47/07/02
بسم الله الرحمن الرحیم
دراسة الأدلّة الروائیّة/مرجعیّة النساء /المرجعیّة و القضاء
الموضوع: المرجعیّة و القضاء/مرجعیّة النساء /دراسة الأدلّة الروائیّة
خلاصة الجلسة السابقة: قلنا في الجلسة السابقة أنّ مخالفي مرجعيّة النساء یقولون: حیث إنّ المشاورة مع النساء (استناداً إلی بعض الروایات) لیست صحیحةً فمرجعيّتهن لا تکون جائزةً بالأولويّة.
نقد هذا الاستدلال: لا عموميّة لهذه الروایات بل إنّها ناظرة إلی وضعيّة أکثر النساء في المجتمعات السابقة (الفاقدات للعلم و التجربة). توجد في نفس الروایات استثناءات (کقوله: «إلّا من جرّبتَ بکمال عقلها»). تَجعل الروایات الأخری المعیارَ هو العقل و التقوی و تقبل أفضليّة المرأة الفقيهة. و القرآن و التاریخ قد أیّدا المشاورة مع النساء العاقلات.
الحاصل: لا تکون هذه الروایات دلائل متقنةً علی منع مطلق مرجعيّة النساء. و المعیار الأساسيّ هو العلم و الصلاحيّة، لا الجنسيّة.
في سیاق النقاش حول مسألة «مرجعيّة النساء» بعد الدراسة و نقد الأدلّة القرآنيّة، قد وصلنا إلی دراسة الروایات التي قد استند إلیها المخالفون لنفي صلاحيّة النساء للمرجعيّة.
التحلیل السندي و الدلالي لروایة «نفي المناصب للنساء»:
«بِإِسْنَادِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عَمْرٍو وَ أَنَسِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ علیه السلام فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ صلی الله علیه و آله لِعَلِيٍّ علیه السلام قَالَ: يَا عَلِيُّ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ جُمُعَةٌ وَ لَا جَمَاعَةٌ وَ لَا أَذَانٌ وَ إِقَامَةٌ وَ لَا عِيَادَةُ مَرِيضٍ وَ لَا اتِّبَاعُ جَنَازَةٍ وَ لَا هَرْوَلَةٌ بَيْنَ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ- وَ لَا اسْتِلَامُ الْحَجَرِ وَ لَا حَلْقٌ وَ لَا تَوَلِّي الْقَضَاء...»[1]
الف) استدلال المخالفین:
قد تمسّك المخالفون بقوله: «وَ لَا تَوَلِّي الْقَضَاءِ» و هم معتقدون بأن لا حقّ للمرأة في تصدّي منصب القضاء. استدلّوا بأنّ المرأة حیث لا تجوز لها إمامة الجمعة و الجماعة (للرجال) فلا تجوز لها المرجعيّة بالأولويّة أو التلازم.
ب) نقد السند:
هذه الروایة من حیث السند فاقدة للاعتبار؛ إذ رُواته مهملة و السندان اللذانِ قد ذکرا لهذه الروایة کلاهما ضعیفان. فعلی المباني الرجاليّة لا تکون هذه الروایة قابلةً للإسناد.
ج) النقد الدلالي:
هذه القاعدة الأصوليّة التي تقول: «إِذَا جَاءَ الِاحْتِمَالُ بَطَلَ الِاسْتِدْلَالُ»؛ تعني أنّه إذا کانت في معنی الروایة احتمالات عدیدة فلا ینعقد ظهور حتّی یستدلّ به. و في هذه الروایة أیضاً احتمالات عدیدة:
۱. المراد، نفي «الوجوب» و «التأکید»؛ أي إنّ صلاة الجمعة و الجماعة واجبتان علی الرجال وجوباً مؤکّداً مع أنّهما لا تجبان علی النساء.
2. المراد، نفي «صلاحيّة التصدّي» لإمامة الجمعة أو تصدّي القضاء.
و بالنظر إلی هذه الاحتمالات، لا ینعقد ظهور قويّ لهذه الرواية في نفي مطلق الصلاحیّة.
