« قائمة الدروس
بحث الفقه الأستاذ محسن الفقیهی

47/07/30

بسم الله الرحمن الرحیم

دراسة الأدلّة الروائية النافية لمرجعيّة النساء/مرجعية النساء /المرجعية و القضاء

 

الموضوع: المرجعية و القضاء/مرجعية النساء /دراسة الأدلّة الروائية النافية لمرجعيّة النساء

 

خلاصة الجلسة الماضية: قلنا في الجلسة الماضية إنّ مخالفي مرجعيّة النساء يستندون إلى ثلاث روايات أخرى كلّها خالية من الدلالة التامّة:

    1. رواية «إِنَّمَا الْمَرْأَةُ لُعْبَةٌ»: هذا الوصف ناظرٌ إلى الدور العاطفي للمرأة في الأسرة، و لا يدلّ على نفي عقلانيّتها أو أهليّتها العلميّة. و مضمون الرواية هو الحثّ على الرعاية و التربية، سواء قُرِئت «فَلَا يُضَيِّعْهَا» أو «فَلْيَعِظْهَا».

    2. رواية «اتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ»: هذه الرواية ضعيفة السند و مرسلة، و هي مجرّد تنبيه أخلاقي إلى فتنة بعض النساء، لا حكمٌ عامّ ينفي شأن النساء الصالحات و العالمات.

    3. رواية «مَا لِلنِّسَاءِ وَ الرَّأْيُ؟»: صدر هذا القول في ردّ إبداء رأيٍ غير تخصّصي من امرأة عاديّة في مسألة فلسفيّة معقّدة (الجبر و الاختيار)، و لا ينفي أهليّة النساء المتخصّصات علميّاً.

النتيجة: إنّ الاستدلال بهذه الروايات ناشئٌ من الخلط بين مجالات مختلفة (الأسري، الأخلاقي، التخصّصي) و بين المقام العلمي للمرجعيّة، و لا يدلّ أيٌّ منها على منع مرجعيّة النساء.

يستمرّ البحث الحاضر في الفقه المعاصر حول مرجعيّة النساء. و في هذا القسم نتناول أحد الأدلّة التي أُقيمت على منع مرجعيّة المرأة:

الاستناد إلى جملةٍ من نهج البلاغة في ذمّ أصحاب الجمل:

• رواية «كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ»

مستندُ المخالفين فقرةٌ من الخطبة الثالثة عشر من نهج البلاغة، حيث يقول أمير المؤمنين علي(عليه‌السلام) في وصف أصحاب الجمل:

«كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ وَ أَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ»[1] ؛ أي: لقد صرتم جندَ امرأةٍ و أتباعَ بهيمةٍ (جمل).

وجهُ استدلالِ المخالفين:

استُفيد من هذه الجملة أنّ الإمام (عليه السلام) ذمّ اتّباعَ امرأة، فاستُنتج منها عدمُ وجود المشروعيّة لقيادة المرأة و مرجعيّتها.

أ) دراسة إجماليّة في السند

مع أنّه لا يُتتبَّع عادةً البحثُ السنديّ مفصّلاً في نصوص نهج البلاغة، إلّا أنّ بعض العلماء عدّوا هذه الرواية ضعيفةً من جهة السند. غير أنّ التركيز الأساسي في هذا النقاش هو على دراسة الدلالة.

ب) دراسة الدلالة ونقد استدلال المخالفين

الاستدلال بهذا المقطع لنفيٍ عامّ لمرجعيّة المرأة يواجه عدّة إشكالات، منها:

کون الرواية قضيّةً خارجيّةً لا حقيقيّة

هذه الجملة صادرةٌ في سياقٍ تاريخيٍّ محدّد و هو حرب الجمل. فالإمام(عليه السلام) يخاطب أهل البصرة الذين شاركوا في تلك الحرب، و يقول لهم إنّكم صرتم جندَ امرأةٍ معيّنة (عائشة) و أتباعَ جملٍ معيّن (جمل عائشة).

