47/06/23
بسم الله الرحمن الرحیم
صحّة قصد القربة في العبادات الاستیجاریّة/التکسّب بالواجبات /المکاسب المحرّمة
الموضوع: المکاسب المحرّمة/التکسّب بالواجبات /صحّة قصد القربة في العبادات الاستیجاریّة
خلاصة الجلسة السابقة: كان النقاش الفقهي الدائر في باب أخذ الأجرة على الواجبات و النيابة في الواجبات (كصلاة الاستئجار، وصوم الاستئجار، وحج الاستئجار) ناظراً إلی سؤالٍ جوهريٍّ يتعلّق بـکيفيّة صحّة هذه العبادات المستأجَرة، و هل يتحقّق قصد القربة في هذه الأنواع من الأعمال أم لا؟ و بعبارةٍ أخرى، يتمحور النقاش حول التوافق أو التعارض بين أخذ الأجرة و بين التعبّديّة لهذه الأعمال التي يُشترط فيها قصد القربة.
مرأی السیّد محمّدکاظم الیزدي (صاحب العروة)
«إنّ قوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ في قوّة قوله صلّوا و صوموا و خيطوا و افعلوا كذا و كذا فالأمر الإجاريّ عين الأمر الصّلاتي أ لا ترى أنّه لو لم يكن له داع إلى امتثال الأمر النّدبي بالنّافلة و نذرها و كان داعيه امتثال الأمر النّذري كان كافيا في الصّحة و على هذا نمنع كون الأمر الإجاري توصّليّا بل هو تابع لمتعلّقه فإن كان توصّليّا فهو توصلي و إن كان تعبّديا فتعبّدي هذا و لازم هذا الوجه الفرق بين الإجارة و الجعالة».[1]
للسيّد محمّد كاظم اليزدي (قدّس سرّه) صاحب العروة الوثقى، بیان یحتاج إلی دراسة و تقییم.
يرى المرحوم السيّد اليزدي (قدّس سرّه) أنّه عندما يُستأجر شخصٌ للقيام بالصلاة أو الصوم أو الحجّ نيابةً عن الغير، فإنّه يشمله الأمر الشريف: ﴿أوفوا بالعقود﴾. فبموجب عقد الإجارة، التزم الأجير بأداء العمل مقابل أجرٍ معلوم، و بالتالي، فإنّ تكليفه هو الوفاء بهذا العقد.
ثمّ يطرح السيّد اليزدي تساؤلاً حول طبيعة الأمر ﴿أوفوا بالعقود﴾: هل هو أمرٌ توصّلي أم تعبّدي؟ و يجيب بأنّ هذا الأمر تابعٌ لمتعلَّق العقد:
• فإذا كان متعلَّق العقد أمراً توصّلياً، فإنّ الوفاء بالعقد يكون توصّلياً أيضاً. مثال ذلك: لو استؤجر شخصٌ لخياطة ثوبٍ أو القيام بعملٍ معيّن، فإنّ متعلَّق العقد هنا أمرٌ توصّلي، و بالتالي يكون الوفاء به توصّلياً.
• إذا كان متعلَّق العقد أمراً تعبّديّاً، فإنّ الوفاء بالعقد يكون تعبّديّاً. مثال ذلك: لو استؤجر شخصٌ للصلاة أو الصوم أو الحجّ نيابةً، فإنّ متعلَّق العقد هنا أمرٌ تعبّدي.
للتوضيح، يضرب السيّد اليزدي مثالاً: فإذا اُستُؤجِر شخص لخياطة ثوب أو نجارة، يكون متعلَّق العقد أمراً توصّليّاً، و عليه، يكون الوفاء بالعقد توصليّاً أيضاً. أمّا إذا اُستُؤجِر لأداء الصلاة أو الصوم أو الحج نيابةً، فإنّ متعلَّق العقد يكون أمراً تعبّديّاً؛ و بالتالي، يكون الوفاء بالعقد في هذه الحالة تعبّديّاً.
بناءً على ذلك، يستطيع الأجير أن يؤدّي العبادات المستأجَرة بنية امتثال الأمر ﴿أوفوا بالعقود﴾. وبما أنّ متعلَّق العقد هنا عبادةٌ تعبّديّة، فإنّ قصد القربة يتحقّق ضمنياً في أدائه.
