47/08/14
بسم الله الرحمن الرحیم
دراسة الأدلّة الروائیّة النافية لمرجعيّة النساء/مرجعیّة النساء /المرجعیّة و القضاء
الموضوع: المرجعیّة و القضاء/مرجعیّة النساء /دراسة الأدلّة الروائیّة النافية لمرجعيّة النساء
ملخص الجلسة الماضية: ذكرنا في الجلسة الماضية أنّ مسألة منع مرجعيّة النساء یستند لها إلى فئتين من الروايات، لا یدلّ أي منهما على منع النساء من المرجعية:
1. الروايات التي تحدّد الدور الاجتماعي للمرأة (مثل وصية الإمام علي (ع)): هذه الروايات هي بطبيعتها وصايا إرشادية أسرية للحفاظ على هدوء الحياة، و ليست أحكاماً شرعيّةً إلزاميّةً. و بما أنّ المرجعية هي «الإخبار عن حكم الله» لا التدخّل في شؤون الآخرين، فإنّ هذه الروايات لا علاقة لها بنفي صلاحية المرأة العلمية للمرجعية.
2. الروايات التي هي ناظرة إلى نقصان الإيمان و العقل و الحظوظ في النساء (مثل خطبة الثمانين من نهج البلاغة): هذه التعابير لا تعني التحقير أو العجز الذاتي للنساء. وفقاً لتحليل أکابر المعاصرين:
أ) إمّا أنّ هذه الروايات قضايا خارجية ناظرة إلى ظروف خاصّة بالنساء في ذلك العصر.
ب) أو أنّ المقصود بـ «نقصان العقل» هو الغلبة الطبيعية للعواطف (و هي بحدّ ذاتها صفة قيّمة في مكانها) على العقل المـُحاسب، و ليس نقصاً في ذات العقل أو القدرة العلمية.
النتيجة: معيار المرجعية هو الفقه و قوة الاستنباط و العلم و العدالة و لا يوجد فرق بين المرأة و الرجل في هذه الأمور. لذلك، لا يمكن استنباط عدم صلاحية المرأة للمرجعية من هذه الروايات.
يستمر البحث الحالي في الفقه المعاصر حول مرجعية النساء. في هذه الجلسة، سنتناول بالبحث إحدى الأدلة الأخرى التي أقيمت لمنع مرجعية النساء: الاستناد إلى الروايات الواردة في باب «هُنَّ نَاقصَاتِ الْعُقُول». یستدلّ المخالفون بأنّه إذا كانت النساء ناقصات العقل، فلن يكنّ أهلاً لتولي منصب المرجعية. في هذا الجزء، سيتم تقديم إجابات علمية لهذا الاستدلال.
القسم الأول: استدلال المخالفين و إجاباته
مستند المخالفين هو روايات وردت في مصادر مثل نهج البلاغة و بعض كتب الروايات، تصف النساء بـ «هُنَّ نَاقصَات الْعُقُول». و بناءً على ذلك تمّ الاستدلال على أنّ كون المرأة ناقصة العقل هو مانع أساسي لاكتساب الأهلية في منصب خطير كمنصب المرجعية.
الإجابة الأولى: التفريق بين القضية الحقيقية و القضية الخارجية
السؤال المحوري: هل هذا الوصف قضية حقيقية (أي أنه ذاتي و دائم) أم قضية خارجية (أي ناظرة إلى ظروف تاريخية و اجتماعيّة خاصّة)؟
التفسير بقضية خارجية: يمكن أن يكون هذا التعبير ناظراً إلى ظروف تاريخية خاصة، حيث كانت النساء لأسباب اجتماعية و ثقافية، محروماتٍ من الوصول إلى العلم و الكتابة و التربية العقلية. في ذلك العصر، كانت معظم النساء يفتقرن إلى التعليم و طبيعياً لم تتح لهن فرصة بروز و تكامل قواهن العقلية. أما في العصر الحاضر، حيث يمكن للنساء الوصول إلى أعلى المستويات العلمية والعقلية، فإن هذا الوصف لا يشملهن بالضرورة. إن تغير البيئات الاجتماعية و التربوية يمكن أن يغير مصداق مثل هذه الأوصاف. إن المرأة العالمة و المجتهدة في زماننا الحاضر تختلف جوهرياً عن المرأة العادية في المجتمعات القديمة.
