« قائمة الدروس
بحث الفقه الأستاذ محسن الفقیهی

47/06/25

بسم الله الرحمن الرحیم

دراسة الأدلّة الروائیّة/مرجعیّة النساء /المرجعیّة و القضاء

 

الموضوع: المرجعیّة و القضاء/مرجعیّة النساء /دراسة الأدلّة الروائیّة

خلاصة الجلسة السابقة: قلنا في الجلسة الماضیة إنّ مخالفي مرجعیّة النساء قد استندوا إلی روایتین أساسیّتین:

    1. مقبولة عمر بن حنظلة: «اُنظُروا إِلى‌ مَن كانَ مِنكُم...»؛

يستندون إلى الألفاظ المذكّرة في الرواية، فيستنبطون أنّ القاضي يجب أن يكون رجلاً، و بالتلازم إنّ المرجع يجب أن يكون رجلاً أيضاً. و لکن في هذا الکلام إشکال: أوّلاً، ليس بين القضاء (المحتاج إلى المواجهة) و المرجعيّة (المحتاجة إلى التحقيق) تلازم. ثانياً، الألفاظ المذكّرة لغلبة الرجال في ذلك العصر، و لا تخلق خصوصيّة.

    2. روایة «لن یفلح قوم...»؛ التي تذمّم ملك المرأة (بنت كسرى). إشکال: هذه الرواية ضعيف سنداً، و من المحتمل قویّاً أنّها قضیّة خارجیّة (ناظرة إلی ذلك الواقعة) و تتعلّق بالحكومة، لا بالمرجعيّة.

النتيجة: أدلّة المخالفين النقليّة ليست قطعيةً. الأصل هو الاشتراك في التكليف و الأولوية العلميّة قائمة؛ لذلك إذا وصلت امرأة إلى مرتبة الاجتهاد و الأعلمیّة، فلا يوجد دليل يمنع من تقليدها.

تمّ التدقيق في آيات و روايات في السابق، حول أدلّة المخالفين لمرجعيّة المرأة،. برأینا أنّها لا توجد آية أو رواية تعتبر دليلاً قاطعاً على منع مرجعيّة المرأة. في هذه الجلسة، سنتناول بالنقاش عن مجموعة أخرى من الروايات التي يستند إليها المخالفون لمرجعيّة المرأة و هي روايات النهي عن مشاورة النساء. استدلالهم هو أنّه إذا لم تجز مشاورة النساء، فمن باب أولى أو بالتساوي، لا تجوز مرجعيّتهن.

نصّ روايات النهي عن مشاورة النساء:

وردت روايات عديدة في المصادر الروائيّة للخاصّة و العامّة، نشير إلى بعضها:

    1. رواية منسوبة إلى أمير المؤمنين علي (علیه السلام) في نهج البلاغة:

«وَ إِيَّاكَ‌ وَ مُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّ رَأْيَهُنَّ إِلَى أَفْنٍ وَ عَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْن‌ ...»[1]

الاستدلال هو أنّه إذا لم تجز مشاورة النساء، فمن الأولى أنّها لا تجوز مرجعيّتهن.

    2. روایة إمام الباقر (علیه السلام):

«عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ: لَا تُشَاوِرْهُنَ‌ فِي‌ النَّجْوَى‌ وَ لَا تُطِيعُوهُنَّ فِي ذِي قَرَابَة إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَبِرَتْ ذَهَبَ خَيْرُ شَطْرَيْهَا وَ بَقِيَ شَرُّهُمَا ذَهَبَ جَمَالُهَا وَ عَقِمَ رَحِمُهَا وَ احْتَدَّ لِسَانُهَا وَ إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَبِرَ ذَهَبَ شَرُّ شَطْرَيْهِ وَ بَقِيَ خَيْرُهُمَا ثَبَتَ عَقْلُهُ وَ اسْتَحْكَمَ رَأْيُهُ وَ قَلَّ جَهْلُه‌.»[2]

    3. الروایة عن مشورة النبي (صلّی الله علیه و آله) مع النساء في الحرب:

«كَانَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) إِذَا أَرَادَ الْحَرْبَ دَعَا نِسَاءَهُ فَاسْتَشَارَهُنَّ، ثُمَّ خَالَفَهُنَّ.»[3]

۵. الروایة عن الصادق (علیه السلام):

«عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ‌ مِنْ‌ شِرَارِ نِسَائِكُمْ وَ كُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ وَ لَا تُطِيعُوهُنَّ فِي الْمَعْرُوفِ فَيَدْعُونَكُمْ إلَى الْمُنْكَر...»[4]

هذه الروایة مرسلة.

ملخّص المضمون: هذه الروايات تصف النساء بأنّهن ذوات رأي ضعیف و عزم غير ثابت و القابلات لإفشاء الأسرار و جبانات في الحرب و مُتعصّبات لأقاربهن (و أحياناً معاديات لأقارب الزوج) و تنهي الروایة عن المشاورة و الإطاعة لهن.

