47/07/29
بسم الله الرحمن الرحیم
أصل التعاون في النظام الاجتماعي/ التكسب بالواجبات / المكاسب المحرّمة
الموضوع: المكاسب المحرّمة / التكسب بالواجبات / أصل التعاون في النظام الاجتماعي
مخلّص الجلسة السابقة: كان البحث حول «الواجبات النظاميّة» و أنّه هل يجوز أخذ الأجرة عليها أم لا؟ و قد طُرِح في ذلك رأيان: رأي آية الله سبحاني (دام ظلّه) و رأي آية الله مكارم (دام ظلّه).
التمييز بين أصلِ المهنة و التبرّعيّة فيها
يرتكز رأي آية الله سبحاني على أنّ الصناعات و الواجبات النظاميّة ليست واجبةً بذاتها، و إنّما وجوبها ناشئ من باب الاضطرار و بعنوانٍ ثانوي لإقامة النظام و تسيير شؤون حياة الناس. و الفرق بين الحكم الأوّلي و الحكم الثانوي أنّ الحكم الأوّلي (كالصلاة والصوم) دائم، أمّا الحكم الثانوي فيدوم بقدر بقاء الاضطرار أو الحرج أو الضرر.
«إنّ وجوب الصناعات المذكورة لم يثبت من حيث ذاتها و إنّما ثبت من حيث الأمر بإقامة النظام غير متوقّفة على العمل تبرّعاً بل يحصل به و بالعمل بالأجرة»[1] .
النقطة الأساسيّة في كلامه أنّ الاضطرار إنّما يتعلّق بـأصل وجود مهنٍ كالتطبيب و الخبّازة و الجزارة و الإطفاء، لسدّ حاجات المجتمع؛ لكن لا دليل على الاضطرار إلى كون هذه الخدمات «مجّانية» أو «تبرّعيّة». و بعبارة أخرى: وجود المخبز في المجتمع واجب، و لكن ليس واجباً أن يقدّم الخبّاز الخبز مجّاناً. و بناءً عليه، لعدم ثبوت وجوب التبرّع هنا، لا يواجه أخذ الأجرة إشكال «الأجرة على الواجب».
و مثال ذلك: إنقاذ الغريق أو إطفاء الحريق واجب، و لكن إذا كان الشخص المكلَّف أو المستفيد ذا قدرة مالية، فلا يلزم تقديم هذه الخدمات مجّاناً. فالاضطرار يتعلّق بأصل الإنقاذ، لا بمجانيّته. و بهذا الاستدلال يُخرِج سماحته هذا المجال كلّه من موضوع «حرمة أخذ الأجرة على الواجبات».
أصل التعاون في النظام الاجتماعي
يعالج آية الله المكارم الشيرازي هذه المسألة من زاوية مختلفة، مستنداً إلى الفطرة و بنية الحياة الاجتماعية للإنسان. فهو يرى أنّ الإنسان، بخلاف الحيوان، يسعى دائماً إلى التكامل و التقدّم و التنوّع في حياته. و هذه الروحية دفعت البشر منذ بداية الخلق نحو التبادل و التعاون و العمل المشترك. و قد نشأت التخصّصات المختلفة في المجتمع (كالطب و الهندسة و النجارة و غيرها) ليَنتفع الناس من قدرات بعضهم البعض.
