47/07/09
بسم الله الرحمن الرحیم
دراسة الأدلّة الروائیّة النافية لمرجعيّة النساء/مرجعیّة النساء /المرجعیّة و القضاء
الموضوع: المرجعیّة و القضاء/مرجعیّة النساء /دراسة الأدلّة الروائیّة النافية لمرجعيّة النساء
خلاصة الجلسة السابقة: قلنا في الجلسة السابقة إنّ المخالفین قد استندوا إلی روایتین أساسيّتین: ۱. روایة نفي القضاء: «لَیْسَ عَلَى النِّسَاءِ…وَ لَا تَوَلِّي الْقَضَاءِ». إشکال: سند الروایة ضعیف، هذا أوّلاً. و ثانیاً: دلالتها أیضاً مبهمة و یحتمل أن تکون ناظرةً إلی عدم الوجوب، لا الحرمة. و ثالثاً: لا تلازم بین القضاء (و هو أمر إجرائي) و المرجعيّة (و هو أمر علمي). ۲. روایة الرجوع إلی الفقهاء: «مَنْ کَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ...». إشکال: سند هذه الروایة أیضاً ضعیف، هذا أوّلاً. و ثانیاً لیس للفظ «الفقهاء» انصراف ذاتي إلی الرجال، بل یشمل کلّ فقیه.
الحاصل: الأدلّة النقليّة للمخالفین لیست قطعيّةً و مع سقوط هذه الأدلة، یبقی أصل اشتراك التکلیف علی حاله و یحکم العقل بالرجوع إلی الأعلم. بناءاً علی هذا فإن بلغت إمرأة إلی رتبة الاجتهاد و صارت أعلم و أعدل، فلا یبقی مانع شرعي للتقلید منها.
تبیین دلالة روایة «مَنْ كَانَ مِنَ ٱلْفُقَهَاءِ» علی اشتراط الرجولية:
موضوع النقاش في الفقه المعاصر، حول مسألة «مرجعيّة النساء» و دراسة الأدلّة القرآنيّة و الروائيّة في هذه الباب. ثمّ إنّ من الروایات المشير إلیها في الجلسة السابقة، المقبولة التي تبيّن معاییر تقلید الصحیح حیث قال (علیه السلام):«فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ حَافِظاً لِدِينِهِ مُخَالِفاً عَلَى هَوَاهُ مُطِيعاً لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ وَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْضَ فُقَهَاءِ الشِّيعَةِ لَا جَمِيعَهُم ...»[1]
السؤال الأساسيّ هو: إنّ هذا الخطاب (تقلید الناس من الفقهاء) هل هو مختصّ بالرجال من الفقهاء أو یشمل النساء منهم أیضاً؟ إذا کانت إمرأة واجدةً لملکة الفقاهة و کانت ذات صفات «صیانة النفس» و «حفاظة الدین» و «مخالفة النفس»، هل هي مصداق قوله «مَنْ كَانَ مِنَ ٱلْفُقَهَاءِ»؟ یمکن أن یُمثّل لتقریب الذهن بعبارة «مَنْ كَانَ مِنَ ٱلْأَطِبَّاءِ»؛ فمن البديهي أنّ هذا التعبیر یشمل الأطبّاء من الرجال و النساء جمیعاً.
نقد ادّعاء الانصراف الناشي من غلبة الوجود
قد ادّعی بعض الأصوليّین: حیث إنّ غالب الفقهاء من بین الرجال فهذه الروایة منصرفة إلی الرجال. لکن قد ثبت في علم الأصول أنّ کلّ «غالبيّة في الوجود» لا یوجب «الانصراف» الذي یکون مخلّاً بالظهور. لا یوجد هنا انصراف یوجب تحدیدَ معنی اللفظ و المنعَ من انعقاد الاطلاق، فلذا لا یمکن القول بأنّ الفقهاء ظاهر في الرجال.
النقطة الهامّة هنا: أنّه وفقاً لقاعدة «إِثْبَاتُ ٱلشَّيْءِ لَا يَنْفِي مَا عَدَاهُ» إن ثبتت حجّيّة فتوی الرجال من الفقهاء مستنداً إلی هذه الروایة فلا یوجد دلیل علی نفي حجيّة فتوی النساء فشمول هذه الروایة بالنسبة إلی النساء اعتماداً علی ملاکات الظهور غیر قابل للنفي.
