« قائمة الدروس
بحث الفقه الأستاذ محسن الفقیهی

47/06/24

بسم الله الرحمن الرحیم

طولیّة أغراض الدنیویّة و الأخرویّة/التکسّب بالواجبات /المکاسب المحرّمة

 

الموضوع: المکاسب المحرّمة/التکسّب بالواجبات /طولیّة أغراض الدنیویّة و الأخرویّة

مرأي المیرزا الشیرازي (رحمه‌الله): طولیّة الأغراض

یجري نقاشنا الفقهي حول الأجرة علی الواجبات و النیابة فیها، ناظراً إلی تبیین مرأی المیرزا الشیرازي (قدّس سره) في کیفیّة تحقّق قصد النیابة و نسبتها إلی الأغراض الدنیویّة. المسألة الأساسیّة هو: هل ینافي وجود الدواعي الدنیویّة – کالأجرة، رفع المشاکل أو تأمین الحوائج المادیّة- قصدَ القربة في العبادات النیابیّة أم لا؟

«لأنّ النّيابة في العمل تنزيل النّائب نفسه منزلة المنوب في إتيان الفعل المتقرّب به فكأنّ المنوب عنه فعل الفعل المتقرّب به فيثبت له الأجر بذلك كما كان يثبت لنفس النّائب لو لا النّيابة و حاصله أنّه يفعل الفعل بداعي وصول ثوابه إلى غيره و لا ينافي ذلك الإخلاص المعتبر في العبادة فإنّ قصد حصول الثّواب منه تعالى لغيره نظير قصده لنفسه من حيث انّه راجع الى قصد طلب الثّواب و استدعائه منه و هو مطلوب له و غير مناف للإخلاص بالمعنى الّذي ذكرناه بل لو قصد بفعله حصول الفوائد الدّنيويّة لعافية أخيه من المرض و أداء ديون أبيه و نحوهما من الأغراض الدّنيويّة للغير لم يكن منافياً للإخلاص إذ ليس ذلك الّا نظير قصد تلك الفوائد الدّنيويّة لنفسه في عدم المنافاة مع الإخلاص».[1]

یری المیرزا الشیرازي (رحمه‌الله) أنّ الأغراض الدنیویّة و المعنویّة یکون بعضها في طول البعض لا في عرضه. بعبارة أخری: هذان الداعیان لیسا متزاحمین و متقابلین، بل یمکن لبعضها أن یتحقّق في طول الآخر؛ فلذا لا یکون الغرض الدنیوي مانعاً عن قصد القربة و الإخلاص.

قد أشار (رحمه‌الله) لتوضیح هذا المعنی، إلی السیرة المتعارف بین المتدیّنین. المرء الذي یصلّي صلاة اللیل، لا یکون له داعٍ واحد عادةً. و لکن علی کلّ حال یطلب القرب من الله، مع أنّه یمکن أن تکون له أغراض دنیویّة متعدّدة؛ نحو:

     اداء الدیون،

     طلب الشِفاء لنفسه و لعیاله،

     حلّ المشاکل المالیّة،

     رفع المشاکل الشخصیّة و الأسریّة.

لا تنافي هذه الأغراض الدنیویّة بنفسها مع الإخلاص؛ إذ تُطلب هذه الحاجات من الله- تعالی- و هذا الرجوع إلی الله و الإتّکاء إلی قدرته المطلقة، یکون علامةً لقربه- تعالی.

تطبیق مبنی المیرزا الشیرازي (رحمه‌الله) علی أخذ الأجرة علی الواجبات

قد طبّق المیرزا الشیرازي (رحمه‌الله) هذا التحلیل في مسألة الأجرة علی الواجبات حیث یشیر إلی أنّ للأجرة في الصلاة الاستیجاریّة و الصوم و الحجّ الاستیجاریّین، دور الداعي و المحرّك، لا دور الغایة النهائیّة للعبادة.

بمعنی:

     الأجرة، داعیةٌ للمرء علی إتیان الفعل؛

     لکن نفس العمل، یُؤتی به بقصد القربة و الإخلاص.

قد یعلم الأجیر جیّداً بأنّه إن لم یأت بالعمل علی صورته الصحیحة و الشرعیّة مع قصد القربة:

    1. لن تبرء ذمّته؛

    2. لن یملك الأجرة؛

    3. تصرّف في المال، غیر مشروع.

بناءً علی هذا، الأجیر- الذي یکون من أهل العلم و الفضل و الإلتزام عادةً- لا یغفل عن الإخلاص، بل یراقب أکثر من الآخرین علی کیفیّة العمل و الاجتناب من الریاء؛ إذ یری مشروعیّة المال المأخوذ في صحّة العبادة.

فالحاصل، أنّ الأجرة في تحلیل المیرزا الشیرازي (رحمه‌الله)، تُجعل في طول القصد القربة لا في عرضه؛ و هذا یمنع من فساد النیّة.