«إنّ هذه الصناعات و العلوم ليست ممّا يحتفظ به النظام، بل الحافظ له هو التعاون في الحياة الاجتماعية. توضيحه، إنّ في طبيعة الإنسان غريزة الاجتماع و الظاهر أنّها ناشئة عن امور: منها كثرة حوائج الإنسان بالنسبة إلى غيره من الحيوانات. و منها ميله إلى التنوّع و شوقه إلى التكامل و الرقي في جميع الامور و ذلك ناشئ عن قوّة إدراكه و تنوّع أمياله و غرائزه و فطرياته، فلذا تتكثّر الصنائع و العلوم دائماً و تحتاج إلى التخصص في شتّى نواحيها، ثمّ يريد كلّ إنسان أن ينتفع بما في أيدي الآخرين و لا يمكن ذلك إلّا بالتعاون و أداء شيء ممّا يحسنه للوصول إلى ما يحسنه غيره، فالحافظ لنظام المجتمع هو هذا الأمر، لا مجرّد فعل هذه الصنائع، فعلى كلّ واحد الاشتغال ببعض ما يحتاج إليه المجتمع الإنساني، ثمّ بذل ما في يده في مقابل ما في أيدي الآخرين. فالصنائع بذاتها ليست واجبةً، بل بما إنّها من مصاديق التعاون الحافظ للنظام، فإذا كان الواجب هو التعاون كان أخذ الاجرة مأخوذا في مفهومه، فلا تندرج المسألة في مسألة أخذ الاجرة على الواجبات».[2]
یقول (حفظه الله) إنّ هذه الصناعات و المهن هي في حقيقتها مصاديق لـ«التعاون في حفظ النظام الأحسن». و لأنّ معنى التعاون (في باب التفاعل) يقوم على التبادل المتقابل، فإنّ مفهوم الأجرة و المكافأة كامنٌ فيه. فالتعاون يعني: أنا أساعدك، و أنت تساعدني في المقابل؛ و قد يكون هذا المقابل مالاً أو سلعةً أو خدمةً أخرى. و لو كان أحد الطرفين يعمل و لا يدفع الطرف الآخر شيئاً، لانتفى معنى «التعاون». و بناءً عليه، ما دامت هذه الواجبات قائمةً على التعاون و كانت الأجرة جزءاً من مفهوم التعاون نفسه، فإنّ المسألة لا تندرج أصلاً في باب «حرمة أخذ الأجرة على الواجبات».
التحدّيات المتبقّية في موارد الوجوب العيني و الضرورة القطعيّة
على الرغم من أنّ كلمات الأساتذة المذكورين تحلّ كثيراً من الإشكالات في أغلب الصناعات، إلّا أنّ باب البحث يبقى مفتوحاً في بعض الموارد الخاصّة. فمثلاً، إذا لم يوجد في منطقةٍ ما إلّا طبيبٌ واحد و كانت حياة مريضٍ في خطر، فإنّ ممارسة الطبّ بالنسبة إلى ذلك الطبيب تتحوّل إلى «واجب عيني». و في مثل هذه الحالة، إذا كان المريض غير قادرٍ ماليّاً، فلا يجوز للطبيب أن يشترط تقديم الخدمة بالمال.
إنّما الإشکال في الموارد التي تبلغ فيها الضرورة حدّاً يتحوّل معه الواجب الكفائي إلى واجب عيني؛ فهنا، حتّى مع توصيف المسألة بعنوان «التعاون» أو «الحكم الثانوي»، يبقى السؤال مطروحاً: هل يجوز للطبيب شرعاً أن يحدّد مبلغاً معيّناً بعنوان الأجرة أم لا؟ فإذا قيل بعدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات، فإنّ تحديد المبلغ في موارد الضرورة القطعيّة يواجه إشكالاً.
الدراسة الفقهيّة حول أخذ الأجرة على تعليم القرآن
مسألةٌ أخرى تُطرح و هي أخذ الأجرة على تعليم القرآن. فإذا أقام شخصٌ صفّاً لتعليم القرآن و تلقّى في مقابله مالاً، فهل يجوز ذلك أم لا؟ في هذا الشأن توجد أقوال مختلفة بين الفقهاء؛ فبعضهم حكم بالحرمة، و بعضهم بالكراهة، و بعضهم بالجواز. بل إنّ مسألة تلقّي الهديّة (من دون تحديد أجرة مسبقة) قد أُثيرت حولها أيضاً بحوثٌ مفصّلة. و تبدو الروايات الواردة في هذا الباب متعارضةً؛ فبعضها ينهى عن هذا العمل، و بعضها الآخر يشجّع عليه و يؤكّد ضرورة دعم معلّمي القرآن ماديّاً. و سيجري البحث الدقيق في هذه الروايات في الجلسات القادمة.