و لتدعيم هذا التحليل، يستشهد المرحوم صاحب العروة بمثال النذر. فيقول: لو نذر شخصٌ أن يصلّي الليل، فإنّه عند أدائه لصلاة الليل، يكون في مقام الوفاء بنذره. و نـيّته تكون الوفاء بالنذر، لا مجرّد نـيّة صلاة الليل. و كذلك الحال في المقام: الأجير يؤدّي العبادة بنـيّة الوفاء بالعقد، و هذا الوفاء بالعقد في العبادات يستلزم قصد القربة.
إشکال آیةالله الفاضل اللنکراني في مرأی صاحب العروة
و قد تعرَّض کلام صاحب العروة للنقد و الإشكال من قِبَل جمعٍ من الفقهاء، منهم آية الله فاضل اللنكراني (رضوان الله تعالى عليه).
«إنّ الأمر الإجاري لا يعقل أن يكون متحداً مع الأمر الصلاتي، كيف و عنوان الوفاء بالإجارة مغاير لعنوان الصلاة و النسبة بينهما العموم من وجه و لا يعقل أن يسري الأمر من متعلّقه إلى شيء آخر مغاير له و مجرّد اتّحاد الوفاء مع الصلاة خارجاً لا يوجب اتّحاد الأمرين بعد وضوح أنّ متعلّق الأحكام و التكاليف هي نفس الطبائع و العناوين و حينئذٍ فيكف يعقل أن يكون الأمر بالوفاء داعياً إلى الصلاة مع أنّ الأمر لا يدعو إلّا إلى متعلّقه، فتصحيح العبادية بإتيان الصلاة بداعي الأمر المتعلّق بالوفاء بالإجارة ممّا لا يتم أصلًا و تنظير ذلك بمسألة النذر و إن كان في محلّه إلّا أنّ كفاية الإتيان بداعي امتثال الأمر النذري فيها محلّ نظر بل منع، بل الظاهر فيها أيضاً لزوم الإتيان بالنافلة بداعي الأمر الاستحبابي المتعلّق بها، إذ النذر لا يوجب انقلاب النافلة فريضة، فلو نذر الإتيان بصلاة الليل مثلاً يصير ذلك موجباً للزوم الإتيان بها بما أنّها صلاة الليل و تكون متعلّقة للأمر الاستحبابي و لذا لو حصل منه خلف النذر يعاقب لا على ترك صلاة الليل لأنّها مستحبّة، بل على عدم الوفاء بالنذر الذي كان واجباً. و كيف كان، فالإشكال لا يندفع بما ذكره لابتنائه على اتّحاد الأمرين».[2]
محور الإشكال لدى آية الله فاضل اللنكراني هو أنّ الأمر بالوفاء بالعقد يختلف عن الأمر العباديّ المتعلّق بالصلاة أو الصوم أو الحج. السؤال الأساسي هو: ما الذي ينوي الأجير (المستأجر) عند إتيانه بالعمل؟
هل ينوي «الوفاء بالعقد» فقط، أم ينوي «أداء الحج أو الصلاة أو الصوم» نيابةً عن الميّت و قربةً إلى الله؟
يقول آية الله فاضل: إنّ نية الوفاء بالعقد وحدها لا تكفي لصحّة العبادة. في العبادات، ما يجب أن يكون مورداً للنية هو العمل العبادي نفسه؛ أي:
• «أحجُّ نيابةً عن فلان (المرحوم)، قربةً إلى الله»،
• «أُؤدِّي الصلاة عن فلان، قربةً إلى الله».
إنّ القول بأنّ الأمر الوارد في ﴿أوفوا بالعقود﴾ قد اتحد خارجاً مع الصلاة أو الحج، لا يستلزم كفاية نية الوفاء بالعقد لامتثال الأمر العبادي. نعم، إذا أتى الشخص بالصلاة صحيحةً، يتحقّق قهراً الوفاء بالعقد؛ و لكن الموضوع الحقيقي للعبادة و شرط صحّتها هو نيّة الصلاة أو الحج ذاتها، و ليست نية الوفاء بالعقد.
و يُصَرِّح (اللنكراني) بأنه كما يجري الأمر بالوفاء بالعقود في البيع و الإجارة و المضاربة، و لكن نيّة الإنسان تختلف في كلّ واحد منها، فكذلك في العبادات، لا يمكن اختزال النيّة العباديّة في نية الوفاء بالعقد.
المسألة نفسها تجري في نذر صلاة الليل؛ فالشخص ينوي صلاة الليل عند أدائها، لا نية النذر. وعلى الرغم من تعلُّق النذر بصلاة الليل، فإن متعلَّق النية و الامتثال هو صلاة الليل ذاتها.