القضيّة الحقيقية: حكمٌ عامّ يجري في كلّ الأزمنة و الأمكنة.

القضيّة الخارجيّة: ناظرةٌ إلى واقعةٍ أو أشخاصٍ أو ظروفٍ خاصّة.

برأينا هذا الكلام من القضايا الخارجيّة؛ فالإمام(عليه السلام) في مقام ذمّ عملٍ معيّن من تلك الجماعة في تلك الحادثة، لا في مقام بيان حكمٍ شرعيٍّ عامّ يشمل جميع النساء في كلّ المجالات. كما تؤيّد ذلك مواردُ النقض التاريخيّة المتعدّدة، مثل الشخصيّات العظيمة: مريم(عليها السلام)، و زينب(سلام الله عليها)، و فاطمة الزهراء(صلوات الله و سلامه عليها).

ج) تفسير عبارة «أَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ»

هذا الجزء من العبارة (أتباع البهيمة) لا علاقة له بموضوع المرأة؛ فالمقصود هو الجمل الذي كانت تركبه عائشة، و الذي اكتسب رمزيّةً خاصّة في تلك الحرب. ومن ثَمَّ فالمعنى كلّه يدور حول اتّباعٍ أعمى لامرأةٍ معيّنة و لجملٍ معيّن في واقعةٍ خاصّة، لا حول نفي ذات المرأة.

د) التحليلُ المضموني لِذَمِّ الإمام(عليه السلام)

إنّ مذمّة الإمام(عليه السلام) ذاتُ طبقاتٍ عديدة، و ليست منحصرةً في «كونِ القائد امرأةً»، بل تتجاوز ذلك إلى ما هو أعمق:

• مخالفةُ الإمام المعصوم

أعظمُ ما في الأمر أنّهم وقفوا في قبال الإمام المنصوب من قِبَل الله تعالى و هو أمير المؤمنين(عليه السلام). فالإشكالُ الأساسي هو الخروج على الإمام العادل.

• اتّباعُ امرأةٍ في حرب

و المقصود هنا ليس الجنس، بل اتّباعُ غير المعصوم في حربٍ داخليّة بين المسلمين. فإشعالُ الحرب من قبل امرأة، و اتّباع الرجال لها في ظرفٍ ملتهبٍ كهذا، هو محلُّ الذمّ.

• الصفاتُ الشخصيّة لعائشة

إنّ هذا الذمّ ناظرٌ إلى أداءٍ معيّن و قراراتٍ خاصّة اتّخذتها عائشة في تلك المرحلة، لا إلى جنس المرأة بما هي هي.

برأينا أنّ الإمام(عليه‌السلام) كان يُحلّل كارثةً سياسيّةً-عسكريّةً مخصوصةً، و لم يكن في مقام إصدار حكمٍ تكليفيٍّ عامّ حول قابليّات النساء. فالعلةُ الأصليّة هي الخروج على الإمام الحقّ و إحداثُ الفتنة و سفكُ الدماء.

تفريقُ ميدانِ الحرب عن ميدانِ العلم و الفتوى

وحتى لو سُلّم (نَظراً إلي اعتباراتٍ نفسيّةٍ و اجتماعيّةٍ و تعبّديّةٍ) أنّ في مجال القيادة العسكريّة ملاحظاتٍ خاصّةً قد تُثير التأمّل في صلاحيّة المرأة هناك، فإنّ هذا لا يستلزم البتّة سحبَ الأمر على ميدان المرجعيّة الدينيّة و الفتوى؛ لأنّهما مجالان متمايزان تماماً في طبيعتهما و متطلّباتهما و شروطهما.

هـ) النتيجة

بعد التأمّل في السياق التاريخيّ و القرائن الكلاميّة و قصد المتكلّم، يتبيّن أنّ الاستناد إلى جملة: «كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ وَأَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ» لإثبات منعٍ عامّ لمرجعيّة النساء، استدلالٌ ضعيفٌ و غيرُ تام.

