47/07/23
بسم الله الرحمن الرحیم
دراسة الأدلّة الروائيّة النافية لمرجعيّة النساء/ مرجعيّة النساء/ المرجعيّة و القضاء
الموضوع: المرجعيّة و القضاء/ مرجعيّة النساء/ دراسة الأدلّة الروائيّة النافية لمرجعيّة النساء
ملخص الجلسة الماضية:
قلنا في الجلسة الماضية إنّ رواية «وَ أَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ…» ناظرةٌ إلى بيان المعايير الكيفية لمرجع التقليد (التقوى، حفظ الدين، مخالفة الهوى) في مقام الجواب في الفرق بين تقليد الشيعة و اليهود، و لا تدلّ على الجنسيّة مطلقاً؛ فـ «الفقهاء» يشمل كلّ فقيهٍ مستوفٍ للشرائط. إثبات أهلية الرجال لا يستلزم نفي أهلية النساء، و هذا الاستظهار قياسٌ مع الفارق. حكم العقل القطعي برجوع الجاهل إلى الأعلم لا يتعلّق بالجنسيّة، و في تعارض الآراء، المعيار هو الأعلمية و أنّ المجتهد أتقي من غيره، لا كون الشخص امرأةً أو رجلاً. الرواية المنسوبة إلى إبليس بتعبير «قُرَّةُ عَيْنِي النِّسَاءُ» ضعيفةٌ و ناظرةٌ إلى المصاديق الفاسدة، و لا يمكن تعميمها؛ في المقابل، الرواية الصحيحة بنفس المضمون عن النبي(ص) تدلّ على المقام الرفيع للنساء المستحقات. النتيجة: لا دليل شرعياً أو عقلياً معتبراً على منع التقليد من المرأة المجتهدة إذا كانت عادلةً و أعلم من الرجال.
يتناول البحث الحاضر في الفقه المعاصر حول مرجعية النساء، دراسة بضع روايات أخرى استند إليها بعض المخالفين لنفي إمكانية مرجعية النساء. هذه الروايات ناظرةٌ عموماً إلى وصف مكانة النساء و خصائصهنّ في المنظومة الأسرية و الاجتماعية.
• دراسة رواية «إِنَّ الْمَرْأَةَ لُعْبَةٌ»
نُقِلت هذه الرواية في كتاب الكافي:
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّوْفَلِيِّ، عَنِ السَّكُونِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله): «إِنَّمَا الْمَرْأَةُ لُعْبَةٌ، فَمَنِ اتَّخَذَهَا فَلَا يُضَيِّعْهَا»[1]
۱. دراسة السند و النسخة
يصل سند الرواية بواسطة علي بن إبراهيم بن هاشم (إمامي، ثقة، جليل) و أبيه إبراهيم بن هاشم القمي (إمامي، ثقة) و النوفلي (إمامي، ثقة) إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، و هي معتبرة من حيث السند.
ملاحظة: ورد في بعض النسخ بدل «فَلَا يُضَيِّعْهَا» عبارة «فَلْيَعِظْهَا».
دراسة القراءتين في الرواية
۱. «فَلَا يُضَيِّعْهَا»
إذا كانت نسخة «فَلَا يُضَيِّعْهَا» صحيحةً، فالرواية توصي بأن: لا تُضيعوا المرأة، و لا تسيئوا معاشرتها، بل احفظوا حقوقها و كرامتها.
هذا المضمون لا يدلّ على تحقير المرأة، بل يؤكد على لزوم الصيانة و حسن المعاشرة.
۲. «فَلْيَعِظْهَا»
إذا كانت نسخة «فَلْيَعِظْهَا» هي الصحيحة، فهي ناظرة إلى الظروف الغالبة على النساء في ذلك العصر؛ حيث كنّ ربّات بيوتٍ، و لا يملكن الوصول إلى التعليم، و كنّ بحاجة إلى الإرشاد الفكري و الديني. الموعظة هنا تعني المساعدة الفكرية و التربوية، لا تحقير عقل المرأة.
تحليل دلالي و الرد على استدلال المخالفين
يستنبط المخالفون من تعبير «لُعْبَةٌ» أنّ المرأة كائنٌ سطحيٌّ قليلُ العمق، و بالتالي لا تستحقّ منصب المرجعية الخطيرة.
