47/08/07
بسم الله الرحمن الرحیم
دراسة الأدلّة الروائية النافية لمرجعيّة النساء/مرجعية النساء /المرجعية و القضاء
الموضوع: المرجعية و القضاء/مرجعية النساء /دراسة الأدلّة الروائية النافية لمرجعيّة النساء
ملخص الجلسة الماضية:
في الجلسة السابقة، قلنا إنّ مخالفي مرجعية النساء يستندون إلى أربع فئات من الروايات، و كلها غير تامّة:
1. الاستناد إلى ذمّ أصحاب الجمل (نهج البلاغة): هذا القول ناظرٌ إلى واقعةٍ خاصةٍ من حرب الجمل، و ذمّهم كان تركيباً من عوامل متنوعة (كالمخالفة للإمام)، و ليس لمجرّد كون القائد امرأةً.
2. الاستناد إلى منع إمامة المرأة للصلاة بالرجال: هذه الروايات ضعيفةُ السند، و أساساً لا ملازمة بين إمامة الجماعة (عبادةٌ جماعيةٌ) و المرجعية (نشاطٌ علمي فردي).
3. الاستناد إلى رواية «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللهُ»: هذه الرواية ضعيفةُ السند و مرسلة، و عبارة «مِنْ حَيْثُ» (وفقاً لرأي العلامة الحلي) ليست مطلقةً، بل تشير فقط إلى موارد خاصة منصوص عليها شرعاً كالإرث و الدية.
4. الاستناد إلى رواية منع المرأة من التّدخل في أمورٍ تتجاوزها: هذه الرواية أيضاً ضعيفةُ السند، و هي نصيحةٌ أخلاقيةٌ بشأن المسؤوليات التنفيذية الثقيلة، و ليست ناظرةً إلي النشاط العلميّ و المرجعيّة.
النتيجة: أدلّة المخالفين النقلية، لضعفها سنداً أو عدم دلالتها على وجه الكلّيّة أو عدم ارتباطها موضوعاً، ليست قطعيةً تامّةً. و عليه، يبقى الأصل في اشتراك التكليف و لزوم الرجوع إلى الأعلم (بصرف النظر عن الجنس) قائماً.
قد طُرحت في النقاش الفقهي المعاصر حول مرجعية النساء، مباحث متعددة. أحد المحاور هو دراسة الروايات التي ظاهرها يفيد عدم اختيار النساء لاتخاذ القرارات في شؤون الآخرين، و تركيزهنّ على شؤونهنّ الخاصة، و عدم التدخّل في شؤون الآخرين.
طُرحت رواية في هذا الصدد في الجلسة الماضية. الرواية التي ستُناقش في هذه الجلسة، تحمل من حيث المضمون نفسَ محتوى الرواية السابقة.
نقل الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام)
تُنقل هذه الرواية عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في وصيته لابنه محمد بن الحنفية. الرواية مفصّلة و لكن الجزء الذي هو محلّ بحثنا هو كالتالي:
قالَ أميرُ المؤمنينَ عَلَيهِ السَّلامُ في وَصِيتِهِ لابنِهِ مُحَمَّدِ بنِ الحَنَفيةِ: «وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تُمَلِّكَ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا فَافْعَلْ فَإِنَّهُ أَدْوَمُ لِجَمَالِهَا وَ أَرْخَى لِبَالِهَا وَ أَحْسَنُ لِحَالِهَا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيحَانَةٌ وَ لَيسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ فَدَارِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَ أَحْسِنِ الصُّحْبَةَ لَهَا لِيصْفُوَ عَيشُكَ.»[1]
أ) شرح موجز لمضمون الرواية
مضمون هذه الرواية هو أنك إذا استطعتَ، فلا تجعل زوجتك تتحكم في أمورٍ تتجاوز شؤونها الشخصية؛ أي لا تُسلّمها الأعباء الثقيلة و المسؤوليات الخارجية و القرارات الكبرى. المرأة تقوم بالأعمال المتعلقة بها؛ مثل: العناية بشؤون البيت و تربية الأطفال و تحضير الطعام و ما شابه ذلك مما يعتبر عرفاً متناسباً مع دور المرأة الأسري. أمّا تدخّل المرأة في جميع الأمور و أن تكون صانعة قرار في شؤون الآخرين، فقد نُهي عنه في الرواية.