هذه الرواية:

    1. ناظرةٌ بصورةٍ خاصّة إلى واقعةٍ خارجيّةٍ محدّدة (حرب الجمل).

    2. الذمّ فيها مركّبٌ من عدّة عناصر (مخالفة الإمام، الاتّباع في الحرب، و الصفات الشخصيّة للقائد)، و لا يمكن اختزالها في الجنسيّة وحدها.

    3. لا يمكن تعميم الحكم من ميدان الحرب و القيادة العسكريّة إلى ميدان المرجعيّة العلميّة و الفتوى.

و عليه، نرى أنّ هذه الرواية لا تُعدّ دليلاً معتبراً و مستقلّاً لمنع مرجعيّة النساء المستوفيات للشروط العلميّة و التقوائيّة.

• دراسة رواية «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ جُمُعَةٌ وَلَا جَمَاعَةٌ»

طائفةٌ أخرى من الروايات التي تمسّك بها المخالفون، هي الروايات التي تنظّر عموماً إلى عدم جواز إمامة المرأة للجماعة في الصلاة بالرجال، و استُدلّ منها بأنّه إذا كانت المرأة لا تستطيع أن تكون إماماً للجماعة في الصلاة بالرجال، فبالأولى – أو بالملازمة – لا يمكن أن تكون مرجعاً للتقليد للرجال أيضاً.

و قد سبق أن استعرضنا رواية «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ جُمُعَةٌ وَلَا جَمَاعَةٌ»[2] . و كما تقدّم، أنّ لهذه الرواية احتمالين رئيسيّين في معناها:

    1. نفي الوجوب: أي أنّ حضور صلاة الجمعة و الجماعة ليس واجباً على النساء، لا أنّه غير جائز.

    2. نفي الصلاحيّة: أي أنّ النساء غير مؤهّلات لتولّي إمامة الجمعة و الجماعة.

و بالنظر إلى القرائن والسياق، فإنّ الاحتمال الأوّل (نفي الوجوب) هو الأقوى، و هذه الرواية ليس لها ظهورٌ قطعيٌّ في منع إمامة الجماعة.

• دراسة رواية جواز إمامة المرأة للنساء في غياب الرجل

رواية أخرى في هذا الباب، نُقلت في كتاب الكافي:

«أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: إِذَا لَمْ يَحْضُرِ الرَّجُلُ تَقَدَّمَتِ امْرَأَةٌ وَسَطَهُنَّ وَ قَامَ النِّسَاءُ عَنْ يَمِينِهَا وَ شِمَالِهَا وَ هِيَ وَسَطَهُنَّ تُكَبِّرُ حَتَّى تَفْرُغَ مِنَ الصَّلَاةِ.».[3]

أ) دراسة سند الرواية:

نُقلت هذه الرواية بالسند التالي:

«أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ» (وهو أحمد بن إدريس القمّي، إمامي، ثقة، جليل)، عَنْ «مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ» (مجهول. لذا فالرواية ضعيفة)، عَنْ «أَحْمَدَ بْنِ نَضْرٍ» (وهو إمامي و ثقة)، عَنْ «عَمْرو بْنِ شِمْرٍ» (و هو إمامي و لكن ضعيف)، عَنْ «جابِر» (و هو جابر بن يزيد الجُعْفِيّ، إمامي، ثقة، جليل)، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ).

النتيجة: سند هذه الرواية ضعيف. ففي سلسلة السند، يوجد رواة مثل محمّد بن سالم (مجهول) و عمرو بن شمر (ضعيف) ممّا يزيد ضعف السند.

ب) التحليل الدلالي للرواية:

جواز إمامة المرأة للنساء: مفاد الرواية هو جواز إمامة المرأة للنساء في حال عدم وجود رجل. المفهوم المخالف لها هو أنه إذا وجد رجل، فهو أولى بالإمامة.

عدم الدلالة على الحرمة المطلقة: هذه الرواية تتحدث صراحةً فقط عن الإمامة للنساء، و هي صامتةٌ عمّا إذا كانت المرأة، في حال وجود الرجال، يمكن أن تؤمّ الرجال و النساء معاً أم لا.

