47/08/21
بسم الله الرحمن الرحیم
دراسة الأدلّة الروائیّة النافية لمرجعيّة النساء/مرجعیّة النساء /المرجعیّة و القضاء
الموضوع: المرجعیّة و القضاء/مرجعیّة النساء /دراسة الأدلّة الروائیّة النافية لمرجعيّة النساء
خلاصة الجلسة السابقة:
قلنا في الجلسة السابقة إنّ المخالفين استدلّوا بأنّ النساء ناقصاتُ العقل، فلا صلاحيّة لهنّ للمرجعيّة.
النقد: هذا الاستدلال غيرُ تامّ:
1. العقلُ الفطريّ لدى النساء و الرجال متساوٍ (رأي آية الله مصباح) و الاختلاف إنّما هو في غلبة العاطفة لدى النساء، و هي في موضعها (الأمومة) نقطةُ قوّة.
2. هذه العواطف قد تمنع في بعض الموارد الجزئيّة و العاطفيّة (الشهادة، تنفيذ الحد) و لكنّها لا تؤثّر في الاجتهاد و المرجعيّة اللذين هما عمليّةٌ علميّةٌ طويلة.
3. المعيار في المرجعيّة هو العلم و التقوى، لا الجنسيّة. و النساء اللواتي تتوفّر فيهنّ الشروط يمكنهنّ بلوغ هذه المنزلة.
البحث الحاضر في الفقه المعاصر حول مرجعيّة النساء يتناول طائفةً أخرى من الروايات التي استند إليها المخالفون لإثبات عدم جواز مرجعيّة النساء. و هذه الروايات تتعلّق غالباً بالنهي عن تسليم الأموال إلى النساء و جعلهنّ أوصياء. و التحليل الدقيق لهذه الروايات و دلالاتها على مسألة المرجعيّة هو المحور الرئيسي لهذه الجلسة.
القسم الأوّل: دراسة الروايات الواردة في باب النهي عن تسليم الأموال إلى النساء
في هذا القسم تُدرَس أربعُ روايات وردت في المصادر الحديثيّة الشيعيّة في هذا المجال، من ناحية السند و الدلالة.
الرواية الأولى: الوصيّة إلى النساء
«روى السكوني عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: المرأةُ لا يُوصى إليها، لأنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾»[1] .
دراسة السند:
هذه الرواية ضعيفة السند، لأنّ طريقها مرفوع و لم یذکر فيها تمام السند و لذلك لا اعتبار سنديًّا لها.
الرواية الثانية: تفسير آية ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾
وردت هذه الرواية أيضاً في «مَن لَا يَحضُرُه الفقيه» عن الإمام الباقر عليه السلام:
«سُئِلَ أبو جعفر عليه السلام عن قولِ اللهِ عزّ وجلّ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾، قال: لا تُؤْتُوها شاربَ الخمر و لا النساء. ثم قال: و أيُّ سفيهٍ أسفهُ من شاربِ الخمر؟»[2]
الرواية الثالثة: الرواية الصحيحة في باب السفر إلى اليمن
وردت هذه الرواية في «قرب الإسناد» (ص 315) بسند صحيح:
«هَارُونُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ لِأَبِيهِ: «يَا أَبَتِ، إِنَّ فُلَاناً يُرِيدُ الْيَمَنَ، أَ فَلَا أُزَوِّدُ بِبِضَاعَةٍ لِيَشْتَرِيَ لِي بِهَا عَصَبَ الْيَمَنِ؟ فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ، لَا تَفْعَلْ».قَالَ: وَ لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهَا إِنْ ذَهَبَتْ لَمْ تُؤْجَرْ عَلَيْهَا وَ لَمْ تُخْلَفْ عَلَيْكَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ: وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّٰهُ لَكُمْ قِيٰاماً فَأَيُّ سَفِيهٍ أَسْفَهُ- بَعْدَ النِّسَاءِ- مِنْ شَارِبِ الْخَمْرِ؟! يَا بُنَيَّ إِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي عَنْ آبَائِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ: مَنِ ائْتَمَنَ غَيْرَ أَمِينٍ، فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ ضَمَانٌ، لِأَنَّهُ قَدْ نَهَاهُ أَنْ يَأْتَمِنَهُ».[3]
النقطة المهمّة:
في بعض النسخ وردت عبارة «فأيُّ سفيهٍ أسفهُ من شارب الخمر؟» فقط، و في نسخٍ أخرى وردت «فأيُّ سفيهٍ أسفهُ – بعد النساء – من شارب الخمر؟» فتشمل النساء أيضاً.