و يعلّل الإمام (عليه السلام) ذلك بقوله: «فَإِنَّهُ أَدْوَمُ لِجَمَالِهَا» أي أنّ هذا الفعل يؤدّي إلى دوام جمال المرأة و نشاطها؛ و يقول أيضاً: «وَ أَرْخَى لِبَالِهَا» أي يوفّر لها مزيداً من راحة البال. توضيح ذلك أنه إذا أُلقيت علي المرأة مسؤوليات ثقيلة و مخاوف مالية و اجتماعية، فإنّ أعصابها ستُرهق و ستزول راحتها النفسية، في حين أنّها إذا بقيت في حدود أعمالها، ستتمتع بمزيد من الراحة. و يقول الإمام (عليه السلام): «فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيحَانَةٌ وَ لَيسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ» أي المرأة كالزهرة العطرة، و ليست كمديرةٍ قاسيةٍ و منفذةٍ للأعمال. هذا التعبير يشير إلى لطف روح المرأة و اقتضاءاتها النفسية و العاطفية، لا نفي قدرتها أو موهبتها. و يقول الإمام (عليه السلام) في الختام: «فَدَارِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ» أي تعامل معها بلطفٍ في كلّ حال؛ و أيضاً: «وَ أَحْسِنِ الصُّحْبَةَ لَهَا لِيصْفُوَ عَيشُكَ» أي أحسن معاشرتها لصفاء عيشك.
هذا الجزء من الرواية، يشير بوضوح إلى أخلاقيات الأسرة و الطريقة الصحيحة للتعايش بين الزوج و الزوجة.
ب) دراسة سند الروایة:
من الناحية السندية، إحدى الروايات التي تحمل هذا المضمون ضعيفة السند؛ و لكن توجد رواية أخرى نسبها المرحوم الصدوق إلى المعصوم (عليه السلام)، و رغم أنها بلا سند و مرسلة، إلا أنّ نسبتها إلى المعصوم تُعتبر نسبةً قويةً. علاوةً على ذلك، فإن هذا المضمون عينُه ورد في نهج البلاغة. بناءً عليه، بمجموع هذه الاعتبارات، لا نملك في هذا الشأن مسألةً بحثيةً واسعةً و حاسمةً من حيث السند.
ج) دراسة دلالة الرواية بالنسبة إلی مرجعية النساء:
أمّا من الناحية الدلالية، فالسؤال الأساسي هو: هل يدلّ هذا المضمون على أنّ النساء بصورةٍ عامةٍ غير صالحاتٍ لأي عملٍ، و من جملتهنّ عدم صلاحيتهنّ للمرجعية أم لا؟ هل يمكن الاستفادة من هذه الرواية أنّ النساء غير صالحاتٍ للمرجعية؟ في رأينا، الإجابة سلبية.
النقطة الأولى: ماهية الفتوى و المرجعية
المرجعية و الإفتاء ، ليسا بمعنى القرار في شؤون الآخرين بالمعنى العرفي، بل هما «إخبارٌ عن حُكمِ الله». المجتهد -سواء كان امرأةً أو رجلاً- عندما يفتي، لا يقول: «أنا أرى هذا صلاحاً»، بل يقول: «حُكمُ اللهِ بناءً علي القرآن و السنة هو كذا». إذن، الفتوى ليست تدخّلاً شخصياً في حياة الآخرين، بل هي بيانٌ للحكم الإلهي.