برأينا: أقصى ما تدلّ عليه هذه الرواية هو أنّه في صلاة جماعة النساء، إذا لم يحضر رجلٌ، فيمكن لامرأة أن تؤمّ. هذه الرواية لا تدلّ على منعٍ شاملٍ للمرجعيّة.

ج) نقد استدلال «الملازمة بين إمامة الجماعة و المرجعيّة»:

يستدلّ المعارضون بقولهم: إذا كانت المرأة لا تستطيع أن تكون إمامةً للجماعة بالرجال، فلا يمكن أن تكون مرجعاً للتقليد للرجال أيضاً. هذا الاستدلال مبنيٌّ على افتراض الملازمة بين هذين المنصبين.

د) إشكالات هذا الاستدلال:

    1. القياس مع الفارق:

طبيعة الإمامة للجماعة و شروطها تختلف اختلافاً جوهرياً عن المرجعيّة و الفتوى:

إمامة الجماعة: هي عبادةٌ جماعيّة تتطلب الاقتداء و التبعيّة العمليّة في الحركات (الركوع، السجود) و الحضور الماديّ في مكان واحد. في هذا الميدان، للجوانب النفسيّة و الأخلاقيّة مثل الحفاظ على الخشوع و عدم انحراف حواس المأمومين (خاصّة الرجال) أهميّةٌ كبيرة. تؤكّد روايات متعدّدة على مراعاة هذه الجوانب في الصلاة (مثل النهي عن الصلاة أمام الصور أو التماثيل).

المرجعيّة و الإفتاء: هي نشاطٌ علميٌّ و بحث فرديّ. المرجع في بيئة دراسته يستنبط الحكم الشرعيّ و ينشر النتيجة في شكل رسالة عمليّة أو جواب استفتاء. لا ضرورة لوجود مواجهةٍ مباشريّة و مستمرةٍ بين المرجع و المقلّد. العلاقة هي علاقة رجوع الجاهل إلى العالم، و ليست اقتداء المأموم بالإمام في الحركات العباديّة.

برأينا أنّ قياس منع إمامة الجماعة على المرجعيّة هو قياسٌ مع الفارق؛ لأنّ علّة المنع في إمامة الجماعة (مثل اعتبارات الحفاظ على الخشوع و الشروط العباديّة الخاصّة) تنتفي في مقام الفتوى و المرجعيّة.

فصلُ المجالاتِ الشرعية المختلفة:

الأحکام الشرعية في الأبواب المختلفة، مستقلّةٌ و تعبّديّة. و لو سلّمنا بوجود حکمٍ خاصٍّ في باب صلاة الجماعة، فإنّ هذا لا يوجبُ تعديته إلى باب التقليد و الفتوى، إلّا إذا أُثبتت ملازمةٌ عقليةٌ أو نقلية، و هو ما لا وجود له هنا.

• دراسة رواية «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي…»

هنا روايةٌ أخرى استُند إليها، و هي هذه الجملة المنسوبة إلى النبيّ الأكرم(صلّي الله عليه و آله):

ابن أبي جمهور في درر اللآلي: عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، أنّه قال: «أخّروهنّ من حيث أخّرهنّ الله.»[4]

ذُكرت هذه الرواية في مصادر مثل «دُرَرُ اللّآلِي» لابن أبي جمهور و«مُسْتَدْرَکُ الْوَسَائِلِ».

أ) دراسة سند الرواية:

من ناحية السند، تواجه هذه الرواية مشاکل جديةً:

عدم اعتبار السند: سند هذه الرواية غير معتبر، و نُقلت بصيغة مُرْسَل (بدون ذکر کامل سلسلة الرواة).

المصدر في مذاهب أخرى: ورد هذا الحديث في کتب أهل السنّة أيضاً، و نُقل في المصادر الشيعية مثل «خِلاف» للشيخ الطوسي (ج۱، ص۴۲۵) بصورةٍ مرسلة.