الإجابة الثانية: التحليل العلمي لآية الله مصباح اليزدي (رضوان الله تعالى عليه)
يقدّم آية الله مصباح اليزدي (رحمه الله) في تحليله لهذه المسألة، رأياً دقيقاً نفيساً يمكن بيانه في محورين:
المحور الأول: ردّ التفاوت الذاتي في القوة العاقلة
يقول صراحةً إنّ القوة العاقلة و الاستدلالية لدى المرأة و الرجل متساوية جوهرياً. إنّ الادعاء بأنّ عقل النساء أقل، كحقيقة علمية أو فلسفية ثابتة، غير مقبول.
المحور الثاني: تبيين دور غلبة العواطف و المشاعر
يوضّح آیةالله مصباح اليزدي (رحمه الله) بأنّ الفرق الرئيسي يكمن في غلبة العواطف و المشاعر لدى النساء، و ليس في القوة العقلية نفسها. هذه العواطف الشديدة، في مقام الأمومة و واجب التربية و رعاية الطفل، هي نقطة قوة لا مثيل لها و هي هبة إلهية.
تبيين ذلك بأمثلة ملموسة:
تربية الجنين و الرضيع: يبدأ الارتباط العاطفي العميق للأم بالطفل منذ فترة الجنين. تتحمّل تسعة أشهر الحملَ بكلّ صعوباتها، ثم السهر الليلي و الرعاية المستمرة و التضحيات الخالصة، كلها تتطلّب حبّاً و عاطفةً عظيمةً أودعها الله في النساء. لا يستطيع أي رجل القيام بهذه التضحيات بنفس الشكل.
استمرار عاطفة الأمومة: تستمر هذه العاطفة حتى نهاية العمر. فالأم، حتى عندما يصبح ابنها في الأربعين أو الخمسين من عمره، تتألم لأدنى ألم يعتريه، بينما قد يظهر الأب حزماً أكبر.
هذه العواطف الشديدة، التي هي نقطة قوة في مكانها، قد تتحول إلى مانع في المواقف التي تتطلب حكماً عقلياً محضاً و إقامةَ العدل من دون ملاحظة.
أمثلة تطبيقية:
1. في تربية و تأديب الأبناء: عندما يرى الأب، بناءً على عقله و حسن تدبيره، ضرورة فرض عقوبة (مثل الجلد) لتربية الابن و مستقبله، فإنّ الأم بسبب غلبة عاطفتها، تمنع من ذلك و تقول: «لا، لا تفعل هذا!». هنا، تتغلب المشاعر على العقل. (ذكر مثال واقعي لقاضٍ مؤمن حدّ ابنه الشارب للخمر بنفسه بسبب الواجب الشرعي، ثمّ أرسله إلى المستشفى لرعايته، ممّا يدل على تعارض العقل و الواجب مع العاطفة).
2. في الشهادة: حكم الحاجة بشهادة امرأتين مقابل رجل واحد ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ﴾[1] يشير أيضاً إلى هذه النقطة. قد تؤدي عواطف المرأة (مثل الشفقة، الخوف على المتهم من الأذى، أو اعتبارات عاطفية أخرى) إلى عدم بیان الحقيقة أو كتمان بعض التفاصيل. أما الرجل، بسبب عقله الأكبر و قلة غلبة عواطفه في موقف القضاء، فإنه يعبر عن الحقيقة بسهولة و وضوح.[2]
خلاصة رأي آية الله مصباح:
«هُنَّ نَاقِصَاتُ الْعُقُولِ» لا تعني نقصاً في ذات العقل، بل تعني وجود مانع قوي (عواطف شديدة) قد يمنع العقل أحياناً من الظهور بكامل قوته و فعاليته في بعض المجالات الخاصة (مثل القضاء، الشهادة، إقامة الحدود). هذه العواطف هي نعمة عظيمة في مجالات أخرى (مثل الأسرة و تربية الأجيال).
القسم الثاني: تطبيق البحث على مسألة المرجعية و الاستنتاج
السؤال الرئيسي: هل هذا التحليل ينفي مرجعية النساء؟
في رأينا، الإجابة هي لا. و السبب في ذلك هو التفريق بين المجالات:
المرجعية و الإفتاء نشاط علمي بحت، استدلالي و بحثي، يتم في بيئة هادئة بعيداً عن الانفعالات اللحظية. المجتهد في دراسته و استنباطه و كتابته يتعامل مع النصوص و الأدلة، لا مع مواقف عاطفية فورية مثل مشاهدة مشهد عقوبة أو الشهادة في المحكمة. العواطف الشديدة، التي قد تكون مانعةً في المجالات التنفيذية و القضائية التي تتطلب قراراتٍ فوريةً، ليس لها مجال للظهور و التأثير في عملية الاجتهاد و الإفتاء الطويلة و العقلانيّة.