تحلیل سیاق الروایة و التقابل بین عوام الشيعة و الیهود
لأجل فهم أدقّ من مقصود الإمام (عَلَيْهِ ٱلصَّلَاةُ وَ ٱلسَّلَامُ)، یجب أن ینظر صدر الروایة. «قَالَ رَجُلٌ لِلصَّادِقِ علیه السلام فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ مِنَ الْيَهُودِ لَا يَعْرِفُونَ الْكِتَابَ إِلَّا بِمَا يَسْمَعُونَهُ مِنْ عُلَمَائِهِمْ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى غَيْرِهِ فَكَيْفَ ذَمَّهُمْ بِتَقْلِيدِهِمْ وَ الْقَبُولِ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَ هَلْ عَوَامُّ الْيَهُودِ إِلَّا كَعَوَامِّنَا يُقَلِّدُونَ عُلَمَاءَهُمْ فَقَالَ علیه السلام بَيْنَ عَوَامِّنَا وَ عُلَمَائِنَا وَ عَوَامِّ الْيَهُودِ وَ عُلَمَائِهِمْ فَرْقٌ مِنْ جِهَةٍ وَ تَسْوِيَةٌ مِنْ جِهَةٍ أَمَّا مِنْ حَيْثُ اسْتَوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ ذَمَّ عَوَامَّنَا بِتَقْلِيدِهِمْ عُلَمَاءَهُمْ كَمَا ذَمَّ عَوَامَّهُمْ وَ أَمَّا مِنْ حَيْثُ افْتَرَقُوا فَلَا قَالَ بَيِّنْ لِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ علیه السلام إِنَّ عَوَامَّ الْيَهُودِ كَانُوا قَدْ عَرَفُوا عُلَمَاءَهُمْ بِالْكَذِبِ الصِّرَاحِ وَ بِأَكْلِ الْحَرَامِ وَ الرِّشَاءِ وَ بِتَغْيِيرِ الْأَحْكَامِ عَنْ وَاجِبِهَا بِالشَّفَاعَاتِ وَ الْعِنَايَاتِ وَ الْمُصَانَعَاتِ وَ عَرَفُوهُمْ بِالتَّعَصُّبِ الشَّدِيدِ الَّذِي يُفَارِقُونَ بِهِ أَدْيَانَهُمْ وَ أَنَّهُمْ إِذَا تَعَصَّبُوا أَزَالُوا حُقُوقَ مَنْ تَعَصَّبُوا عَلَيْهِ وَ أَعْطَوْا مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ تَعَصَّبُوا لَهُ مِنْ أَمْوَالِ غَيْرِهِمْ وَ ظَلَمُوهُمْ مِنْ أَجْلِهِمْ وَ عَرَفُوهُمْ يُقَارِفُونَ الْمُحَرَّمَاتِ وَ اضْطُرُّوا بِمَعَارِفِ قُلُوبِهِمْ إِلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ مَا يَفْعَلُونَهُ فَهُوَ فَاسِقٌ ... فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ حَافِظاً لِدِينِهِ مُخَالِفاً عَلَى هَوَاهُ مُطِيعاً لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ وَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْضَ فُقَهَاءِ الشِّيعَةِ لَا جَمِيعَهُم ...» [2]
ثمّ إنّ ما له الأصالة في هذا التقابل بین علماء الیهود و علماء الشيعة، هو «الصلاحيّة المعنويّة و العلميّة» و لا دخل للجنسيّة (الرجل أو المرأة)، کما أنّ أهل السنّة قد سمّوا الخلفاء و السلاطین «خليفة الله» و یطیعونهم مع ما یرون منهم من الفسق و الفجور.
الفرق الجوهري بین فقه الشيعة و فقه سائر المکاتب
الفرق الأساسي بین الشيعة و بین أهل السنّة و الیهود، هو أنّ «العدالة» و «التقوی» من الشرائط القطعيّة للمرجعيّة عند الشيعة. و لکن في سائر المکاتب لم تکن العدالة شرطاً، بل یقلّدون من العالم الفاسق؛ لکن عند الشيعة فعندما یکذب عالم أو یغتاب أو … یسقط عن المرجعيّة.