النقطة الثانية: إرشادية الرواية
ورد في الرواية تعبير «وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ»؛ أي: إذا استطعتَ فافعل ذلك. هذا التعبيرُ يشير بوضوحٍ إلى أنّ الرواية ليست في مقام حكمٍ إلزامي مولوي، بل هي إرشادية؛ أي توجيهٌ لحياةٍ أفضلَ و أكثرَ هدوءاً و نجاحاً. فالرواية لا تقول إنّ هذا العمل واجبٌ أو تركه حرامٌ؛ بل تقول إنّ هذه الطريقة أفضلُ و أصلحُ.
د) الردّ على وهم عدم قدرة النساء:
هذه الرواية لا تنفي أبداً قدرة النساء. المرأة يمكنها أن تتعلّم و تصبح طبيبةً و جرّاحةً و أستاذةً جامعيةً، و ربما تكون في هذه المجالات أكثر نجاحاً من الرجال.
لكنّ نكته الرواية هي أنه إذا تدخّلت المرأة في هذه المجالات، فمن الطبيعي أن تقلّ راحتها الأسرية، و لن تحظى بالحياة المنزلية الهادئة البسيطة. هذا ليس بمعنى نفي القدرة، بل بيانٌ لاختلاف نمط الحياة. على سبيل المثال؛ كما أنه إذا أصبحت المرأة جرّاحةً و كانت كلّ يومٍ في المستشفى منهمكةً في عملياتٍ ثقيلةٍ، فمن الطبيعي أن لا تحظى بتلك الحياة المنزلية الهادئة البسيطة. هذا ليس نقصاً و لا عيباً؛ بل هو اختيارٌ لنوعٍ من الخدمة الاجتماعية مقابل نوعٍ آخر.
الخلاصة الدلالية
على أي حال، هذه الرواية لا تهدف إلى التقليل من شأن المرأة، و ليست في مقام نفي القدرة العلمية أو الاجتماعية للمرأة، و لا تدلّ على عدم صلاحية المرأة للمرجعية. هذه الرواية هي مجرّد توصية إرشادية أخلاقية أسرية للحفاظ على هدوء الحياة المشتركة. المرجعية لا تتطلب «بطولة» أو تصدّياً تنفيذياً. المرجعية تعني: الإخبار عن حُكم الله بناءً على الأدلّة الشرعية. في هذا الجانب، لا يوجد فرق بين المرأة و الرجل؛ المعيار هو الاجتهاد، العلم، التقوى و القدرة على الاستنباط.
دراسة الروايات الدالة على «نقصان الإيمان، العقل، و حظوظ النساء» و علاقتها بالمرجعية
في استكمال البحث، نتناول فئةً أخرى من الروايات، تُعتبر من جهةٍ ما أكثر أهمية؛ لأنّها تتضمن تعابير مثل نقصان الإيمان، نقصان العقل، و نقصان الحظوظ بخصوص النساء، و قد استند البعض إلى هذه المضامين لنفي أهلّية النساء للمناصب الدينية الكبرى، و منها المرجعية.
1) رواية «نواقص الإيمان والعقول» في نهج البلاغة
ورد عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في خطبة الثمانين من نهج البلاغة:
«مَعَاشِرَ النَّاسِ إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الْإِيمَانِ نَوَاقِصُ الْحُظُوظِ نَوَاقِصُ الْعُقُولِ فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلاَهِ وَ الصِّيامِ في أَيامِ حَيضِهِنَّ وَ أَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنِّ فَشَهَادَهُ إِمْرَأَتَينِ كشَهَادَهِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ وَ أَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ فَمَوَارِيثُهُنَّ عَلَي الْأَنْصَافِ مِنْ مَوَارِيثِ الرِّجَالِ فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ وَ كونُوا مِنْ خِيارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ وَ لاَ تُطِيعُوهُنَّ في الْمَعْرُوفِ حَتَّى لاَ يطْمَعْنَ في الْمُنْكرِ.»[2]
وفقاً لهذا البيان، يذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) ثلاثة جوانب لـ «النقصان» في حق النساء:
نقصان الإيمان، بسبب تركهنّ الصلاة و الصيام في أيام حيضهنّ؛ نقصان العقل، بسبب اعتبار شهادة امرأتين كشهادة رجل واحد؛ نقصان الحظوظ، بسبب كون سهم المرأة من الميراث نصف سهم الرجل.