لذلك، إذا كانت المرأة تتمتّع بقدرة عقليّة عالية (و هو أمر ممكن ذاتيّاً حسب رأي آية الله مصباح)، فيمكنها الوصول إلى مرتبة الاجتهاد و الاستنباط. و ظهور العاطفة في وجودها لا يعتبر مانعاً للأنشطة العلمية البحتة.
النتيجة النهائية: الاستدلال بروايات «ناقصات العقول» لنفي مرجعية النساء بشكل كلي هو استدلال غير مكتمل. هذا الوصف إمّا ناظر إلى ظروف خارجيّة تاريخيّة أو حسب التحليل النفسي الدقيق، ناظر إلى غلبة العواطف في بعض مجالات العمل الخاصّة، و ليس نقصاً في قوة الاستنباط و الاجتهاد. المرأة العالمة، بامتلاكها العقل القوي، يمكنها مع امتلاكها للعواطف العميقة، أن تنال مقام الإفتاء.
رأي آية الله مكارم شيرازي (دام ظله):
لقد أكمل آية الله العظمى مكارم شيرازي (دام ظله) هذا المعنى في تفسيره القيم «الأمثل» المعبّر بالفارسيّة بـ «تفسير نمونه» بعبارات مختلفة. رأيه هو أنّ عقل النساء ليس أقلّ من الرجال، لكن عواطفهن و مشاعرهنّ أقوى بكثير من الرجال. شدة هذه العواطف و غلبتها، قد تتغلب أحياناً على عقلهنّ و تجعلهنّ لا يعملن وفقاً لحكم العقل. ثمّ إنّ عدم اتباع العقل و منع إقامة العدل هو ما یوجب في بعض الحالات مثل «الشهادة» و بعض المسائل القضائية، القولَ بإنّ النساء لا يمكنهنّ الحكم بشكل صحيح كما يليق بمنصب القضاء و الشهادة. قال الله تعالی: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ﴾ و ذلك لأن النساء، بسبب عواطفهن القوية، قد يتأثرن و لا يسلكن الطريق الصحيح عند أداء الشهادة، بسبب النسيان أو لأسباب أخرى، و لذلك تذكّر إحداهما الأخرى. و بالطبع، هذا الاحتمال موجود بالنسبة للرجال أيضاً و لكنه أقل درجةً و أقل. [3]
يؤكد (حفظه الله) أیضاً أنّ المرأة الشاهدة، بسبب عاطفتها الكثيرة، قد يحدث لها انحراف في الشهادة؛ بمعنى أنّ العدالة التي يجب أن يراعيها الشاهد في الشهادة لا تتحقق أحياناً. هذا التعبير يدلّ على أنّ هذه الحالة ليست دائمةً و حتميّةً، و لكن غالبية النساء لديهن هذه السمة العاطفية التي قد تسبّب الضلال و تمنع العمل.
التفريق بين المسائل العاطفية و استنباط الأحكام الكلية (الاجتهاد و الإفتاء):
أما ردّاً على هذا السؤال: هل يقع الإفتاء أيضاً تحت تأثير العواطف؟ فيجب القول: بأنّ ما ذُکر يتعلّق بالحالات الجزئية و العاطفية. في حين أنّ الإفتاء و استنباط الأحكام أمر كلي. يجب على المجتهد تعريف المعارف و القواعد الكلية و الاستفادة من الآيات و الروايات. في حالة جزئية معينة، قد يحدث انحراف تحت تأثير العاطفة، و لكن بشكل عام، الإفتاء يعني استخراج الأحكام الشرعية من نصوص الآيات و الروايات. هذه العملية الاستنباطية لا علاقة لها بالعاطفة، و العاطفة ليست مؤثرةً هنا. هذا هو استنباط حكم الله من مصادر الشرع.
