة على بيان الحكم الشرعي الذي يحتاج الجاهلُ لمعرفته للعمل به، أمّا العلومُ التي لا يحتاج إليها المكلّف مباشرةً للعمل، بل يتعلّمها لمجرّد التفقّه أو لنفع الآخرين فیجوز أخذ الأجرة على تعليمها. و هذا هو قولُ السيّد محمّد سعيد الحكيم.

«الأحوط وجوباً عدمُ أخذها على بيان الحكم الشرعي الذي يحتاج الجاهلُ لمعرفته و لو لكونه في معرض الحاجة للعمل به، و أمّا ما لا يحتاج إليه للعمل بل يكون تعلّمه لمجرّد التفقّه أو لنفع الغير فالظاهر جواز أخذ الأجرة على تعليمه».[6]

الرأيُ السادس

قال العلّامةُ الحلّي (أعلى الله مقامه الشريف): إنّ ما كان تعليمُه واجباً كفائياً يحرم أخذُ الأجرة عليه، و تشتدّ الحرمة إذا تعيّن الواجبُ و صار عينياً.

«و أمّا ما يجب تعلّمه على الكفاية كالفقه، فإنّه يحرُم أخذُ الأجرة على تعليمه مع تعيّنه عليه».[7]

توضيحُ الواجبِ العيني في التبليغ و رأيُ الأستاذ الخاص

يصبح الواجبُ عينياً مثلاً حين تكون أنتَ العالمَ الوحيد في منطقةٍ ما، و لا توجد إمكانية للوصول إلى غيرك؛ و حينئذٍ يكون بيانُ الأحكام واجباً عينياً عليك، و يجب عليك أداؤه مجّاناً. و قد بسطنا الأقوال لكون المسألة محلّ ابتلاء لكم في حضوركم المجالسَ و المحافل. و عليكم أن تلتفتوا إلى أنّه لا ينبغي السعيُ وراء الأجرة في بيان الأحكام التي يحتاجها الناس. أمّا قبولُ الهدية فلا بأس به، لكنّ اشتراطَ المال و تحديدَ مقداره غيرُ صحيح. و هذا رأيُ المراجع، إمّا بنحو الفتوى أو الاحتياط الوجوبي.

أمّا نحن فنرى ـ كما تقدّم في الأبحاث الماضية ـ أنّ أخذَ الأجرة على الواجبات (عينيّها و كفائيّها، تعبّديّها و توصّليّها) لا إشكالَ فيه شرعاً. و مع ذلك، فالنصيحةُ الأخلاقيةُ منّا: ألا تفعلوا ذلك، و ألّا تجعلوا بيان الأحكام مشروطاً بالمال. و نحن نُشدّد في هذا الجانب أكثر من غيرنا.

تحليلُ الحاجةِ الماليّة للمبلِّغ و بيانُ شباهتها بمسألة المضطرّ و إنقاذ الغريق

من الناحية الشرعية، نرى أنّ أخذ الأجرة لا إشكال فيه؛ لأنّ المبلّغ بحاجةٍ إلى ما يعينه على المعيشة، فهو يقوم بوظيفته و يقرأ الروايات و يبيّن المسائل. و نحن نعتبر هذا قريباً من بحث «المضطرّ»: فكما قلنا إذا كنتَ وحدك تملك القمحَ في زمن الشدّة فإعطاؤه للمضطرّ واجبٌ عليك، لكن يجوز لك أخذُ ثمنه، و كذلك في بيان الأحكام: إذا كان الطرفُ المقابل قادراً ماليّاً، فيجوز له أن يعينَك في معيشتك. لكنّ الأفضل أخلاقياً أن لا يُطرح موضوع المال في بيان الأحكام و الروايات. فإن لم يكن للطرف قدرةٌ ماليّة وجب عليك بذلُ العلم مجاناً، و إن كان قادراً فلا بأس أن يدفع، بل و لو استدانَ لأجل ذلك فلا إشكال.

