« قائمة الدروس
بحث الفقه الأستاذ محسن الفقیهی

47/07/21

بسم الله الرحمن الرحیم

مرأی حرمة أخذ الأجرة علی الواجبات النظاميّة/التکسّب بالواجبات /المکاسب المحرّمة

 

الموضوع: المکاسب المحرّمة/التکسّب بالواجبات /مرأی حرمة أخذ الأجرة علی الواجبات النظاميّة

 

خلاصة الجلسة السابقة: كان النقاش في درس الخارج في الفقه حول إحدى المسائل التطبيقيّة في فقه النظام الإسلامي. و السؤال المحوري هو: هل يجوز أخذ الأجرة و المكافأة الماليّة في مقابل أداء الواجبات النظاميّة أم لا؟

و المقصود بالواجبات النظاميّة هي التكاليف الشرعيّة التي يُعدّ القيام بها ضروريّاً لحفظ قوام المجتمع الإسلامي و انتظامه، كالخدمات العلاجيّة، و تأمين الغذاء و المسكن و الأمن و الدفاع و سائر الشؤون التحتيّة. و إنّ ترك العمل بهذه الواجبات يؤدّي إلى اختلال النظام و حدوث الانهيار الاجتماعي.

وجهة نظر التفريق بين الواجب الكفائي و العيني

جواز أخذ الأجرة على كل ما كان وجوبه نظاميّاً و عدم جوازه في كلّما كان واجباً عينيّاً غير نظامي أو كفائيّاً لم يثبت قابليّته للاستنابة و جوازه فيما ثبت قبوله للاستنابة.[1]

بحسب هذا الرأي، ما دام الوجوب كفائيّاً و لم يبلغ مرحلة الوجوب العيني، يجوز أخذ الأجرة في مقابله. و توضيح ذلك أنّه إذا لم يكن القيام بعملٍ ما واجباً على جميع المكلّفين، بل يكفي قيام بعضهم به لسقوط التكليف عن الآخرين، عُدَّ ذلك العمل واجباً كفائيّاً. و في هذه المرحلة يجوز للشخص أن يستأجر غيره للقيام بذلك العمل نيابةً عنه مقابل أجرة.

و في مسألة الجهاد، حيث يكون الوجوب في بدايته كفائيّاً، إذا بادر جماعةٌ إلى الخروج طوعاً سقط التكليف عن غيرهم. و في هذه الحالة يجوز لمن له قدرةٌ ماليّة أن يدفع مبلغاً لشخصٍ آخر ليستأجره للحضور في ساحة القتال. و يُعدّ هذا جائزاً ما دام الوجوب كفائيّاً. أمّا إذا تغيّرت الظروف و أصبح الوجوب عينيّاً، كما إذا هجم العدوّ على منطقةٍ معيّنة فصار الدفاع واجباً على كلّ فردٍ بعينه، ففي هذه المرحلة لا يجوز أخذ الأجرة في مقابل أداء التكليف، لأنّ الواجب يصبح شخصيّاً و غير قابلٍ للنيابة.

كلّ ما كان من الواجبات الكفائيّة إنّما يجوز الاستئجار عليه عند عدم وجوبه بحال، فإن وجب لم يجز كائناً ما كان. لكن قد جوّز الأصحاب الاستئجار للجهاد مع عدم تعيين المؤجر و المستأجر له و ذلك يشمل ما إذا وجب كفايةً. و يمكن حمله على ما إذا علم أو ظنّ قيام من فيه كفاية، أو كان المؤجر ممّن لا تجب عليه أصلاً.[2]

 

رأي المنع المطلق من أخذ الأُجرة إلا فيما قام دليلٌ خاص

يمكن أن يقال: بعضها خارج بنصّ أو إجماع، فكلّ ما دلّ عليه أحدهما يخرج و يبقى الباقي تحت التّحريم.[3]

في المقابل، يعتقد بعض الفقهاء أنّ كلَّ أخذٍ للأُجرة في مقابل أداء الواجب ـ سواء كان كفائيّاً أم عينيّاً ـ غيرُ جائزٍ في الأصل، إلّا إذا قام نصٌّ شرعيٌّ صريح أو إجماعٌ مُسلَّم على جوازه.

دليل هذا الفريق: دعوى منافاة الوجوب للأُجرة؛ إذ يستدلّون بأنّ العمل إذا وجب تكليفاً شرعيّاً، فإنّ نفس الوجوب يقتضي ضرورة الإتيان به، و أخذ المال في مقابل أداء الوظيفة ينافي روح التكليف و الإخلاص في العمل. و بعبارةٍ أخرى: إذا كان العمل واجباً، وجب أداؤه مجاناً.