المكانة القيّمة للعاطفة في شخصيّة المرأة و مجال عملها الصحيح:
«وَ لَأَنَّ الْعاطِفَةَ لَيْسَتْ شَيْئاً ضِدَّ الْقِيمَةِ فِي شَخْصِيَّتِهَا» و لكن يجب الانتباه إلى أنّ العاطفة في شخصيّة المرأة ليست ضدّاً للقيمة. لا يمكن القول لماذا للمرأة عاطفة؟ المرأة لديها عاطفة و مشاعر و محبة. هذا أمر في ذات المرأة و طبيعتها، و في مكانه الصحيح هو عظيم و قيّم للغاية. لكن إذا لم يتمّ استخدامه في مكانه الصحيح، فسيكون هناك إشكال. المهمة الرئيسية للمرأة هي رعاية الأطفال و تربيتهم و العاطفة مطلوبة حقّاً في هذا المجال. و لكن إذا تركت رعاية الأطفال على عكس هذه الطبيعة، و اكتفت بالدراسة و حصولها على درجة الاجتهاد، فهذا الوضع أمر غير طبيعي و يتعارض مع طبيعة المرأة. معظم النساء يجب أن یلدن الأولاد و يُدِرن الحياة و يربّين الأطفال. لذا يقول آیةالله المکارم (حفظه الله): «وَلِأَنَّ الْعاطِفَةَ لَيْسَتْ شَيْئاً ضِدَّ الْقِيمَةِ فِي شَخْصِيَّتِهَا، بَلْ هِيَ قِيمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ كَبِيرَةٌ، وَلَكِنَّ اللهَ أَرَادَ لَهَا أَنْ تَعِيشَ الضَّوَابِطَ، عَلَى أَسَاسِ الَّتِي أَرَادَ اللهُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَبْلُغَهَا فِي كُلِّ مَا يَحْدُثُ مِنْ قَضَايَا»[4] . هذه قيّمة خاصّة للنساء اللاتي لديهنّ هذه المشاعر و العواطف، و لكن هذه الميزة رائعة في مكانها الصحيح.
على أي حال، شرح العلماء هنا هذه المسألة تماماً و ناقشوا في أنّ هذه العواطف و المشاعر قيّمة خاصّة للمرأة؛ إذا وضعت في مكانها الصحيح (مثل رعاية الأطفال و تربية الأبناء و خدمة الأبناء و الزوج، و المحبة التي يكنّها للزوج و الخدمات التي يقدّمنها)، فكلّها قيّمة. و لكن هذه المسألة (العواطف و المشاعر) مكانها هنا. أمّا إذا جاءت هذه العواطف و المشاعر إلى ساحة القضاء، فقد يصدر عنها أحياناً ما يخالف العدل و يستخدم بشكل غير أخلاقي.
خلاصة رأي العلماء حول عقل المرأة و بيان رأي العلامة الطباطبائي (رحمه الله):
لذلك، فإنّ نظرية «نُقْصَانِ الْعَقْلِ» بهذا المعنى، لا يتقبلها آیةالله المكارم و لا آیةالله المصباح. يقولون إنّ عقل المرأة ليس ناقصاً، و لكن عواطفها كثيرة. في المكان الذي تأتي فيه المسألة العاطفية، لا يمكن للمرأة التقدم كثيراً؛ لأنه إذا أخذت المرأة إلى ساحة فيها مسألة القتل و الاشتباك، فإن النساء عادةً ما يقولنّ: «لا، ليس من الصواب، لا تفعلوا، لا تفعلوا ذلك». لذا في تلك المسائل لا يمكنها إعطاء رأي قاطع، لأنّ العواطف متدخّلة.
يقول العلامة الطباطبائي (رحمه الله تعالى) أيضاً: «فَإِنَّ حَيَاةَ النِّسَاءِ حَيَاةٌ إِحْسَاسِيَّةٌ عاطِفِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الرِّقَّةِ وَ اللَّطَافَةِ».[5] حياة النساء و مشاعرهم و عواطفهم مبنيّة على اللطافة و الرقة. هنّ لسن مخلوقاتٍ للأعمال الشاقة و العنيفة. الآن قد تظهر امرأة و تصبح سائقة شاحنة – و هذا يتعارض مع طبيعتها - أو تأتي لتصبح طيارةً مقاتلةً و تقتل الناس (وهو ما نشهده اليوم).