و هذه المسألة شبيهةٌ بإنقاذ الغريق: فإغاثته واجبةٌ، لكن لو قال المنقذ إنّ عمله يستغرق وقتاً و يريد أجرةً، فإن كان الغريقُ قادراً ماليّاً فعليه الدفع، و إن لم يكن قادراً فوظيفةُ المنقذ إنقاذُه على كلّ حال.

تعليمُ المستحبّات و العملُ في الفضاء المجازي

أمّا تعليمُ المستحبّات، كبيان ثواب دعاءٍ معيّن، فقد ذُكر أنّ أخذَ الأجرة عليه لا بأس به. و في زماننا، يوجد من يطلبون مبالغَ مقابل تعبير الأحلام، أو تعليم أدعيةٍ لزيادة الرزق أو دفع البلاء أو الشفاء، وهذا من الناحية الشرعية لا إشكال فيه.

دراسة حرمةِ أخذِ الأجرة على الإفتاء

المسألةُ الأخرى هي مسألةُ حرمةِ أخذِ الأجرة على الإفتاء؛ أي هل يجوز للمجتهد أن يقول: لا أُبيّن فتواي إلا إذا دُفع لي مبلغٌ ماليّ؟ بعضُ الأعلام، ككاشف الغطاء[8] و صاحب الجواهر[9] و السيّد اليزدي[10] (رحمهم الله) ذهبوا إلى حرمة أخذ الأجرة على بيان الفتوى. و قد استدلّ بعضُهم على هذه الحرمة بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾.[11]

لكنّ الآية في نظرنا لا تدلّ على الحرمة، بل غايتها الإشارة إلى رجحان ترك طلب الأجرة، كما أنّها خطابٌ خاصّ بالنبيّ صلى الله عليه وآله و الأولياء، و لا دليل على تعميمها للآخرين.

نقدُ الاستدلال بآيةِ النَّفْر و مبنى المحقّق الخوئي

و من الأدلة التي استُدلّ بها أيضاً «آيةُ النفر»؛ حيث تُفيد أنّ التفقّه و الإنذار و الحذر واجبات، و بما أنّ الأجرة على الواجب ـ على مبنى البعض ـ محرّمة، إذن تكون الأجرةُ على الإفتاء محرّمة.

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾[12] .

و لكنّنا نرى أوّلاً أنّ هذه واجباتٌ كفائية و توصلية و ليست تعبّديةً، و في الواجبات التوصلية لا يشترط قصدُ القربة (وإن كان حسناً)، و لا مانع فيها من أخذ الأجرة.

و قد فهمَ المحقّقُ الخوئي من الآية أنّ الإفتاء أمرٌ جعله الشرع مجّانياً، فحَكَمَ بحرمة الأجرة عليه، و قال:

«إنّ الظاهر من آيةِ النفر الآمرةِ بالتفقّه في الدين و إنذارِ القوم عند الرجوع إليهم أنّ الإفتاء أمرٌ مجانيّ في الشريعة المقدّسة، فيحرم أخذُ الأجرةِ عليه. و يؤيّده قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾[13] ».

لكنّ فتواه هذه تبدو متناقضةً مع مبناه الذي جوّز فيه أخذَ الأجرة حتى على الواجبات التعبّدية نفسها. و لذلك نرى أنّ فتواه أقربُ إلى التوصية الأخلاقية، و ليست حكماً شرعياً مستنداً إلى ملازمة الوجوب.

صلةُ الإفتاء بالأمرِ بالمعروف و النهيِ عن المنكر

ثمّة من يرى أنّ الإفتاء مقدّمةٌ للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر؛ إذ لا يمكن أمرُ الناس أو نهيُهم ما لم يعرفوا معروفاً و منكراً. و بما أنّ مقدّمة الواجب واجبة، فالإفتاء يصبح واجباً، و بالتالي يحرم أخذُ الأجرة عليه (وفقاً لمن يرى حرمة الأجرة على الواجب). لكنّ هذا الاستدلال عندنا غيرُ صحيح؛ لأنّ وجوبَ المقدّمة وجوبٌ توصّلي، و لا إشكال في أخذ الأجرة على الواجبات التوصلية.


logo