« قائمة الدروس
بحث الفقه الأستاذ محسن الفقیهی

47/06/29

بسم الله الرحمن الرحیم

تأثیر عمل النائب/التکسّب بالواجبات /المکاسب المحرّمة

 

الموضوع: المکاسب المحرّمة/التکسّب بالواجبات /تأثیر عمل النائب

خلاصه جلسه گذشته:

ملخّص الجلسة السابقة: كان النقاش في مسألة النيابة في العبادات، خاصّةً النيابة في العبادات البدنيّة كالصلـاة و الصيام و الحج، و ذلك بالنسبة إلى المنوب عنه الذي توفّي. و قد ذهب المحقّق الخوئي (رحمه‌الله) في هذا الباب إلى قبول أصل النيابة لثبوتها في الروايات، لكنّه أكّد أنّ التبريرات العقليّة و الأصوليّة التي قُدِّمت لبيان تأثير عمل النائب ليست مقنعةً و لا منسجمةً مع الضوابط العلميّة.

الإشكال الأساسي على تفسير تأثير عمل النائب

يقول رحمه الله: «إنّ الأوامر المتوجّهة إلى شخص غريبة عن شخص آخر و عليه فلا معنى لسقوطها عن المنوب عنه بامتثال النائب كما أنّه لا معنى لاعتبار قصد التقرّب في الأمر المتوجّه إلى النائب بلحاظ اعتباره في الأمر المتوجه الى المنوب عنه. و التوجيه المذكور أشبه شي‌ء بدعوى سقوط الأمر بالصوم بامتثال الأمر المتعلّق بالصلاة و أشبه شي‌ء أيضاً بدعوى اعتبار قصد التقرّب في الأمر بغسل الثوب بلحاظ الأمر العبادي المتعلق بالحج[1]

إنَّ قيامَ شخصٍ بعملٍ عباديٍّ بحيث يُحدِث ذلك العملُ أثراً شرعيّاً و أخرويّاً في شخصٍ آخر- ربّما كان ذاك طَوالَ حياتِه غارقاً في الفسق و الفجور- ـ أمرٌ لا ينسجم مع القواعد العلميّة و الأصوليّة المتعارفة.

فإذا كان المرء قد قضى عمرَه في المعاصي و تركِ الصلاة و الصيام و الخُمس و ارتكابِ أنواع الذنوب، فكيف يمكن أن تؤثّر الأعمالُ العباديّة التي يقوم بها أولادُه أو غيرُهم بعد وفاته في حالِه الأخرويّ؟ إنّ هذه المسألة، مع غضّ النظر عن الدلیل النقلي، لا تتّفق مع منطق الضوابط الأوّليّة للثواب و العقاب.

و قد أكّد المحقّق الخوئي (رحمه الله) أنّ تسرّي الثواب من الفاعل إلى غيره أمرٌ على خلاف الأصل و يحتاج إلى دليلٍ خاصّ، و أنّ كونَ العمل مخلصاً فيُهدى ثوابُه إلى شخصٍ آخر لا يمكن إثباتُه بلا نصّ.

و المثالُ الواضح في هذا الباب: أن يُعطَى أحمدُ دواءً فيُشفى محمود، فهذا أمرٌ غيرُ معقول؛ فالأثرُ الطبيعيّ للعمل الصالح للفاعل إنّما يعود عليه بنفسه، و أمّا انتقالُه إلى غيره فموقوفٌ على دليلٍ شرعيٍّ خاصّ.

و مع ذلك، لمـّا كان الدليلُ النقليّ المعتبرُ ثابتاً، و قد أمضى الإمامُ المعصومُ (عليه السلام) أصلَ النيابة، فإنّنا نقبل بها تعبّداً لا إقناعاً عقليّاً. و بناءً على ذلك، فإنّ قبول النيابة إنّما هو اتّباعٌ للدليل، لا ثمرةٌ لتبريراتٍ نظريّة؛ فإن كان الشيء ثابتاً على أساس الضوابط، جاز تعميمُه إلى سائر الموارد، أمّا إذا لم يكن مستنداً إليها، وجبَ الاقتصارُ على مورد النصّ.

إشكال فقدان أمر شرعي بعد الموت

النقطة الأساسية الأخرى هي أنّه بموت الإنسان يرتفع عنه الأمر الشرعي،

«أنا لو سلمنا صحة ذلك و لكنه إنما يجري في النيابة عن الاحياء، فان الأوامر المتوجهة إلى الأموات في حياتهم قد انقطعت بالموت. فلا يبقى هنا أمر لكي يقصد النائب في امتثال العمل المنوب فيه و يأتي به بقصد التقرب و الإخلاص و هذا لا ينافي اشتغال ذمة الميت بالعبادات الفائتة».[2]
فالأمر متوجّه إلى الأحياء، أمّا من فارق الحياة فليس له قدرة و لا تكليف و لا أمر يمكن امتثاله.

و في شأن الشخص الحيّ الذي يعجز عن أداء الحجّ أو الصلاة يمكن القول بوجود أمر متعلّق به و إن لم يكن قادراً على الامتثال، و مِن ثَمّ تُتصوّر النيابة عنه. أمّا في حقّ الميّت، فلا أمر أصلاً ليؤدّي النائب العبادة بنيّة امتثاله.

و أصل «اقضِ ما فات كما فات» ناظرة إلى المكلَّف الحيّ لا إلى الميّت، و أداء القضاء عنه يحتاج إلى دليل مستقلّ، إذ لا يوافق القاعدة من دون دليل خاصّ.

إشکال نیّة الأمر في النیابة

لا بُدّ لصحّة العبادة من أمر تعبّدي يقع قصد الامتثال له.