د) دراسة السیاق و القرائن الداخليّة في الروایة
إذا لاحظنا جمیع الفقرات من الروایة، نجد قرائن علی تقوية معنی «نفي الوجوب». جاء في استدامة الروایة: «وَ لَا أَذَانٌ وَ إِقَامَةٌ وَ لَا عِيَادَةُ مَرِيضٍ وَ لَا اتِّبَاعُ جَنَازَةٍ وَ لَا هَرْوَلَةٌ بَيْنَ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ- وَ لَا اسْتِلَامُ الْحَجَرِ وَ لَا حَلْقٌ ...» و من البديهيّ أنّ عیادة المریض أو اتّباع الجنازة لیسا محرّمین علی النساء بل لیس لهما «الوجوب» أو «التأکيد» المختصّان بالرجال. بناءاً علی هذا فإنّ قوله: «لَا تَوَلِّي الْقَضَاءِ» یمکن أن یکون بمعنی عدم الزوم و عدم الوجوب العيني للنساء، لا حرمة تصدّي القضاء لهن.
فعلی هذا إنّ هذه الروایة لم تکن قابلة الإستناد؛ لضعف السند و عدم وضوح الدلالة (أي وجود الاحتمالات العدیدة في المعنی) و لو سلّمنا أنّ الروایة مقبولة و لکن هي مجرّد تعبّد و لا یقاس بباب المرجعيّة.
هـ) اختلاف النسخ و الألفاظ في الروایة
ثمّ إنّ في قوله «وَ لا تَوَلَّی الْقُضَاء» اختلافاً في کلمة «تولَّی» بفتح اللام (صیغة النهي) و نصب «القضاءَ» أو «تولِّي» بکسر اللام (المصدر) و جرّ «القضاءِ»، حیث إذا قرء بالفتح کان فعلاً بمعنی النهي عن تولّي القضاء و أمّا إذا قرء بالکسر کان مصدراً معطوفاً علی اسم «لیس» و کان بمعنی «وَ لَیْسَ عَلَی النِّسَاءِ تَولِّي الْقُضَاءِ» أي لا یجب علیهن تولّي القضاء. و هذا الإبهام یزید في عدم وضوح الدلالة أیضاً.
جاء في نسخة «وسائل الشيعة» (نقلاً عن الخصال) بصورة «لَا تتَوَلَّى الْقَضَاءَ» بصیغة النهي؛ و لکن جاء في «مَنْ لَا يَحْضُرُهُ الْفَقِيهُ» بصورة «لَا تَوَلِّي الْقَضَاءِ» بصیغة المصدر.
برأینا مع وجود هذا الاضطراب في المتن و السند، لا یمکن القول بالصراحة علی حرمة تولّي القضاء للنساء، فضلاً أن نعمّم هذه الحرمة إلی المرجعيّة.
و) تفکیك «القضاء» عن «الفتوی» و مسألة «الرجوع إلی المتخصّص»
لو فرضنا قبول حرمة تولّي القضاء للنساء، فلا تلازم بینها و بین عدم جواز المرجعيّة و الإفتاء. القضاء، منصب یمکن أن لا یُجعل علی عهدة المرأة تعبّداً بسبب لزوم المواجهة مع الرجال و الصعوبات الإجرائيّة و أمّا الفتوی فهو من باب «رجوع غیر المتخصّص إلی المتخصّص» (الرجوع إلی العالم). و إعمال التعبّد هنا بمعنی أن لا یُقاس هذا المورد بموارد أخری. بناءاً علی هذا فلو فرضنا قبول سند الروایة فهذا مجرّد تعبّد من الشارع المقدّس و لا دلیل علی قیاس هذه الموارد (إمامة الجمعة و الجماعة و …) بموارد أخری (المرجعيّة).
برأینا، إنّ المرأة إذا کانت أعلم من الآخرین و کانت أکثر فهماً للاستدلالات و أعمق في الفقه و الأصول، فالعقل حاکم بالرجوع إلیها، و کما أنّ الجنسيّة لیست معیاراً في الرجوع إلی الطبیب الحاذق فکذلك المعیار في المرجعيّة هو التخصّص و الأعلميّة.
استخدام لفظ «رجل» في الروایات و وجه عدم التقیید به
جاء في کثیر من روایات باب التقلید و القضاء، لفظ «رجل» و لکن قد ثبت في الأصول أنّ «إثبات الشيء لا ینفي ما عداه» إنّ قوله «مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ» حیث یشمل المرأة و الرجل معاً، فلا یمکن أن تُقيَّد هذه الروایات بالروایة التي قد ورد فیها لفظ «الرجل»؛ لأنّ کلتیهما مُثبتتان (الحکم فیهما إیجابيّان) و المثبتان لا یقیِّد بعضُهما البعضَ. و ذکرُ لفظِ «الرجل» من باب الغلبة. نحن نحتاج لتقیید الروایات المطلقة إلی الدلیل النافي، لا مجرّد دلیل مُثبِت. و الألفاظ المذکّرة في الأدلّة قد استعملت من باب الغلبة في الاستعمال و وجودِ المصادیق و لا یوجب هذا الاستعمال خصوصيّةً في الحکم.