الرواية الرابعة: رواية جارود في تفسير علي بن إبراهيم
وردت هذه الرواية في «تفسير علي بن إبراهيم القمّي» (ج1، ص131) (لکن سندها ضعيف لوجود جارود):
«وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ فالسفهاءُ النساءُ و الولدُ، إذا علمَ الرجلُ أنّ امرأته سفيهةٌ مفسدةٌ و ولدَه سفيهٌ مفسدٌ، لا ينبغي له أن يسلّط واحداً منهما على مالِه الذي جعله الله له قياماً…».[4]
القسم الثاني: التحليل الدلاليّ و نقد استدلال المخالفين
1. دراسة مجموع الروايات و نقاط القوّة و الضعف
من بين الروايات الأربع، الرواية الثالثة (قرب الإسناد) صحيحة السند، غير أنّ ذكر «النساء» جاء في بعض نُسَخها دون بعض. أمّا الروايات الأخرى فضعيفة السند أو مرفوعة.
و في الجملة يمكن قبول أنّ مجموع هذه الروايات يشير إلى أنّ النساء (على نحوٍ عام) و شاربي الخمر من مصاديق «السفهاء» في الآية، فلا ينبغي تسليم الأموال إليهم.
معنى «السفاهة» و حدودها
السفاهة في هذه الروايات تعني عدم كفاية الرشد في تدبير الأمور المالية. و هذا وصفٌ يُكتسَب و يتغيّر تبعاً للظروف، و ليس صفةً ذاتيةً ثابتةً. فالسفيه هو من لا يملك القدرة الكافية على تقدير المصلحة في تصرّفاته المالية و قد يُضيّع المال.
و تشير الرواية الرابعة بوضوح إلى أنّ المعيار هو العلم بوجود السفاهة: «إِذَا عَلِمَ الرَّجُلُ أَنَّ امْرَأَتَهُ سَفِيهَةٌ...» أي إذا تبيّن للرجل أنّ زوجته سفيهة فلا ينبغي له أن يسلّطها على المال. و هذا يدلّ على أنّ السفاهة ليست وصفاً عامّاً و دائميّاً لكلّ النساء، بل تصيب بعضهنّ كما قد تصيب بعض الأولاد.
النقطة المهمّة جدًّا: ذِكر «الولد» مع «النساء»
في الرواية الرابعة، ذُكرت النساء و الأولاد معاً ضمن مصاديق «السفهاء». و هذه نقطة أساسية:
هل يدّعي أحدٌ أنّ جميع الأولاد (ذكوراً وإناثاً) سفهاء أبداً و لا يجوز تسليم المال إليهم؟ بالطبع لا. فالأولاد بعد بلوغهم سنّ الرشد و ثبوت قدرتهم المالية، يحقّ لهم التصرّف في أموالهم.
فلماذا يُؤخَذ الحكم على النساء على أنّه مطلقٌ دائم؟! كما يخرج الأولاد من هذا الحكم بعد بلوغهم الرشد المالي، كذلك النساء إذا بلغن مرحلة الرشد المالي و العقل المعاشي، يخرجن من نطاق هذا الحكم.