بيان انتقاد بشأن مقترح قيادة الدراجات النارية للنساء:
رأي الأستاذ: في هذا السياق، نعرب عن أسفنا لأنّ الحكومة الموقرة - التي يجب احترامها و تأييدها - في هذا الموقف الحساس، قامت بتصديق و إعلان لائحة قيادة الدراجات النارية للنساء. على الرغم من أنّ آية الله سبحاني (دام ظله) أعلنوا أنها حرام، و أنّ المرشد الأعلى للثورة يقول إن ركوب الدراجات الهوائية فيه إشكال. الإصرار على تصديق و ترويج هذا الأمر عبر إرسال الرسائل النصية و ما شابه ذلك أمر مفاجئ. في رأينا، هذا الإجراء مؤسف و ليس صحيحاً. ليس من الصحيح معارضة مشاعر المؤمنين و جرح قلوب المتدينين و المراجع العظام. يمكن لمسألة قيادة النساء للدراجات النارية هذه أن تؤدي إلى نتائج غير مرغوبة. باختصار، القصة تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، و كما لم تتمكنوا من منع بعض الأمور في مسألة الحجاب، فقد لا تتمكنون من ذلك هنا أيضاً. و الله وحده يعلم و الإثم على من قام بذلك.
نعم، إذا تم تقديم تصميم لدراجات نارية محصنة و مناسبة لشأن النساء، فقد يكون ذلك حلاً لهذه المشكلة.
تحليل كلام العلامة الطباطبائي (رحمه الله) حول الخصائص الذاتية للنساء:
يذكر المرحوم العلامة الطباطبائي (رحمه الله) في تفسير الميزان: «و أنّ الاحساسات اللطيفة كالحبّ و رقّة القلب و الميل إلى الجمال و الزينة أغلب عليها من الرجل كما أنّ التعقّل أغلب عليه من المرأة، فحياتها حياة إحساسيّة كما أنّ حياة الرجل حياة تعقليّة»[6] في هذا البيان، تمّ عدّ ثلاث خصائص رئيسية للنساء، و هي أكثر غلبةً عليهن من الرجال:
1. «الْحُبُّ» (الميل والمحبة): هذا الحب و المحبة أقوى لدى النساء.
2. «رِقَّةُ الْقَلْبِ»: النساء يتمتّعن بلطف و لينةٍ أكبر.
3. «الْمَيْلُ إِلَى الْجَمَالِ» هذا الميل موضوع في ذاتهن، و يتجلى في الاهتمام بالمظهر.
إنّ حياتهن و شعورهن هي «حَيَاةٌ إِحْسَاسِيَّةٌ» (حياة عاطفية). هذه الخصائص لا يمكن اعتبارها نقطة ضعف بحدّ ذاتها، بل هي نقطة قوة، و لكن بشرط أن تستخدم في مكانها الصحيح. إذا استخدمت هذه المشاعر في المسائل الاجتماعية و القضائية (مثل القضاء)، فقد تتحوّل إلى نقطة ضعف.
التأكيد على عدم ارتباط هذا النقاش بأصل المرجعية و الاجتهاد:
هذا التحليل (من قبل آية الله مصباح و كبار آخرين) لا علاقة له بأصل صلاحية المرجعية و الاجتهاد. في رأينا، يشير هذا النقاش إلى نفس الخصائص العاطفية، في حين أنّ استنباط الحكم الكليّ لله من مصادر الشرع هو عمليّة علميّة لا يُتصور فيها دور حاسم للعواطف.
بيان رأي آية الله الجوادي الآملي (دام عزه) حول تساوي العقل التقربي:
يعتقد آية الله جوادي آملي أنه كما قال آية الله مصباح (رحمه الله عليه)، إنّ عقل المرأة و الرجل متساويان في الجانب الذي هو وسيلة للتقرب إلى الله و لا فرق بينهما. و يشير إلى رواية «مَا عُبِدَ بِهِ الرَّحْمَنُ وَ اكْتُسِبَ بِهِ الْجِنَانُ.»[7] و يقول إنه في هذا الاتجاه (التقرب إلى الله) لا فرق بين المرأة والرجل. أما في مسائل الإدارة الاجتماعية و السياسية، فهناك فروقات.