هذه الرواية من أشهر النصوص التي استُشهد بها في هذا الباب، و تبعاً لذلك يطرح هذا السؤال: مع مثل هذا التعبير، كيف يمكن إثبات أهلّية النساء للمرجعية أو المناصب العلمية الدينية الأخرى؟
2) روايات مشابهة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
وفي رواية أخرى ورد أنّ:
«وَ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ص عَلَى نِسْوَةٍ فَوَقَفَ عَلَيْهِنَّ ثُمَّ قَالَ يَا مَعَاشِرَ النِّسَاءِ مَا رَأَيْتُ نَوَاقِصَ عُقُولٍ وَ دِينٍ أَذْهَبَ بِعُقُولِ ذَوِي الْأَلْبَابِ مِنْكُنَّ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ- يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَقَرَّبْنَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَا اسْتَطَعْتُنَّ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَ عُقُولِنَا فَقَالَ أَمَّا نُقْصَانُ دِينِكُنَّ فَالْحَيْضُ الَّذِي يُصِيبُكُنَّ فَتَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا تُصَلِّي وَ لَا تَصُومُ وَ أَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِكُنَّ فَشَهَادَتُكُنَّ إِنَّمَا شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ شَهَادَةِ الرَّجُلِ.»[3]
على أي حال، فإنّ مضمون هذه الرواية يشبه مضمون الرواية السابقة، و قد وردت رواية أخرى بنفس هذا المعنى. و السؤال الآن هو: كيف نجمع بين هذه الروايات و آيات القرآن الكريم؟
٣) رواية الإمام العسكري (عليه السلام) في تفسير آية الشهادة
ورد في التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، عن آبائه الأجلاء، و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالى ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾: «قال: عدلت امرأتان في الشهادة برجل واحد، فإذا كان رجلان، أو رجل و امرأتان أقاموا الشهادة، قضى بشهادتهم، قال: و جاءت امرأة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقالت: ما بالُ المرأتينِ برجلٍ في الشهادةِ، و في الميراثِ؟ فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إنَّ ذلك قضاءٌ من مَلِكٍ عدلٍ حكيمٍ، لا يجورُ و لا يحيفُ، أيّتها المرأةُ! لأنكنَّ ناقصاتُ الدينِ و العقلِ، إنَّ إحداكنَّ تقعدُ نصفَ دهرِها، لا تصلّي بحيضةٍ و إنكنَّ تكثرنَ اللعنَ و تكفرنَ العشيرَ، تمكثُ إحداكنَّ عند الرجلِ عشرَ سنينَ فصاعداً، يُحسِنُ إليها و يُنعِمُ عليها، فإذا ضاقَ يدُهُ يوماً أو ساعةً خاصمتْه و قالت: ما رأيتُ منكَ خيراً قطّ».[4] معنی قوله (صلّی الله علیه و آله) أنّ إحداكنّ تقضي سنواتٍ طويلةً، بل ربما أربعين عاماً مع الرجل؛ تطبخ له و تنظف له و تغسل له الأواني و تقوم بكل أعمال المنزل، تحسن إليه و تنعمه بالكثير من النعم و تبدي له الحب و تضحّي من أجله و لكن عندما يضيق الحال بالرجل يوماً أو ساعةً، كأن لا يملك المال و يعود إلى المنزل و يقول لا أملك شيئاً و ليس لدي مال و لدي مشكلة؛ تبدأ المرأة بالسب و الشتم.