النتيجة السندية: بالنظر إلى الإرسال و ضعف السند، فإنّ هذه الرواية لا تتمتّع بحجيةٍ سندية، و لا يمكن الاستناد إليها بصورةٍ مستقلّة.

ب) دراسة الدلالة و التحليل المحتوايي:

    1. الاستخدام الأصلي للرواية في الکتب الفقهية:

الاستدلال الأوّلي بهذه الرواية، کان بالأساس في باب الصلاة و لبيان هذا الحک من أنّ المرأة لا يجوز أن تقف أمام الرجل في صفوف الصلاة (حتّى في صلاة المنفرد) بمعنى أنّ الرجل إذا أراد أن يصلّي و کانت امرأةٌ واقفةٌ أمامه، يجب عليه تغييير مکانه.

نقد الاستدلال لمنع المرجعية:

حاول البعض استخدام هذه الرواية لنفي مرجعية النساء، مع أنّ هذا الاستدلال غير تامٍّ من عدّة جهات:

تخصيص الموضوع: الدلالة الأوّلية للرواية متعلّقةٌ بالحکم التکليفي في عبادة الصلاة و ترتيب الوقوف المکانيّ و استنباط حکمٍ عامٍّ اجتماعيٍّ-علميٍّ کالمرجعية منها، يحتاج إلى قرينةٍ قطعية معدومة.

عدم عمومية عبارة «مِنْ حَيْثُ»: مفتاح فهم هذه الرواية يتضمّن تفسير عبارة «مِنْ حَيْثُ» (من نفس المکان الذي).

ج) تفسير عبارة «مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللهُ» (رأي العلامة الحلّي):

قدّم المرحوم العلامة الحلّي في کتاب «مُخْتَلَفُ الشِّيعَة» (ج۲، ص۱۱۳) تفسيراً دقيقاً لهذه العبارة. يقول:

«لأنه - عليه السلام - أمر بتأخيرهن حيث أخّرهن الله لا مطلقاً، فلا يدلّ على صورة النزاع.»[5] فلا تدلّ الرواية على سلبٍ عامٍّ (من جميع الوجوه).

 

تحليل رأي العلامة الحلّي:

عبارة «مِنْ حَيْثُ» تعني «من نفس الجهة التي» لا «مطلقاً و من كلّ الوجوه».

و بالتالي إنّ المقصود هو: في نفس الحالات و الجهات الخاصّة التي حدّدها الله في الشرع بالفَرق و التأخير (مثل الإرث، الدية، الشهادة)، راعوا أنتم ذلك أيضاً. هذه الرواية لا تُشرِّع حكماً جديداً، بل تأمر فقط بمراعاة القوانين الإلهية في موارد النصوص الشرعية، أمّا في الجهات الأخرى التي لم يفرّق فيها الشرع، فهذه الرواية لا تقدّم دليلاً على الأفضليّة أو التأخير.

برأينا، هذا التفسير للعلامة الحلّي، الذي يعتمد على تقييد الدلالة، صحيحٌ. الأصل في التكاليف هو اشتراك المرأة و الرجل، إلّا في الموارد التي ورد فيها دليلٌ خاصٌّ على الفَرق. هذه الرواية (حتّى مع افتراض صحّة سندها) تؤكد فقط على ضرورة مراعاة القواعد الخاصّة في الموارد المحدّدة من قبل الشرع، و عدم التقدّم على أمر الله.

• رواية «لَا تُمَلِّكِ الْمَرْأَةَ مِنَ الْأَمْرِ مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا» و الرّوايات التي تُوصي بأن لا تتدخّل النساء في الأمور التي تتجاوز حدود شخصيتهنّ.