إشکال المحقّق البجنوردي (رحمه‌الله) و تعمیمه بالواجبات العینیّة

یقبل المحقّق البجنوردي (رحمه‌الله) هذا المبنا و لکن أورد إشکالاً في سلوك بعض الفقهاء. یقول: إن سلّمنا استدلال الطولیّة للأغراض، تمّ جریانها في جمیع أبواب الفقه، لا أن یختصّ بباب النیابة. قال ما هذا نصّه: «هذا الوجه لو تمَّ لا اختصاص له باب أخذ الأجرة في النيابيّات، بل يجري أيضاً في محلّ البحث، أي في العبادات الواجبة على نفس الأجير. و لكن أنت خبير بأنّ حديث الداعي على الداعي ليس إلّا صرف عبارة. لسنا نقول إنّ الداعي على الداعي لا يمكن، كيف و إنّ الداعي على الداعي في الدواعي الطوليّة أمر ضروري، مثلاً يحفر القناة لأجل الماء و يريد الماء لأجل الزرع و يزرع لأجل تحصيل الحنطة و يريد تحصيل الحنطة لأجل قوته و قوت عياله، ففي الحقيقة العلّة المحرّكة لحفر القناة ليس إلّا قوت نفسه و عياله بحيث لو كان قوته و قوت عياله حاصلاً، لم يقدم على الحفر أصلاً».[2]

قد أشار (رحمه‌الله) إلی هذه النکتة و هو هذا السؤال: لمَ لم یُفتِ الفقهاء ببطلان الصلاة الاستیجاریّة و الصوم الاستیجاري و لکن مع ذلك لا یقبلون الداعيَ الماليَ في الواجبات العینیّة الشخصیّة؟

و لأجل التوضیح مثّل المحقّق البجنوردي (رحمه‌الله) بأنّ هناك أبٌ قد وعد ولده أن یعطيه مبلغاً إذا أتی بصلاته، فصلّی الولد صلاته خالصاً لوجه الله و خالیاً من الریاء، علماً بأنّ الصلاة تبطل من دون قصد القربة، فلو لم تکن صلاته صحیحةً فلن یملك الأجر شرعاً. ثمّ أنتج المحقّق البجنوردي (رحمه‌الله) هذه النتیجة: کما أنّه لیس أخذ الأجرة مانعاً للإخلاص في النیابة، فکذلك في الواجبات العینیّة یکون الغرض الدنیوي في طول الغرض المعنوي و بالتالي یکون العمل صحیحاً. قد أجری بعض الفقهاء، کالمحقّق الخوئي (رحمه‌الله) هذا المبناء في النیابة و في الواجبات العینیّة.

عدم منافاة الحاجات الدنیویّة مع قصد القربة

بناءً علی هذا المبناء، لا تنافي الحاجات الدنیویّة مع قصد القربة، بل في أکثر الموارد تکون مصداقاً للرجوع الحقیقي إلی الله-تعالی. یستطیع الإنسان أن یصلّي و یطلب في صلاته حاجاته الدنیویّة. إذا بکی أحد في صلاته أو دعائه مِن أجل مشاکله الدنیویّة، فإن کان بکائه في إطار التوسّل إلی الله و التضرّع إلیه و التقرّب منه، فلا یکون مُخلّاً بالإخلاص بل یکون وسیلةً للتقرّب.

النماذج العرفیّة في هذا المجال کثیرة:

     صلاة اللیل لشفاء المریض،

     البکاء و التضرّع لتوسعة المال،

     الدعاء لنجاة الولد أو حلّ المشکل الأُسَري.

هذه الموارد تکون علامةً علی أنّ الإخلاص و الغرض الدنیوي یقبلان الجمع، مادام الغرض الدنیويّ في طول التقرّب الإلهي.

تبیین «الداعي علی الداعي» في العبادات

قد استفاد المحقّق البجنوردي (رحمه‌الله) للتبیین الأدق، من المثال المعروف من حفر القناة. إن سُئِل أحد:

     لـماذا تحفر البئر؟ یقول للوصول إلی الماء.

     لـماذا تطلب الماء؟ یقول للزراعة.

     لـماذا تزرع؟ یقول للحصول علی الحنطة.

     لـماذا تطلب الحنطة؟ لتأمین الخُبز و قوت العیال.

یقال لهذه السلسلة من الدواعي المتعدّدة «الداعي علی الداعي»؛ أي کلّ داع یکون سبباً للداعي الآخر و جمیع الدواعي ینتهي إلی غایة واحدة. هکذا في العبادات، إذا صلّی المرء، صلّی مع قصد القربة و أثناء صلاته یطلب حاجاته الدنیویّة من القدرة المطلقة الإلهیّة؛ إذ یعتقد أنّ جمیع الأسباب بید الله و یلوذ بالصلاة و الدعاء و البکاء و الإخلاص، حتّی یصل إلی خیر الدنیا و الآخرة في ظلال هذا التقرّب؛ و الحاجات أعمّ من المسکن و المعیشة و الزوج الصالح و الولد الصالح و توسعة الرزق.


[1] حاشية المكاسب (للميرزا الشيرازي)1: 143.
logo