يعتبر هذا دليلاً على نقص العقل؛ لأنه بالرغم من أنها قضت أربعين عاماً في الكدّ و التعب و عاشا معاً و استمتعا بالحياة، إلا أنه بمجرد أن تقلّ الأموال، تبدأ بالصياح و الضجيج، حتى لو قال لساعة واحدة: ليس لدي مال، تتشاجر معه و تقول: «مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قطّ»؛ أي لم نرَ منك أي خير أبداً، مع أنها عاشت معه أربعين عاماً و كانت حياتهما سعيدةً و مبهجة، إلّا أنها بمجرد أن ترى المرأة ضائقةً، تبدأ فجأة بالانتقاد و تقول: لم نرَ منك أي خير أبداً. مع كل هذا الودّ و الوفاء و الحياة الطيبة، تنسى كلّ شيء و تقول فجأة: أنت لا تصلح لشيء على الإطلاق، لماذا أنت هكذا؟ أحياناً تقول كلماتٍ لا تتناسب مع كل هذا الجهد و التعب.
أ) دراسة إجماليّة لأسناد الروايات
من الناحية السندية، هناك نقاش؛ فبعض هذه الروايات غير معتبرة، و بعضها مرسلة، و بعضها الآخر ليس لها سند صحيح. و مع ذلك، نظرًا لوجود هذه المضامين في نهج البلاغة، لا يمكننا مناقشتها كثيراً من حيث السند. الظاهر أنّ هذه المضامين صدرت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) و أمير المؤمنين (عليه السلام).
و قد حلّ هذه المسألة الآیات العظام آیةالله مصباح (رحمه الله) و آیةالله المكارم (حفظه الله) و آیةالله الجوادي (حفظه الله)، و شرحوا المقصود من هذه التعابير. إن الطرق و البيانات التي قدمها هؤلاء الأعلام لتوضيح مسألة «نواقص العقول» و «نواقص الدین» و «نواقص الحظوظ» جديرة بالاهتمام و الدراسة.
ب) تحليل دلالي لروايات «النقصان»
1. الاحتمال الأول: قضية خارجية لا قضية حقيقية
أحد الاحتمالات المهمة التي طرحها المعاصرون هو أنّ هذه الروايات هي قضايا خارجية، و ليست قضايا حقيقيةً؛ أي: أنها لا تشمل جميع النساء في جميع العصور، بل تقتصر على نساء معينين في بيئة الجزيرة العربية الخاصة آنذاك؛ النساء اللاتي قد کنّ في الغالب أمياتٍ مفتقراتٍ إلى التعليم و کنّ يعشن ظروفاً اجتماعيّةً خاصّةً. و في هذه الحالة، يكون تعميم الحكم على جميع النساء غير مبرر. في النهاية، هناك مقتضيات خاصة بالنساء. و السؤال المطروح هنا هو: هل هذه التعابير من قبيل القضية الحقيقية أم القضية الخارجية، أم أنّ جزءاً منها قضية حقيقية و جزءاً آخر قضية خارجية؟
1. الاحتمال الثاني: غلبة العواطف على العقل، لا فقدان العقل
في رأينا، التحليل الذي قدمه آیةالله المصباح اليزدي (رضوان الله تعالى عليه) و بشكل مشابه قدّمه آیةالله المكارم الشيرازي و آیةالله الجوادي الآملي هو تحليل مفتاحي و مفيد للغاية.
ملخص هذا التحليل هو كالتالي:
تتمتع النساء بعواطف و أحاسيس أقوى؛ هذه العواطف لا تقلل من القيمة الوجودية للمرأة، بل ترفعها؛ فهذه العواطف هي التي تمكّن المرأة من رعاية طفلها ليلاً و نهاراً و التضحية و تقديم روحها مقابل عائلتها؛ و لكن في بعض المواقف، فإن غلبة العاطفة على العقل الحسابي تؤدي إلى أن تتأثر القرارات بالمشاعر. لذلك، عندما تُذكر «نقصان العقل» في الروايات، فإنّ المقصود ليس ضعف القدرة العقلية الذاتية، بل هو تأثر العقل بفعل العاطفة القوية.