ففي النيابة عن الميّت، بأيّ أمر يقصد النائب عمله؟

إنّ أمر المنوب عنه غير موجود، لأنّه قد تُوفّي، و أمّا أمر الإجارة فهو أمر توصّلي لا تعبّدي، و مع الأمر التوصّلي لا يتحقّق قصد القُربة. فبأيّ أمر يؤدّي النائب الصلاة أو الصيام أو الحجّ بنيّة القُربة؟

و لا سبيل إلى تصحيح ذلك إلّا بالاعتماد على أمر استحبابي أو وجوبي من الشارع بأصل النيابة، فإن وُجد مثل هذا الدليل كانت نيّة النائب متعلّقةً بذلك الأمر الشرعيّ، و إلّا فلا أمر أصلاً يتعلّق به القصد.

«أنّا لو أغمضنا عن ذلك أيضاً و لكنّه إنما يتمّ مع توجّه الأمر إلى المنوب عنه مع أنّا نرى بالعيان و نشاهد بالوجدان صحّة النيابة عنه حتّى فيما لم يتوجّه إليه أمر أصلاً، كنيابة أشخاص غير محصورين عن الميّت أو عن غيره في جهات مستحبة، كالطواف و نحوه، بداهة انتفاء الأمر حینئذٍ عن المنوب عنه، فإنّ توجّهه عليه مشروط بالقدرة و واضح أنّ المنوب عنه لا يقدر على الإتيان بأمور غير محصورة و كذلك تجوز النيابة في الحجّ عمّن لا يقدر عليه، مع أنّه لا أمر حينئذٍ للمنوب عنه أصلاً».[3]

نیّة تقرّب الأجیر بالنسبة للمنوب عنه

الأجیر یؤدّی عملاً بقصد القربة، بإخلاص و لله؛ و هذا القصد للقربة یرجع إلی الفاعل نفسه. فکیف ینتقل هذا التقرّب إلی شخص لم یکن في زمان حیاته أهلاً للعبادة و لا تکون له إرادة علی أدائها؟

إن کان المنوب عنه فرداً صالحاً و لکنّه لم یکن لدیه القدرة أداء العبادة لعجزه، فهذا الأمر یکون مفهوماً إلی حدّ ما. أمّا فی فرض الشخص الفاسق و الفاجر، الذی لم یکن له أدنی نسبة بالعبادة، فإنّ انتقال آثارها العبادیّة إلیه یفتقر إلی توجیه قاعديّ.

إن لم یکن عندنا روایة، لما استطعنا أبداً أن نقبل بأنّ «مائة سنة من الصلاة» أو «مائة شهر من الصیام» یؤثّر لشخص كهذا بأداء الآخرین. و قبول هذه المسئلة یعتمد صرفاً علی الروایة، لا علی مبدأ علمي مستقل.

نظریّّة کفایة أمر الإجارة

ینقل المرحوم المیرزا النائیني (رحمه‌الله) أنّ أمر الإجارة یکفي. و بناءً علیه، یکون متعلّق الإجارة تارةً توصّلیاً (كخیاطة الثیاب) و أُخری تعبّدیاً (كالصلاة الاستیجاریة). ففی الموارد التعبّدیة، یؤدّی الأجیر القربة بنفس أمر الإجارة. [4]

و لكنّ الإشكال فی هذه النظریّة هو أنّ أمر الإجارة نفسه توصّلي، و توصّلیّته لا تتوافق مع لزوم قصد القربة فی العبادات. و من هنا، فإنّ أمر الإجارة وحده لا یمکن أن یکون منشأً لصحّة العبادة النیابیّة.

إستدلال بـ «تجارةً عن تراض» بدل «أوفوا بالعقود»

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي (رحمه‌الله) یستمرّ فی کلامه، و بدلاً من الترکیز علی «أوفوا بالعقود»، یشیر إلی آیة «تجارةً عن تراض»، حیث قال: «إنّ دليل صحة الإجارة لا ينحصر بآية الوفاء بالعقد لكي يلزم من عدم شمولها للمقام بقاؤه خاليا عن دليل الصحة، بل في آية التجارة عن تراض غنى و كفاية».[5]
مبنی هذه الآیة هو توافق الطرفین و تراضيهما. إن وافق الطرفان علی أن یؤدّی عملٌ عبادیٌّ بقصد القربة و بشروط خاصّة، فإنّ هذا التوافق یمکن أن یکون منشأً للإلزام. فی هذه الحالة، یمکن للتوافق علی أداء العمل العبادی بإخلاص أن یُمهّد أرضیّة التعبّد؛ و إن یکن المبدأ النهایی محتاجاً إلی إمضاء الشارع.

تأیید النیابة بواسطة الروایات

توجد روایات متعدّدة قد أیّد فیها الإمام المعصوم النیابة فی الحجّ و سائر العبادات، بل و بيّن کیفیتها فی الأداء. و قد صرّح فی بعض الروایات بأنّ الثواب یصل إلی المنوب عنه، وأنّ سهماً قد خُصّص أیضاً للنائب.

هذه الروایات تحلّ عُقدة جمیع الإشکالات المتقدّمة. فبدون الروایة، تبقی هذه الإشکالات قائمةً؛ و لكن بالروایة، تقبل المسألة تعبّداً.

شرط الإخلاص و دور الریاء

مع ذلك، یُشترط فی النیابة أیضاً قصد القربة و الإخلاص.

الریاء، كما أنّه مُبطلٌ فی العبادات الشخصیّة، یکون مُبطلاً أیضاً فی العبادات النیابیة. إنّ ظاهر أداء العمل لیس کافیاً؛ بل إنّ الصحة الفعلیة موقوفة علی النیة الصحیحة، و إن لم یکن تمییزها في أیدینا.


logo