تفکیك القربیّات و التعبّدیات في کلام آیةالله السبحاني (دامت برکاته)
آية الله سبحاني (دام ظلّه) يوضِّح الکلام عن طريق تفريقٍ أساسي بين الأمور القُربِيَّة و الأمور التعبُّدية
«إنّ ما ذكره ناشٍ من الخلط بين القربيّات و التعبّديات، فإنّ الأوّل أعمّ من الثاني و إن كانا يشتركان في اشتراط ترتّب الثواب على قصد الأمر و الامتثال لوجه اللّه لكن ليس كلّ أمر يقصد امتثاله أمراً تعبّدياً، بل يُعدّ أمراً قربياً، فالعمل بآداب التخلي امتثال للأوامر القربية لا الأوامر التعبّدية، فالمتخلّي بإتيانه بها يتقرّب إليه، كما أنّ العمل بالأوامر الواردة في باب الأخماس و الصدقات للّه سبحانه يوجب القرب و لا يُعدّ نفس العمل عبادةً له سبحانه. فالعبادة التي يعبّر عنها بالفارسية ب- «پرستش» أخصّ من الأعمال القربية، فربّ عمل كالتعليم و التعلّم و احترام الوالدين و تكريمهما للّه سبحانه قربى و ليس عبادةً للّه سبحانه، بل العبادة هي الخضوع في مقابله سبحانه بعنوان أنّه «إله» و «ربّ» و ليس هذا المعنى في هذه الموارد.
و على هذا فامتثال الوفاء بالعقود في كلِّ مورد و إن كان موجباً للقرب و الثواب لكن لا يجعل نفس الوفاء عبادةً بالمعنى الذي عرفت و كلّ الخلط ناشئ من تصوّر أنّ كلّ عمل يؤتى لأجل أمره سبحانه عبادة للّه سبحانه، مع أنّ الصحيح أنّه أعم من العبادة، فلو وفى كلّ إنسان بعقود معاملاته من البيع و الإجارة و الصلح و قام بهذا الوفاء لامتثال أمره فهو متقرّب به إلى اللّه لا أنّه عابد له، فالعبادة أضيق من هذا المعنى».[3]
القربیّات
القربیّات، أمور تُؤتی بقصد القربة و توجب الثواب و إن لم تکن عبادةً بالذات؛ نحو:
• كسبُ العيش؛
• خدمة الناس؛
• التدریس و المطالعة و المناقشة؛
• القیادة و الخبز و الجزارة و ما شابه ذلك.
هذه الأعمال، إذا أُدِّيَت قربةً إلى الله، تستوجب الثواب، لكنها لا تُحتَسَب عبادةً اصطلاحية.
التعبدیّات
التعبُّديات، كالصلاة و الصوم و الحج، هي عبادات محضة، و ذاتُها بدون قصد القربة لا قيمة لها على الإطلاق. هذه الأعمال يجب أن تُؤدَّى خالصةً لله، و طبيعتها العباديّة غير قابلة للإحلال أو الاستبدال.
يقول آية الله سبحاني: إنّ صاحب العروة قد خلط بين هذين القسمين. إنّ الوفاء بالعقد، حتى لو كان بقصد القربة، هو في نهاية المطاف قُربيٌّ، و ليس عبادةً تعبُّديةً. و أمر ﴿أوفوا بالعقود﴾ لا يمكن أن يحل محلّ الأمر المتعلّق بالصلاة أو الصوم.
قال و حتّی «لو سلّمنا ذلك فإنّ غايته تصحيح عبادية الوفاء بذلك الأمر لا تصحيح عبادية الصلاة، لأنّ المفروض أنّ الأمر تعلّق بالوفاء لا بالصلاة و اتّحاد الوفاء مع الصلاة في الخارج لا يصحح عبادية الصلاة، لأنّ كلَّ أمر لا يتجاوز عن متعلّقه إلى شيء آخر و إن اتّحدا في الخارج».[4]
مرأی المحقّق الخوئي في تحلیل الغایة من العبادة
یتّخذ المحقّق الخويي (قدّس سرّه) منهجاً أکثر واقعیّةً. قال:
«و قد تكون الغاية من العبادة هي اللّه و لكن بداعي التملق و الخضوع لحفظ الجهات الدنيوية، بأن يجعلها العبد وسيلة لازدياد النعمة و العزة و سببا لارتفاع الشأن و المنزلة و ترسا لدفع النقمة و الهلكة و قد أشير الى هذا في الكتاب بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ﴾[5] .
