47/07/28
بسم الله الرحمن الرحیم
الأجرة علی الواجبات العينيّة التعيينيّة/التکسّب بالواجبات /المکاسب المحرّمة
الموضوع: المکاسب المحرّمة/التکسّب بالواجبات /الأجرة علی الواجبات العينيّة التعيينيّة
خلاصة الجلسة الماضية: کان النقاش في الفقه حول الواجبات النظاميّة و ذکرنا رأي الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) و الانتقاداتِ التي قد أوردت علی هذا الرأي.
قال الشيخ الأنصاري (رحمهالله): «التحقيق أنّ الواجب إذا كان عينيا تعينيا لم يجز أخذ الأجرة عليه و لو كان من الصناعات فلا يجوز للطبيب أخذ الأجرة على بيان الدواء أو بعد تشخيص الدواء و أما أخذ الوصي الأجرة على تولي أموال الطفل الموصى عليه الشامل بإطلاقه لصورة تعين العمل عليه فهو من جهة الإجماع و النصوص المستفيضة على أن له أن يأخذ شيئا و إنما وقع الخلاف في تعيينه فذهب جماعة إلى أن له أجرة المثل حملا للأخبار على ذلك و لأنه إذا فرض احترام عمله بالنص و الإجماع فلا بد من كون العوض أجرة المثل. و بالجملة فملاحظة النصوص و الفتاوى في تلك المسألة ترشد إلى خروجها عما نحن فيه و أما باذل المال للمضطر- فهو إنما يرجع بعوض المبذول لا بأجرة البذل- فلا يرد نقضا في المسألة و أما رجوع الأم المرضعة بعض إرضاع اللبأ مع وجوبه عليها بناء على توقف حياة الولد عليه فهو إما من قبيل بذل المال للمضطر و إما من قبيل رجوع الوصي بأجرة المثل من جهة عموم الآية ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾[1] فافهم و إن كان كفائيا جاز الاستيجار عليه فيسقط الواجب بفعل المستأجر عليه عنه و عن غيره و إن لم يحصل الامتثال. و من هذا الباب أخذ الطبيب الأجرة على حضوره عند المريض إذا تعين عليه علاجه فإن العلاج و إن كان معينا عليه إلا أن الجمع بينه و بين المريض مقدمة للعلاج واجب كفائي بينه و بين أولياء المريض فحضوره أداء للواجب الكفائي كإحضار الأولياء إلا أنه لا بأس بأخذ الأجرة عليه.
نعم يستثنى من الواجب الكفائي ما علم من دليله صيرورة ذلك العمل حقا للغير يستحقه من المكلّف كما قد يدعى أن الظاهر من أدلة وجوب تجهيز الميت أن للميت حقا على الأحياء في التجهيز فكل من فعل شيئا منه في الخارج فقد أدى حق الميت فلا يجوز أخذ الأجرة عليه و كذا تعليم الجاهل أحكام عباداته الواجبة عليه و ما يحتاج إليه كصيغة النكاح و نحوها لكن تعيين هذا يحتاج إلى لطف قريحة.[2]
الواجبات النظاميّة و الرجوع إلی الطبيب
أشار الشيخ الأنصاري (رحمه الله) إلی مثال الرجوع إلی الطبيب. إذا مرض شخص، لزم عليه الرجوع إلی الطبيب، هنا یُطرح سؤال و هو: هل یجوز للطبيب أن یأخذ أجرةً في مقابل الوصفة التي قد أعطاها؟
قد رأی الشيخ الأعظم أنّ الطبيب لا یجوز له أخذ الأجرة للطبابة و لکن یجوز له أن یتطلّب أجرةً في مقابل الحضور عند المریض.
إشکال علی هذ المرأی
قد ذکر بعض محشّي المکاسب، أنّ المريض إذا صار سيّء الحال بحیث لا یقدر علی الحضور عند الطبيب، یجب علی الطبيب الحضور عنده. هل یجوز للطبيب حینئذٍ أخذ الأجرة أم لا؟ استدلّوا بأنّ الطبيب إن کان منحصراً في هذا الشخص فإنّ حضوره عند المريض واجب عیني و إلّا فحضوره واجب کفائي. بناءً علی هذا: مجيء الطبيب و الطبابة -في صورة الانحصار و عدمه- کلاهما واجبان علیه و لا یجوز له أخذ الأجرة مقابل هذا العمل.