نقد هذا الاستدلال:
• معنى «لُعْبَةٌ» في هذا السياق: هذا التعبير ليس ناظراً إلى الشخصية الإنسانية و العقلية للمرأة، بل إلى دورها و وظيفتها العاطفية و النفسية في البيئة الأسريّة، فالمرأة مصدرٌ لانشراح الخاطر و الطمأنينة و راحة الأعصاب للزوج. و هذه حقيقةٌ طبيعيةٌ و إيجابيةٌ، لا نقصٌ. و يتوافق هذا المعنى تماماً مع التوصية الختامية للرواية («فَلَا يُضَيِّعْهَا» أو «فَلْيَعِظْهَا») التي تدعو إلى حفظ المرأة و رعايتها وتربيتها.
• عدم التعارض مع المقامات العلمية و المعنوية: هذا الوصف لا يتعارض مطلقاً مع إمكان بلوغ المرأة أعلى المقامات العلمية و التقوى و الروحانية. فكما كانت السيدتان فاطمة الزهراء (س) و زينب (س) نموذجاً في ذلك، كانتا أيضاً خيرَ أزواجٍ. هذه الرواية تتعلّق ببُعد العلاقات الأسرية، لا بالقدرات العلمية و الإدارية.
برأينا: الاستناد إلى هذه الرواية لنفي صلاحية المرأة للمرجعية هو خلطٌ بين مجالات شخصية الإنسان المختلفة (المجال الأسري / المجال العلمي-الاجتماعي)، و لا تدلّ على منع المرجعية.
تفكيك مراتب النقاش في مرجعية النساء
ينبغي دراسة مسألة مرجعية المرأة في مراحل:
• المرحلة الأولى: تقليد المرأة لنفسها
إذا بلغت المرأة مرتبة الاجتهاد، فإن وجوب تقليدها لنفسها مُسلّم و متفق عليه.
• المرحلة الثانية: تقليد النساء لامرأة مجتهدة
إذا كانت المرأة أعلم، فإن تقليد النساء الأخريات لها جائزٌ بالجملة و هناك من يقول بهذا الرأي.
• المرحلة الثالثة: تقليد الرجال لامرأة مجتهدة
هنا يأتي محلّ النقاش الأساسي: هل يجوز للرجال تقليد امرأةٍ هي أعلمُ علماً و تقوىً، أم لا؟
هذا النقاش غير النقاش في ولاية الفقيه أو الرياسة السياسية، و لا ينبغي الخلط بينهما.
• دراسة رواية «اِتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ»
وردت هذه الرواية أيضاً في الكافي:
عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي كَلَامٍ لَهُ: «اتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ، وَ كُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ، وَ إِنْ أَمَرْنَكُمْ بِالْمَعْرُوفِ فَخَالِفُوهُنَّ، كَيْ لَا يَطْمَعْنَ مِنْكُمْ فِي الْمُنْكَرِ»[2] .
۱. دراسة إجماليّة في السند
المراد بـ «أحمد بن أبي عبد الله» هو أحمد بن محمد بن خالد البرقي، و هو من فقهاء الإمامية و موثوق به. لكنّ تعبير «عَمَّنْ ذَكَرَهُ» يجعل الرواية مُرسَلةً من حيث السند؛ لأنّ هذا التعبير يشير إلى حذف بعض الوسائط في النقل دون ذكر أسمائهم. و في تتمة السند، يوجد «علي بن الحسين المختار» أو «حسين بن مختار»، و هو من الإمامية. ثم تُنقل الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام)، و هو ينقل هذا المضمون عن أمير المؤمنين (عليه السلام).
من حيث السند كما أُشيرَ أنّ الرواية مُرسَلة؛ لأن تعبير «عَمَّنْ ذَكَرَهُ» يدلّ على حذف بعض الرواة في سلسلة السند. و من هنا، تُعتبر الرواية ضعيفةً من حيث الاعتبار السندي، و لا يمكن الاعتماد عليها كـدليلٍ فقهيّ تام.
تقرير استدلال القائلين بعدم مرجعية النساء
استدلّ بعض العلماء بهذه الرواية، فقالوا: بما أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «اتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ» ثمّ قال في تتمتها: «وَكُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ» فالمرأة بصورة عامةٍ كائنٌ يجب الحذر منه، و ليس بوسعها تحمل منصب المرجعية و الإفتاء الخطير.