نُقلت هذه الرواية في الکافي، و هي جزءٌ من وصية الإمام أمير المؤمنين(عليه‌السلام) للإمام الحسن المجتبی(عليه‌السلام):

أبو علي الأشعري عن بعض أصحابنا عن جعفر بن عنبسة عن عبّاد بن زياد الأسدي عن عمرو بن أبي المقدام عن أبي جعفر(عليه‌السلام) و أحمد بن محمّد العاصمي عمّن حدّثه عن معلّی بن محمّد البصري عن علي بن حسّان عن عبد الرحمن بن کثير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: في رسالة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الحسن (عليه السلام): «لَا تُمَلِّكِ الْمَرْأَةَ مِنَ الْأَمْرِ مَا يُجَاوِزُ نَفْسَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْعَمُ لِحَالِهَا وَ أَرْخَى لِبَالِهَا وَ أَدْوَمُ لِجَمَالِهَا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ وَ لَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ.»[6] أي: إنّها ليست بمديرة تنفيذيّة صارمة.

أ) دراسة السند:

سند هذه الرواية ضعيفٌ أيضاً.

ب) التحليل الدلاليّ و الردّ على الاستدلال:

يستنتج المعارضون من هذه الرواية أنّ المرأة لا يجب أن تتدخّل أو تتحمّل مسؤوليةً في الأمور العامّة التي تتجاوز نطاقها الشخصي، و يستنتجون أنّ المرجعية تندرج ضمن هذا المنع.

نقد هذا الاستنتاج:

    1. تحديد نطاق «ما يتجاوز نفسها»:

هذا التعبير ليس مطلقاً و غير محدود. من الطبيعي أنّ المراد هي مجالات المسؤوليات التنفيذية الثقيلة و الإدارية و المرهقة خارج البيت، التي تتنافي مع الطبيعة الرقيقة للمرأة (من الناحية الجسدية و الروحية). هذه النصيحة هي بمثابة دليلٍ تربوي و أسَري للحفاظ على صحّة المرأة و هدوئها في کانون الأسرة.

هل النشاط العلمي العميق و البحث و التأليف و استنباط الأحکام الشرعية في الحوزة العلمية، يعدّ مصداقاً لـ «أمرٍ ما يتجاوز نفسها»؟ يبدو أنّ الجواب «لا». هذه الأنشطة هي أنشطةٌ فکريةٌ و علميةٌ يمکن أدائها مع الحفاظ على الحجاب و الهدوء. و العديد من النساء في التاريخ الإسلامي مثل السيدة فاطمة الزهراء(سلام الله علیها) و السيدة زينب(سلام الله علیها) کنّ في أعلى مستوىً من المقام العلمي و بيان الأحکام، دون أن يخرجن من نطاق «أن المرأة ریحانة».

    1. التفريق بين أنواع المسؤوليات:

هذه الرواية ناظرةٌ إلى الإدارة التنفيذية الثقيلة ذات المشقّة في الخارج. المرجعيّة الدينيّة، بالرغم من أنّها مسؤولية کبيرة، إلّا أنّ ماهيتها علميةٌ، بحثيةٌ، و استشاريةٌ، و ليست تنفيذيةً أو مجهدةً للبدن. المرأة العالمة يمکنها البحث و الإفتاء في بيئةٍ هادئةٍ و محفوظةٍ.

    1. الهداية نحو المصلحة:

غرض الرواية هو التوجيه نحو مصلحة المرأة الفردية و الأسَريّة (فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْعَمُ لِحَالِهَا وَ أَرْخَى لِبَالِهَا وَ أَدْوَمُ لِجَمَالِهَا). هذه نصيحةٌ حِکميةٌ و ليست حکماً بالتحريم المطلق.

برأينا، الاستدلال بهذه الرواية لمنع مرجعية النساء هو أيضاً قياسٌ مع الفارق. المرجعية ليست مصداقاً لـ «من الأمر ما يتجاوز نفسها» بالمعنى المقصود في الرواية (الأمور التنفيذية المجهدة). هذه الرواية تسعى إلى تنظيم نطاق المسؤوليات التنفيذية الثقيلة في الحياة الأسَرية و الاجتماعية، و ليس في صدد نفي الکفاءة العلمية و الفقاهية.


logo