إنّ مقتضى ذلك عدم جواز أخذ الاجرة اذا لا يمكن نقل المريض إليه و تعيّن الجمع أيضاً بحضوره و هو خلاف اطلاق كلماتهم في الجواز و ان تعيّن عليه.[3]
أجرة إرضاع الطفل
المبحث الآخر الذي تناولَه الشيخ الأنصاري (رحمه الله) يتعلّق بأجرة إرضاع الأم لولدها. جاء في القرآن: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾[4] و هذه الآية تشير إلى مسألة أجرة الإرضاع. قال الشيخ الأنصاري (رحمه الله) إنّه بما أنّ الإرضاع واجب، فلا يمكن للأم أن تطلب أجراً عن الإرضاع، لكن لها أن تأخذ مالاً مقابل المبذول (اللبن)، كأنّ الخبّاز يجب أن يزوّد الناس بالخبز و إلا يموتون من الجوع، و مع ذلك يمكنه أن يأخذ ثمن الخبز.
إشکال علی هذا المرأی
قال بعض المحشّين في «المکاسب» إنّ هذا الاستدلال يتعارض مع ظاهر الآية. و هم يعتقدون أنّ الأجرة يجب أن تُنسب إلى فعل الإرضاع و إلى لبن الطفل نفسه.
منع العموم و انصراف الأجور إلى أجرة العمل و هو نفس الإرضاع، لا عوض المبذول من اللبان و اللبن، حتّى يكون من قبيل بذل المال للمضطرّ في كون المرجوع عوض المبذول لا أجرة البذل.[5]
مرأی المحقّق الإيرواني
يعتقد المحقّق الإيرواني أنّ الأجرة تجوز على الواجبات النظامية، و أنّ هذا الأمر راجع إلى الإجماع و النصوص الشرعيّة. بحسب رأيه، فإعطاء الأجرة للطبيب أو للأم مقابل الإرضاع أمر عرفي لا تعبدي؛ و لذا فلا حاجة لتبريرات الشيخ الأنصاري (رحمه الله).
نفس هذا الإجماع و النّصوص تكون كاشفة عن معقوليّة أخذ الأجرة على الواجبات و عدم كون أكل العوض بإزاء الواجب أكلا بالباطل إلّا أن يكون المال في مورد الإجماع و النصوص لا بعنوان العوض بل تعبّدا و لو بداعي الإتيان بالواجب لكنّه خلاف حملهم له على أجرة المثل و الّذي يهوّن الخطب أنّ العمل بأجرة من اللّه تعالى و لو ثابت في مال العبد خارج عن كليّة المنع عن أخذ الأجرة على الواجبات فإنّ حال هذه الأجرة الدنيويّة كحال الأجر الأخروي.[6]
فرق بين الواجب العيني و الواجب الكفائي:
يشير المحقّق الإيرواني إلى أنّه لا فرق بين الواجب العيني و الواجب الكفائي في هذا المجال، و في كلتا الحالتين يجب أن يتقاضى الطبيب و سائر المتخصصين أجورهم. و إذا كان الوجوب ينافي مع أخذ الأجرة، ففي جميع الأحوال لا يمكن أخذ الأجرة.
عدم الفرق بين الكفائي و العينيّ في اقتضاء برهان المنع المنع إذا كان الاستيجار على متن الواجب بل و كذا إذا كان الاستيجار على خصوصيّة من خصوصياته كالبدار إذا كان الواجب عباديا بناء على منافاة أخذ الأجرة لنيّة القربة فإنّ أخذ الأجرة على نفس الواجب كما ينافيها كذلك أخذها على خصوصيّة من خصوصياته ينافيها و يرفع قصد التقرب عن الطّبيعة.[7]
على سبيل المثال، إذا طلب الأب من ابنه أن يصلي الصلاة في وقتها و دفع له مالاً مقابل ذلك، فالأجرة هنا لا تُعطى لغرض أداء الواجب (الصلاة)، بل لتشجيعه على أداء العمل بصورة أفضل. و هنا أيضاً إن قُلنا إنّ الأجرة تنافي مع قصد القربة، فالتنافي موجود في كلتا الحالتين (الصلاة في وقتها و الصلاة المتأخرة).