تحليل دلالي للرواية
عند التحليل الدلالي، يجب الانتباه إلى أنّ مفاد الرواية ناظرٌ إلى واقعٍ اجتماعي و أخلاقي غالبٍ، لا بيانٌ لحكمٍ شرعيّ كلي.
بلا شك، توجد بين النساء نساءٌ شريراتٌ، كما توجد بين الرجال أشرار. و الاجتناب عن الأفراد الفاسدين لا يختصُّ بجنسٍ معين. علاوةً على ذلك، فإنّ الرواية توصي بالحذر حتى من «خيار النساء»؛ أي أنه حتى عند التعامل مع النساء الصالحات، يجب مراعاة الحدود و الاحتياط اللازم.
هذه التوصية ناظرةٌ إلى هذه الحقيقة، و هي أنّ من أهم عوامل زلل الرجال و سقوطهم في المعصية و الفساد، العلاقةَ غير الصحيحة مع النساء. و هذه قضيةٌ اجتماعيةٌ لا يمكن إنكارها، و تشاهد بوضوحٍ في الخارج. الكثير من المفاسد التي تحدث في المجتمع تتشكل بسبب استفزازات أو تبرّجات، أو سلوكيات غير سليمة من بعض النساء؛ سواءٌ بالتزين المفرط، أو بالسلوكيات المغرية، أو بالعلاقات غير السليمة.
۴. بيان مراد الرواية من المنظور العرفي و الاجتماعي
من الواضح بالطبع أنّ هذا الوصف لا يشمل جميع النساء. فكما يوجد بين الرجال الأفراد الفاسدون و الأفراد الصالحون، كذلك الأمر بين النساء. فالنساء العفيفات، الطاهرات، العالمات، المتقيات، و ذوات الفضيلة، لسن مبعثاتٍ للفساد فحسب، بل هنّ من أعظم الرؤوس الأموال المعنوية للمجتمع.
إنّ الأمثلة الواضحة لهذه الحقيقة هنّ السيدة خديجة (سلام الله عليها) و السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، و السيدة زينب الكبرى (سلام الله عليها)، اللواتي بلغن قمة الإيمان و العقلانية و التقوى و الكمال الإنساني. و من البديهي أنّه لا يمكن مقارنة هؤلاء النساء بالنساء الفاسدات أو العاديات.
مراد الرواية هو بيان غلبةٍ نوعيةٍ؛ أي أنّ البنية العاطفية و المظهرية للمرأة غالباً ما يمكن أن تسبّب فتنةً للرجال، و على الرجال أن يحذروا عند تعاملهم مع النساء من الوقوع في الزلل. حتى إنّه لوحظ أحياناً أنّ بعض أهل العلم قد انحرفوا بسبب العلاقات غير الصحيحة و التدرجية؛ و هي علاقات بدأت بأسئلةٍ تبدو عاديةً و انتهت تدريجياً بالفساد.
۵. خلاصة الدلالة الروائية
و عليه، فإن مفاد الرواية ناظرٌ إلى تحذيرٍ أخلاقي و اجتماعي، لا بيانٌ لحكمٍ فقهيٍّ في باب أهلية النساء لتصدّي المناصب العلمية أو الدينية. هذه الرواية لا تريد القول بأنّ المرأة، بما هي إمرأة، تفتقر إلى العقل أو الفهم أو الكفاءة العلمية؛ بل تريد تنبيه الرجال إلى المخاطر الطبيعية و النفسية للعلاقات غير السليمة.
عدم العمومية: هذه الرواية لا تشمل أبداً جميع النساء، و خاصةً النساء العفيفات، العالمات، و المتقيات. هذه قضيةٌ خارجيةٌ و غالبيةٌ، لا حقيقيةٌ. أي أنها ناظرةٌ إلى الوضع الغالب و الخطر الشائع، لا بيانٌ لحكمٍ ذاتي و كليٍّ عن كلّ امرأة.
من وجهة نظرنا، هذه الرواية أساساً ليست في مقام جعل حكمٍ شرعيٍّ أو نفي كفاءة النساء للمرجعية، أو الإفتاء، أو المناصب العلمية؛ بل هي ناظرةٌ إلى توصيةٍ أخلاقيةٍ و تربويةٍ للرجال، ليحذروا من الانخداع بالمظاهر و العواطف و جاذبيات النساء، و يقعوا في المعصية. و من هنا، إن الاستناد إلى هذه الرواية لنفي مرجعية النساء، غيرُ تامٍّ؛ سواءٌ من حيث السند أو من حيث الدلالة.