فالروایة في مقام بیان «التقوی و العدالة» و أنّه لیس کلّ من علی رأسه عمامةٌ فهو قابل للاتباع؛ فإذا کان المولی في مقام بیان «التقوی» فلا یمکن أن یستفاد من کلامه (علیه السلام) نفي الجنسيّة. برأینا لا خصوصيّة في کون الفقية رجلاً أو إمرأةً، بل المعیار الأساسي هو «الصلاحيّة» (حافظاً لدینه و ...).
قد أشکل بعض بأنّ الإمام (علیه السلام) یقول هذا الکلام لهدایة الشيعة بعد وفات النوّاب الأربعة (الذین هم رجال خاصّةً)؛ و لکن یجب أن یقال إنّ السيرة العمليّة أو القضایا الخارجيّة، لیست مانعةً لإطلاق لفظ «الفقيه».
الضرورة العقليّة للرجوع إلی الأعلم
ثمّ إنّ أقوی الدلیل علی التقلید، دليل «رجوع الجاهل إلی العالم» الذي هو حکم عقلائي و بديهي. إذا ابتُلي شخص بمرض مهلك کالسرطان و خُيّر بین طبيبة أعلم و طبيب غیر أعلم فالعقل یحکم بالرجوع إلی الطبيبة لحفظ النفس و لا دخل للجنسيّة هنا.
هکذا في الأحکام الشرعيّة فإذا افترضنا أن توجد في المستقبل (نظراً إلی ازدیاد النساء في الحوزات العلميّة و انتقاص جمعيّة الرجال الديني بسبب مشاکل المعيشة و رجوعهم إلی القری للزراعة مثلاً) إمرأةٌ «أعلم» و «أعدل» من الرجال جمیعهم، فالعقل یحکم بأن یجب اتّباعها؛ إذ لا یقبل العقل الرجوعَ إلی المفضول (نعم یجب التفکيك بین «الزعامة و القيادة» و «استنباط الحکم و الإفتاء»). برأينا، حیث إنّ فتوی المجتهد مجرّد «طریق» إلی حکم الله الواقعي و المعیار الأساسي هو «العلم» و «التقوی» فلا مدخليّة للجنسيّة في هذا الطریق.
دراسة روایة «قُرَّةُ عَيْنِي ٱلنِّسَاءُ» و نقدها
قد استُنِدَ في بعض المحافل بروایة نُقل فيها أنّ الشیطان (لعنه الله) قال لعیسی (عَلَيْهِ ٱلسَّلَامُ): «قُرَّةُ عَيْنِي ٱلنِّسَاءُ»؛ و أرادوا أن یدمّروا موقع المرأة في المرجعيّة.
برأینا، أوّلاً لا توجد هذه الرواية في الکتب المعتبرة و ثانياً إن سلّمنا صحّة الرواية و لکن یمکن أن تکون هذه الرواية ناظرةً إلی النساء الفاسدات اللاتي هنّ آلات ید الشیطان (لعنه الله)، لا النساء الفقيهات المتديّنات. و ثالثاً قد وردت رواية صحيحة عن رسول الله (صّلی الله علیه و آله):
«مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّزَّازُ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّی الله علیه و آله) قُرَّةُ عَيْنِي النِّسَاءُ وَ رَيْحَانَتِي الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ.»[3] و هذه الرواية تبيّن المکانة العالية للمرأة في لسان الشرع.
رأي الأستاذ: لا موضوعيّة لفتوی المجتهد بل هو طریق إلی حکم الله- تعالی- و علی هذا فإن کان هناك فقيهان إمرأة أعلم و رجل غیر أعلم، و اختلفا في الحکم بالحرمة و الوجوب، یجب أن یُعمل بفتوی الأعلم فلا إشکال في وجوب أخذ حکم الله- تعالی- من المرأة إذا کانت أعلم و أعدل. و الحاصل أنّکم لا تقدرون إثبات عدم قابليّة المرأة للمرجعيّة استناداً بهذه الروایات.