مرأی الإمام الخميني (رحمه الله)
إنّ الإمام الخميني (قدس سره) تناول هذا الموضوع أيضاً و ذکر أنّ تبرير الشيخ الأنصاري (رحمه الله) بشأن المال الذي يُعطى للطبيب غير صحيح فالأجر ليس لمجرّد مجيء الطبيب فحسب، بل للخدمات التي يقدّمها. يُدفع أجر للطبابة و أجر آخر للمجيء.
إنّ ما ذكره ليس حلّاً للإشكال الذي وقعنا فيه من أنّ الشهرة و السيرة على جوازه في الواجبات النظاميّة مطلقاً من غير تفصيل بين التعيّن بالعرض و غيره، ضرورة أنّ بناء العرف من المتشرعة و غيرهم على أخذ الأجرة و إعطائها بإزاء الطبابة و العلاج لا على محض الحضور. نعم مع حضوره عند المريض يتزايد الأجر.[8]
في كثير من المدن و المناطق، لا يكفي وجود طبيب واحد أو مخبز أو جزّار، و في هذه الحالات يصبح واجباً عيناً. لذلك، في مثل هذه الحالات يصبح دفع الأجر مقابل الخدمات المقدَّمة ضروريّاً؛ كما أنّ الإمام الخميني (رحمه الله) لا يقبل رأي الشيخ الأنصاري (رحمه الله) بشأن الفرق بين البذل و المبذول:
«مضافاً إلى أنّ المضطرّ ربّما يضطرّ إلى عمل من الغير و لا أظنّ بالتزامهم على عدم جواز أخذ الأجر معه- أنّ مقتضى دليله و هو أنّ جواز الاستيفاء قهرا و على رغمه يوجب سلب احترام عمله، مسلوبيّة احترام مال يقهر المالك على إتلافه، بل قد يكون الإلجاء و الاضطرار مؤديا إلى أن يكون المالك مباشرا لإتلافه كما لو اضطرّ إلى طلي دواء لا يتمكّن منه إلّا مالكه فيلزم و يقهر على الطلي و الإتلاف و لا أظنّ بأحد الالتزام بالمجانيّة».[9]
هذه المرأة مالكةٌ للبن و مالكةٌ لعملِها أيضاً. في بعض الحالات لا يصفُ الطبيبُ دواءً بل يقومُ بعملٍ طبيٍّ مثل جبرِ الكسرِ. و يقدّرُ الناسُ هذا العملَ و يدفعون أجرةً مقابله.
ولاية الوصي على الأموال
الوصي هو المتولّي على أموالِ الطفلِ اليتيمِ. يتقاضى أجرةً للأعمالِ التي يقومُ بها؛ و على الرغمِ من أنّها واجبةٌ عليه إلّا أنّ أخذَ الأجرةِ لا إشکال فيه. يؤكدُ آيةُ اللهِ السبحاني على أنّ دفعَ الأجرةِ مقابل هذهِ الخدماتِ لا مشكلةَ فيه.
إنّ الظاهر رجوع الوصي من باب المعاوضة، أي يأخذ الأُجرة عوضاً عمّا قام به من الأُمور، لا من باب الحكم الشرعي و أنّه يجوز الأخذ من دون قصد المعاوضة و إن أخذه من باب المعاوضة فيعود الإشكال و لا يتم الجواب و مثله رجوع الأُم، فانّ ظاهر الآية كونه عوضاً.[10]
قد أشير إلی هذا الموضوع في القرآن الکريم.
الاستنتاج
في الختام: يمكن القول بإنّ دفع الأجر مقابل الواجبات النظاميّة لا إشکال فيه، بل هو ضروري لاستمرار و تحسين النظام الاجتماعي. لذلك، يبدو أنّ المبرّرات المقدَّمة في هذا الشأن بحاجة إلى إعادة نظر، و أنّه ينبغي إيلاء مزيدٍ من الاهتمام لأصل المسألة. و بالنظر إلى المناقشات المطروحة، يبدو أنّ دفع الأجر مقابل الواجبات النظاميّة، سواءً في الواجب العيني أو في الواجب الكفائي، جائز، بل و في بعض الحالات ضروري أيضاً.