• دراسة رواية ««مَا لِلنِّسَاءِ وَ الرَّأْيُ؟» (المرأة و مسألة الجبر والاختيار)
هذه الرواية تتعلّق ببحث الجبر و الاختيار؛ و هو من أعقد مباحث علم الكلام و الفلسفة، و التي وقع فيها حتى كبار الصحابة في إشكال. و مضمونها كالتالي:
«حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ حَدَّثَنِي جِبْرِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُذَاعَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ (ع): إِنَّ امْرَأَتِي تَقُولُ بِقَوْلِ زُرَارَةَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ فِي الِاسْتِطَاعَةِ وَ تَرَى رَأْيَهُمَا، فَقَالَ: مَا لِلنِّسَاءِ وَ الرَّأْيِ؟ وَ الْقَوْلُ لَهَا أَنَّهُمَا لَيْسَا بِشَيْءٍ فِي وِلَايَةٍ. قَالَ: فَجِئْتُ إِلَى امْرَأَتِي فَحَدَّثْتُهَا فَرَجَعَتْ عَنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ».[3]
۱. دراسة سند الرواية:
«محمد بن مسعود» و هو محمد بن مسعود العياشي، و يعدّ من الإماميين الثقات. ثم «عن جبرئيل بن أحمد» الذي لا توجد بشأنه تصريحٌ واضحٌ بالتوثيق، و رغم نقل روايات عنه، إلا أنه لم يوثّق صراحةً. ثم «عن محمد بن عيسي»، و هو من الإماميين و من أجلّاءهم. ثم «عن علي بن الحكم»، و هو علي بن الحكم الأنباري، و من الإماميين و من الأجلاّء. ثم «عن سيف بن عميرة»، و هو أيضاً إمامي و ثقة. ثم «عن عامر بن عبدالله بن جذَاعة»، و هو أيضاً من الإماميين و موثوقٌ به.
بالطبع، في هذا السند، شخصٌ واحدٌ لا يوجد له توثيقٌ صريحٌ، و لكنّ بقية الرواة كلّهم ثقات.
نصّ الرواية و بيان الواقعة:
يقول الراوي: «قال: قلتُ لأبي عبدالله عليه السلام»؛ عامر بن عبدالله بن جذَاعة يقول: قلت للإمام الصادق (عليه السلام): إنّ زوجتي تقول بقول زرارة و محمد بن مسلم في مسألة الاستطاعة (الجبر و الاختيار) و تأخذ برأيهما. فقال (ع): «وَ مَا لِلنِّسَاءِ وَ الرَّأْيُ؟» ما للنساء و الرأي و إبداء النظر في هذه الأمور؟
تبيين سياق صدور الرواية (بحث الجبر و الاختيار):
في كتاب الكافي، بابٌ بعنوان: باب الاستطاعة و الجبر و التفويض. هذا الباب يتعلق بأنّه هل الإنسان مجبَر في أفعاله أم مختار؟ و لنا رواياتٌ مشهورةٌ: «لا جَبْرَ وَ لا تَفْوِيضَ، بَلْ أَمْرٌ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ».
للمحقّق الخراساني في كفايته نقاش حول «السعيد سعيدٌ في بطن أمّه، و الشقي شقي في بطن أمّه»، و يقول هناك: «وصل القلم هنا فكلّ و انكسر» المعبّر بالفارسيّة «قلم اينجا رسيد و سر بشكست» هذه من المسائل العصيبة جدّاً، حتي أنّ العلماء أحياناً يقعون فيها زللاً. لهذا السبب، في حواشي الكفاية، قد أوردت اشكالاتٌ عديدة على المحقّق الخراساني.
خلاصة القول، مسألة الجبر والاختيار، هي مسألةٌ بالغة التعقيد: هل هو جبر؟ أم اختيار؟ وما معني «الأمر بين الأمرين» بالضبط؟ هذا البحث عميقٌ جدّاً من الناحية الفلسفية و الكلامية، لدرجة أنّ زرارة و محمد بن مسلم حسب هذه الرواية، لم يتمكنا من إدراك حقيقته بصورةٍ صحيحة.