إشكال هذا الرأي: إنّ قبول هذه القاعدة على نحوٍ عامٍّ و مطلق يجعلها غيرَ قابلةٍ للتخصيص؛ أي لا يمكن القول بجواز الأُجرة في بعض الواجبات دون بعضٍ آخر إلا بدليلٍ معتبر. فمثلًا: أكلُ المال بالباطل حرام، و لا يصحّ تخصيصه بإنّ بعض مصاديق أكل المال بالباطل جائز. و يُعبَّر عن هذه الحالة بأنّ العامَّ آبٍ عن التخصيص.

فإذا سُلِّم بأنّ الوجوب ينافي الأُجرة، لزم أن تجري هذه المنافاة على جميع أنواع الواجبات -عباديةً كانت أم نظاميةً أم اجتماعيّةً- على حدٍّ سواء. و عليه، لا يحقّ لأحدٍ أخذُ الأُجرة لا في الجهاد فحسب، بل و لا في الصلاة و الصوم و تكفين الميت و دفنه و الأمر بالمعروف و غير ذلك.

غير أنّ الواقع الفقهيّ و الاجتماعيّ يدلّ على أنّ أخذ الأُجرة في موارد كثيرة - كالطبابة والقضاء و التعليم و بناء المساكن- جائز، بل ضروريٌّ أيضًا. و بذلك تتعارض القاعدة المذكورة مع السيرة العقلائيّة و متطلّبات الحياة الاجتماعيّة.

الآثار العملية لعدم جواز الأُجرة

إذا مُنِع أخذُ الأُجرة في مقابل الواجبات النظاميّة، ترتّبت على ذلك نتائجُ مدمّرة، منها:

     لا يَحِقّ للأطباء أخذُ أجرة على العلاج؛

     يجب على الخبّازين توزيعُ الخبز مجّاناً؛

     ينبغي للمعمارين و المهندسين بناءُ المساكن بلا مقابل؛

     يتعيّن على القضاة الفصلُ في الخصومات بلا أجرٍ و لا منّة.

تؤدّي هذه الحالة إلى انهيارٍ اقتصاديّ و تعطيلِ الخدمات الضروريّة و السخط العام بین الناس و هو ما يُعَدّ مصداقاً واضحاً لـ«اختلال النظام».

دور مصلحة النظام في تبيين الحكم

من منظور الفقه الحكومي، يُعَدّ حفظُ النظام الإسلامي واجباً مقدَّماً. و بناءً على ذلك، فإنّ كلَّ حكمٍ يؤدّي إلى اختلال النظام يكون قابلاً للتعديل و إعادة النظر. و في هذا الإطار، يُبرَّر جوازُ أخذ الأُجرة على الواجبات النظاميّة بوصفه ضرورةً اجتماعيّةً. و بعبارةٍ أخرى، لا يريد الشارع المقدّس أن يُوقِع حياةَ الناس في الاضطراب بفرض تكاليف غير عمليّة.

الجواب عن شبهة المنافاة

يمكن تبيين عدم منافاة الوجوب للأُجرة في الموارد الآتية:

•وجود غرضٍ عقلائي: إذا كان أخذ الأُجرة بقصد التشجيع على التكليف، أو جبر المشقّة، أو تأمين المعيشة، فلا منافاة له مع روح التكليف.

•التمييز بين قصد القُربة و أخذ الأُجرة: كما في الصلاة الاستئجاريّة، حيث يجمع المكلَّف بين أخذ الأُجرة و قصد القُربة، كذلك في الواجبات النظاميّة يمكن الجمع بين الأمرين.

•التفريق بين الوجوب التعبّدي و النظامي: فبعض الواجبات تعبّديٌّ محض (كالصلاة)، و بعضها نظاميٌّ و اجتماعيّ (كالدفاع). و في القسم الثاني يُحكَم بجواز أخذ الأُجرة مراعاةً للمصلحة العامّة.

إنّ إهمال معيشة الناس و تحميل التفسيرات الفقهيّة الجامدة التي لا تنسجم مع واقع المجتمع، قد يؤدّي إلى سخطٍ عام،و إضعافِ التماسك الوطني و استغلالِ الأعداء لذلك. و من ثمّ، ينبغي على القائمين على شؤون الدولة و فقهاء النظام أن يُطَبِّقوا الأحكام الشرعيّة بحكمةٍ و مرونةٍ بما يحفظ الرضا العامّ و اقتدار النظام.

لقد أدّى التماسك الوطني في الحرب الذي استمرّ اثني عشر يوماً، إلى حفظ النظام. و ينبغي صونُ هذا التماسك، و إلّا وقع اختلالُ النظام. و اختلالُ النظام يفضي إلى الفساد و الاضطراب. لذلك لا يجوز التباطؤ في إصلاح النظام الاقتصادي؛ لأنّ السخطَ الاقتصاديّ يفتح الباب أمام استغلال بعض الأطراف له. و على الدولة أن تعتني بشؤون الناس و تحافظ على رضاهم.

 


logo