دراسة روایة «مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ»:
قد جاءت في کتاب «الاحتجاج» روایة مشهورة: «فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ حَافِظاً لِدِينِهِ مُخَالِفاً عَلَى هَوَاهُ مُطِيعاً لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ وَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْضَ فُقَهَاءِ الشِّيعَةِ لَا جَمِيعَهُم…»[2]
الف) شمول هذه الروایة للنساء:
إنّ الضمائر في هذه الروایة و إن کانت راجعةً إلی المذکّر و لکن کما لا یقول أحد أنّ قوله- تعالی: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ یختصّ بالرجال فکذلك لفظ «الفقهاء» یشمل کلّ من له ملکة الاجتهاد سواء کان رجلاً أو إمرأةً. إذا بلغت إمرأة من وجهة نظر العلم إلی أعلی مراتب الفقه و الفقاهة و صارت ذات تألیفات علميّة عدیدة و أیّد العلماء و المراجع اجتهادَها حتّی وصل إلی رتبةٍ رجع إلیها العلماء لأخذ رتبة الاجتهاد، فلـمَ لا یشملها قوله «وَ أَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ…» بمجرّد کونها إمرأةً؟ هل یمکن القول بأنّ «مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ» لا یشملها؟ هذه المرأة متخصّصة جیّدة فلماذا لا یشملها «الفقهاء»؟
علی سبیل المثال، شخصيّة عظیمة کـ «المجتهدة أمین الإصفهاني» التي قد أعطت لبعض المراجع العظام کآیةالله المرعشي النجفي إجازة الاجتهاد.
ب) القضيّة حقيقيّة أو خارجيّة؟
التمییز بین القضيّة الحقيقيّة و الخارجيّة:
یرجع هذا النقاش إلی التمییز بین القضيّة الحقيقيّة و الخارجيّة.
- القضيّة الحقيقيّة: تتعلّق بحقيقة جارية في کلّ زمان و مکان و شرائط.
- القضيّة الخارجيّة: ناظرة إلی مورد خاص و شرائط خاصّة خارجيّة.
برأینا، ما جاء في الروایة فهو من القضایا الحقيقيّة و المعیار هو وصف الفقاهة و هو شامل لکلّ فقیه جامع للشرائط. و لکن إذا اعتبرناها قضيّةً خارجيّةً فمعناها: «في هذه الظروف، فقهاءنا هم الرجال» و لکن إذا استقبلت النساء الدروسَ الحوزويّة و تابَعن الاجتهاد و بَعُد الرجال من الطریق لأسباب (کضیق المعاش) و بلغت إمرأة إلی رتبة الاجتهاد و زادت علماً یوماً فیوماً و صارت أعلم و أفقه من الرجال فماذا تقولون في هذه الحالة؟
ج) إنصراف لفظ «الفقهاء»:
قد استدلّ بعض بأنّ لفظ «الفقهاء» منصرف إلی الرجال و لو بلغت المرأة إلی رتبة أفقه الفقهاء فلا یمشله هذا اللفظ. هذا الانصراف إمّا لغلبة الوجود (حیث کان الفقهاء في الخارج هو الرجال) أو غلبة الاستعمال (حیث قد استعمل لفظ الفقیه في الرجال غالباً).
السؤال هو: هل یمکن أن تکون هذه الغلبة سبباً لانصرافٍ ذاتي و لأن تخرج المرأة بالمرّة من مفهوم «الفقیه»؟
د) دراسة سند الروایة:
یجب الالتفات أوّلاً إلی أنّ هذه الروایة- التي جاءت في کتاب «الاحتجاج» للطبرسي- ضعیفة سنداً و رُواته مهملون و الروایة أیضاً مرسلة. نعم هذه الروایة مشهورة و قد تلقّاها کثیرٌ بالقبول.
الحاصل:
نحن نواجه مسألتین في هذه الروایة:
۱. ضعف السند
2. ضعف الدلالة (من حیث الشمول و عدم شمولها للنساء الفقیهات)
یبدو في هذه الحالة، أنّ الاستدلال بهذه الروایة لنفي صلاحيّة النساء الفقیهات، من الصعب. و سنتابع المباحث المفصّلة في الجلسات الآتیة إن شاء الله.