و یقول أیضاً: هل العقل الذي هو سبب التقرب إلى الله هو نفس العقل الموجود بين المرأة و الرجل؟ هل يمكن القول بإنّ كل من يفهم مسائل الفيزياء و الرياضيات و الطب و ما شابه ذلك بشكل أفضل هو أقرب إلى الله؟ هل هذا العقل هو سبب التقرب، أم العقل الذي «ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان» هو سبب التقرب؟ العقل الذي يوجب التقرب هو نفس ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله في تسميته بهذا الاسم: العقل هو ما يعقل به الإنسان قواه و غرائزه و أهواءه - العقال هو الحبل الذي يربطون به ركبة الجمل الجامح عندما يريدون ربطه في مكان واحد حتى لا يجمح و يهرب - أو بتعبير آخر، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لرجل لم يعقل ناقته و دخل المسجد فذهبت ناقته: «اعْقِلْهَا وَ تَوَكَّلْ»[8] . هذه الجملة ليست بمعنى تعقّل ثمّ توكّل، بل بمعنى اعقل و توكّل، أي احفظ الأسباب العادية و توكل على الله في الأمور الخارجة عن إرادتك. فالعقل سمي عقلاً لأنه يكبح جماح الأهواء و الغرائز و يعقل ركبة الجمل الجامح للجهل و الشهوة. و في هذا الكبح، كلما أحسن الإنسان و أكثر في كبح الغرائز، أصبح أكمل، بالطبع معنى كبح الغرائز هو الاعتدال فيها و ليس تعطيلها. لذلك، ما يوجب التقرب إلى الله هو العقل الذي «يعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان». و العقل الذي قد يكون في الرجل أكثر من المرأة هو عقل العلوم و عقل السياسة و عقل الأعمال التنفيذية.
و إذا كان شخصٌ ما أعقل و أكثر حكمةً في المسائل السياسية أو التنفيذية، فهذا لا يعني أنه أقرب إلى الله، فقد يؤدي به هذا الذكاء السياسي أو الذكاء العلمي إلى جهنم، و قد يفهم الرجل في العلوم التنفيذية أفضل من المرأة، لكنه لا يملك القدرة على كبح غرائزه. جميع المذاهب الباطلة التي وقفت في وجه الأنبياء وضعها الرجال. معظم المتنبئين الذين واجهوا الأنبياء في صراع ديني كانوا رجالاً.
و يقول القرآن الكريم فيمن أتوا بمذاهب جعليّة مثل فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾[9] أي أنهم سيتقدمون قومهم إلى جهنم. هل كانوا رجالاً أم نساءً؟ لذلك، إذا كان لدى شخصٍ ما تفوّق في المسائل العلمية أو السياسية و التنفيذية، فهذا ليس دليلاً على التقرب إلى الله، بل هو فضيلة زائدة، لأنّ «ذاك علم لا يضر من جهله»[10] ، أي علم لا يضر الجهل به.
كل من يستطيع أن يكبح الغرائز أفضل من الآخر و يعدل الأهواء النفسانية و يكتسب الجنة، فهو أعقل. لذلك، إذا كان هناك فرق، فهو في المسائل التي لا منفعة و لا ضرر فيها، لأنّ الإنسان له سير أبدي يتضمن دهليزًا للدخول يسمى سبعين أو ثمانين أو مئة سنة على الأكثر، و هي الدنيا، و عندما يدخل النشأة الأخرى، فإن هذه الأمور الاعتبارية و الذكاءات السياسية أو التنفيذية لن يكون لها قيمة. يستعين الإنسان بالأدوات الفكرية ما دام حياً في الدنيا، و عندما يدخل نشأة البرزخ، لا يوجد علم من هذه العلوم، و تتحول العلوم الحاصلة إلى علوم مشاهدة.
النتيجة: إذا ادعى شخص أنّ عقل الرجل أقوى من المرأة في جانب «ما يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان»، فلا يمكن إثبات ذلك أبداً، لأنّه لا التجربة تشير إليه و لا البرهان يؤيده.»[11]
بالطبع، في الأمور الاجتماعية و الإدارية، قد يكون الرجل أكثر قدرةً بسبب تجربته الأكبر (وليس بطبيعته). يشير القرآن الكريم أيضاً في الآية ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾[12] إلى عدم تسليم أموالكم لمن هم قليلوا الخبرة (و الذين قد يشملون بعض النساء أو الأطفال)، لأنه قد يقعون في الخداع بسبب نقص المعلومات في المعاملات. هذا حكم حمائي و يتعلق بفقدان الخبرة، و ليس نقصاً ذاتيّاً في العقل.
في رأينا، هذا البيان لآية الله الجوادي الآملي (دام ظله) يؤيد و يكمل نفس وجهة نظر آية الله المصباح اليزدي (رضوان الله تعالى عليه) في هذه المسألة. خلاصة القول هي أنّ الادعاء المذكور لا يعني أبداً إثبات «النقص الذاتي للعقل» في النساء؛ بل يدل في حده الأقصى على غلبة و قوة القوى العاطفية و الشعورية لديهن، و التي تعتبر بحدّ ذاتها في مكانها الطبيعي امتيازاً و قيمةً عاليةً، و ليس المقصود بها نقص في القوة العاقلة و القدرة على الإدراك.