التفريق بين «السفاهة المالية» و «الصلاحية العلمية»
المرجعيّة منصبٌ علميّ، لا موقعٌ لإدارة الشؤون المالية فحسب. فمرجع التقليد في مقام الاستنباط و الإفتاء و يتعامل مع الأدلّة الشرعية، لا مع البيع و الشراء اليوميّ.
و ربّما يكون بعضُ مراجع التقليد العظام غيرَ ملمّين في شؤونهم المالية الشخصيّة أو في المعاملات اليومية، فيفوّضون أمورهم إلى وكلاء أمناء و واعين (نساءً كانوا أو رجالاً) و هذا النقص في الخبرة العملية بالمعاملات لا ينال أبداً من أعلميّتهم و صلاحيتهم العلمية.
و عليه، فإذا بلغت امرأةٌ مرتبة الاجتهاد و الأعلميّة و كانت متخصّصةً في العلوم الدينية، و لكنها غير خبيرة كثيراً في الأمور المالية (ولا يلزمها ذلك أصلًا)، فلا يتعارض هذا أبداً مع أهليّتها للمرجعيّة.
دور التجربة و التخصّص في الشؤون المالية
عدم إلمام الشخص بالأمور المالية لا علاقة له بالجنسيّة، بل يرتبط بالتجربة و التخصّص. فكم من رجلٍ (بل حتى من العلماء) عاش سنين طويلةً في الأجواء العلمية، و ليس لديه خبرة كافية في المعاملات اليومية، فيُخدع بسهولة. و هناك أمثلة كثيرة لأناسٍ متديّنين و متعلّمين وقعوا ضحيّة الاحتيال بسبب حسن الظنّ أو قلّة الخبرة في فنون المعاملات.
مثال واقعيّ: اشترى رجلٌ بيتاً ثمّ يتبيّن لاحقاً أنّه وقفٌ؛ لأنّه وثق بالبائع و لم يتحقّق. و هذا نقصٌ علميّ و تخصّصي، لا نقصٌ جنسيّ أو عقليّ.
تطبيق الحكم على النساء الرشيدات و المتخصّصات
إذا كانت المرأة ذات رشدٍ ماليّ و متخصّصةً في الشؤون الاقتصادية و المعاملات (کالعالمة في القانون أو المحامية في الدرجة الأولی أو الخبيرة الاقتصادية أو التاجرة المتمرّسة) جاز تسليمُ المال إليها و جعلُها وصيّةً. و كثيرٌ من النساء المتخصّصات اليوم هنّ أرشدُ و أكفأ من كثيرٍ من الرجال في هذا المجال.
دراسة حكم الوصيّة للنساء
الشيخ الحرّ العاملي فتح في كتاب «وسائل الشيعة» باباً بعنوان: «بابُ جوازِ الوصيّة إلى المرأة على كراهة». و هذا العنوان يدلّ على أمرين:
• إنّ الوصيّة للمرأة ليست محرّمةً، بل مكروهة فقط.
• و إنّ الكراهة تتعلّق بالنساء غير المتخصّصات، اللواتي يفتقرن إلى الرشد المالي. أمّا المرأة الأمينة، المتعلّمة، المتديّنة، فإنّ الكراهة تزول في حقّها، و لا بأس بالوصيّة إليها.
معيار القرآن: «الابتلاء و الرشد»
بيّن الله تعالى في سورة النساء (الآية 6) المعيار بوضوح:
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾[5]
الترجمة: اختبروا اليتامى حتى إذا بلغوا سنّ الزواج، فإن وجدتم فيهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم.
المعيار هو «الرشد». و الرشد يعني القدرة على حفظ المال و حسن التصرّف العقلي فيه. و هذا المعيار يشمل النساء و الرجال و البنات و البنين. فإذا كانت المرأة ذات رشدٍ ماليّ، جاز تسليم المال إليها و جعلها وصيّةً. و هناك اليوم كثير من النساء المتخصّصات في الشؤون المالية و القانونية و الاقتصادية ممّن هنّ أرشدُ و أكفأ من كثير من الرجال في هذا المجال.