۴. تحليل محتوى الرواية:
يقول الراوي: عرضتُ على الإمام الصادق (ع): إنّ زوجتي امرأةٌ تتمسّك بقول زرارة و محمد بن مسلم في مسألة الاستطاعة؛ أي في بحث الجبر و الاختيار، و هل الإنسان قادرٌ على الطاعة أم لا، و هل ذات بعض الأفراد خبثةٌ و ذات البعض الآخر صالحةٌ بالفطرة، تقبل رأي زرارة و محمد بن مسلم.
فقال الإمام الصادق (ع): «وَ مَا لِلنِّسَاءِ وَ الرَّأْيُ؟» ما للنساء و هذه المباحث؟ المرأة مشغولةٌ بتدبير المنزل، وهذا البحث الفلسفي الثقيل الذي يتعلق بالجبر و الاختيار، و ما هي حقيقة الأمر بين الأمرين؟ حتى زرارة ومحمد بن مسلم لم يفهموه بصورةٍ صحيحة؛ فكيف بهذه المرأة أن تبدي رأيها في هذه المسألة؟ ثم قال (ع): قولي لزوجتك إنّ رأي زرارة و محمد بن مسلم في هذه المسألة ليس بصحيح، و إذا أرادت أن تقلد في مسألة الجبر و الاختيار، فلتعلَم أنّهم لم يفهموا هذه المسألة تماماً أيضاً.
يقول الراوي: عدتُ إلى زوجتي و قلتُ لها: سألتُ الإمام الصادق (ع) فقال: ليس عليك تقليد زرارة و محمد بن مسلم في هذه المسألة. فقالت زوجتي: الآن و قد قال الإمام الصادق (ع) إنّ محمد بن مسلم نفسه لم يفهم هذه المسألة، فقد رجعتُ عن هذا الرأي.
۵. دراسة استدلال الفقهاء بالرواية:
هذه القصة تتعلّق بمسألةٍ فلسفيةٍ بالغة الصعوبة، أبدت فيها امرأةٌ رأيها رغم أنّها لم تكن عالمةً و متخصصةً في هذا المجال. يقول الإمام الصادق (عليه السلام): هذه المسألة لا علاقة لها بك؛ لا يمكنك فهم عمق بحث الجبر و التفويض و الأمر بين الأمرين، لأنّ هذا البحث عملٌ صعبٌ جدّاً. استدلّ بعض العلماء بهذه الرواية و قالوا: «وَ مَا لِلنِّسَاءِ وَ الرَّأْيُ» يعني النساء ليس لهنّ رأي، و لا يجب الاعتناء برأيهنّ.
۶. نقد سندي و دلالي علی الرواية:
قال بعض العلماء ردّاً على ذلك: أولاً، من الناحية السندية، الرواية مشكلةٌ؛ لأنّ أحد رواتها لم يوثّق، و ربما الرواية بأسرها من حيث السند ليست معتبرةً، خاصةً و أنّ فيها نوعاً من الإعراض عن زرارة و محمد بن مسلم، اللذين هما من أفقه الصحابة. ثانياً، حتي لو كانت الرواية معتبرةً، فإنّ دلالتها على أنّ النساء المتعلّمات و التقيات و العالمات و ذوات الرأي أيضاً، لا يعتدّ برأيهنّ، ليست تامّةً. هذه الرواية ناظرةٌ إلى امرأةٍ كانت مشغولةً بأمور البيت و ترغب في إبداء رأيها في واحد من أعمق أبحاث الفلسفة؛ في حين أنّ العلماء الكبار لايزالون يعانون من الغموض في حقيقت الجبر و التفويض.
هذا بحثٌ فلسفي عميقٌ جدّاً و لا علاقة له بالمسائل الفقهية أو الحقوقية. أنّ امرأةً عاميةً في البيت لا تستطيع فهم عمق مثل هذا البحث، لا يستلزم بحالٍ أنّ امرأةً إذا تعلّمت و صارت عالمةً و بلغت مرتبة التقوى، تظلّ فاقدةً للفهم و الرأي المعتبر.
و عليه، ففي رأينا، هذه الرواية التي استند إليها فئةٌ من العلماء، ليست دليلاً على نفي مرجعية النساء أو نفي كفاءتهنّ العلمية؛ بل هي ناظرةٌ إلى حالةٍ خاصةٍ أبدت فيها امرأةٌ غير متخصصةٍ رأيها في بحثٍ فلسفي معقّدٍ للغاية، فمنعها الإمام (عليه السلام) من الخوض فيه.