و قد تكون الغاية من العبادة هي اللّه بداعي الخشية من غضبه و الخوف من ناره التي أعدت للعاصين و بداعي التعرض لرحمته الواسعة و الوصول الى الحور و القصور و الجنة التي عرضها كعرض السماوات و الأرض و هذه المرتبة أرقى من المرتبة الثانية.
و قد أشار الى هذا بقوله تعالى: ﴿وَ ادْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً﴾[6] . و بقوله تعالى: ﴿وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً﴾[7] .
و قد ورد في كثير من الأدعية كدعاء أبي حمزة الثمالي و غيره تعليل الايمان باللّه و العبادة له بالخوف و الخشية و الطمع و هذا واضح لا غبار عليه.
و قد تكون الغاية من العبادة هي التقرب الى اللّه و تحصيل رضاه من غير ان يقترن بها غرض آخر من الأغراض الدنيوية أو الأخروية و هذه المرتبة أرقى من المرتبة الثانية و الثالثة و هي مختصة بالعارفين باللّه و السالكين اليه و لا يناله إلا القليل من الموحدين، كسلمان و المقداد و ابى ذر و فريق من الأكابر.
و قد اتضح مما ذكرنا ان الغرض من العبادة في هذه الدرجات الثلاث الأخيرة هو انتفاع العبد حتى في الدرجة الأخيرة: أعني المرتبة الرابعة، فإن مآل تحصيل رضى اللّه و التقرب اليه هو صيرورة العبد محبوبا لدى اللّه لكي يجيب دعوته و يدفعه شدته و يقضي حوائجه.
و على هذه المناهج المذكورة في السير الى الله و التوجه الى رحمته و غفرانه و الفوز بنعمة و رضوانه لا تخلو عبادة إلا و قد قصد العبد فيها ان يصل اليه نفع من المنافع حسب اختلافها باختلاف الأغراض. نعم الدرجة الاولى و هي عبادة الأئمة خالية عن هذا القصد. و لكنها مختصة بهم عليهم السلام. و قد انجلى ان رجوع شيء من دواعي العبادة لغير اللّه لا ينافي الإخلاص فيها و التقرب الى اللّه بها».[8]
يقول: إنّ غالب الناس يؤدّون عباداتهم بدوافع نفسانيّة؛ من جملتها:
• الرغبة في الجنة،
• الخوف من النار،
• أو الأمل في النعم الدنيوية و الأخروية.
هذه الدوافع لا تمنع صحّة العبادة، بل إنّ الشارع المقدس نفسه قد طرحها في القرآن الكريم. عبادة الناس غالباً ما تكون خوفاً من النار أو شوقاً إلى الجنة، و هذا لا ينافي قصد القربة.
في رأیه، هذه الأمور ليست هي الغايات النهائية للعبادة، بل هي في طول التقرّب إلى الله. العبادة تُؤدَّى لله، و لكن الله نفسه وعد بالثواب، و الإنسان يتطلّع إلى ذلك الثواب.
لذلك، فإنّ قصد الأُجرة يمكن أن يكون في طول قصد القربة، لا في عرضها. و كما أنّ العبادة للجنّة أو للابتعاد عن جهنم صحيحة، فإنّ العبادة المصحوبة بقصد الأُجرة ـ في فرض التعهّد والتدَيُّن ـ لن تكون مانعاً من صحّة قصد القربة.
مرأی آیةالله الگبایگاني حول الداعي النفساني
يؤكد آية الله كلبايكاني (رحمه الله) أيضاً أنّ وجود الداعي النفساني، ما دام لم يكن في عرض امتثال الأمر الإلهي، لا يضر بالعبادة.
«ان كان المعتبر عدم وجود شيء من الدواعي النفسانية و الأمور المادية كان الأخذ منافيا و لم يكن عمله مقربا و مسقطا للتكليف و ان كان المعتبر الامتثال و القيام بالعمل و تحقّقه في الخارج- و ان كان الداعي إليه الأجرة- جاز أخذها و كأنه يأخذ الأجر على اطاعة اللّه و امتثاله، لكن المانعين لا يصححون الداعي إلى الداعي، فأما الامتثال خوفا فغير مضر».[9]
يقول: امتثال الأمر حقيقة، و الداعي النفساني حقيقة أخرى. الخوف من النار، و الشوق إلى الجنة، أو الميل إلى الأجرة، كلّها دواعي نفسانيّة، و الشارع المقدس لم ينفها. الامتثال بسبب الخوف من النار أو الرغبة في الجنة لا يضرّ بالعبادة؛ لأنّ أصل الامتثال قد تحقق.