القسم الثاني: دراسة أسناد الروایات و دلالتها

الف) دراسة السند

بعض الروایات مرسلة و بعضها مرفوعة أو ضعیفة؛ لکن من وجهة نظر کثرتها في المنابع الأصیلة مثل نهج البلاغة و الکافي، لا یمکن اعتبار کلّ هذه الطائفة مجعولةً.

ب) دراسة الدلالة و تعیین دائرة الروایات

قال المخالفون لمرجعیّة النساء مستندین إلی هذه الروایات: إن کانت المشورة مع النساء (التي هي أمر هیّن) لیست صحیحةً، فالمرجعیّة (التي هي مسؤوليّة ثقیلة) لیست صحیحةً بالأولویّة، و لکن في دلالة هذه الروایات علی نفي مرجعيّة النساء، مناقشات جادّة.

نقد هذا الاستدلال و تحلیله:

المحدودیّة في الموضوع: الروایات الناهية ناظرة إلی الموضوعات الخاصّة من الأسرار الخفيّة و التدابیر الحربيّة و الاحساسات الأسريّة التي تغلب فیها العواطف علی العقول. هذه الأمور لا تتعلّق و لا ترتبط بالمناقشات العلميّة و الاستدلالات الفقهيّة لـ «إمرأة عالمة مجتهدة».

القضيّة خارجيّة: کثیر من هذه النواهي ناظرة إلی خصوص النساء في زمان صدور الروایة (کفتنة عائشة في حرب الجمل) و لا تکون قضيّةً حقيقيّةً حتّی تشمل جمیع النساء.

النقض العملي: في الواقع هناك کثیر من النساء في التاریخ، منها النساء في الدفاع المقدّس، اللاتي قد أرسلن أولادهنّ إلی میادین الحرب مع الشجاعة و الدرایة و کنّ یحمین عن النظام و هذا ناقض لعموميّة هذه الروایات.

وجود الاستثناء و التأکید علی معیار «العقل و التقوی»:

ثمّ إنّ هناك نقطةً مهمّةً و هي ذکر الاستثناء بعد النهي عن مشاورة النساء، حیث قال (علیه السلام): «إِيَّاكَ وَ مُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ إِلَّا مَنْ‌ جَرَّبْتَ‌ بِكَمَالِ‌ عَقْلِهَا...»[5]

هذا الاستثناء یبیّن بالوضوح أنّ حرمة المشاورة، لیست مطلقةً و المعیار الأصلي هو العقل و الدرایة و التجربة و الکمال، لا مجرّد الجنسيّة.

الروایات المعارضة، مؤیّدة للمشاورة مع النساء العاقلات:

هناك روایات أخری تبیّن بالوضوح المعیارَ في المشاورة و لم تلاحظ الجنسيّة:

روایة المشاورة مع العقلاء و أهل الورع: «عن أَبِي عَبْدِاللهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) يَقُولُ‌ اسْتَشِرِ الْعَاقِلَ‌ مِنَ‌ الرِّجَالِ‌ الْوَرِعَ فَإِنَّهُ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِخَيْرٍ وَ إِيَّاكَ وَ الْخِلَافَ فَإِنَّ مُخَالَفَةَ الْوَرِعِ الْعَاقِلِ مَفْسَدَةٌ فِي الدِّينِ وَ الدُّنْيَا.»[6]

تشیر هذه الروایة إلی أنّ المعیار في المشاورة، هو العقل و الورع. و إذا حقّقت هذه الصفات في إمرأة، فما المانع من قبول قولها؟

روایة جواز نیابة المرأة الفقیهة في الحجّ عن الرجال: «وَ عَنْهُ عَنِ الْحُسَيْنِ اللُّؤْلُؤِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُصَادِفٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام أَ تَحجّ الْمَرْأَةُ عَنِ الرَّجُلِ قَالَ نَعَمْ إِذَا كَانَتْ‌ فَقِيهَةً مُسْلِمَةً- وَ كَانَتْ قَدْ حجّتْ رُبَّ امْرَأَةٍ خَيْرٌ مِنْ رَجُلٍ.»[7]

تقبل هذه الروایة بالصراحة، أفضليّة المرأة الفقيهة و المتديّنة علی الرجل في إنفاذ المسؤوليّة الشرعيّة (الحجّ النيابي). و هذا یشیر إلی أنّ المعیار، هو الفقاهة و التديّن، و إذا کان هناك إمرأة فقيهة فإنّ اعتبارها أعلی من اعتبار کثیر من الرجال.

الشواهد التاريخيّة و القرآنيّة علی جواز المشاورة مع النساء اللائقات:

قد ذُکرت في القرآن الکریم مواضع من المشاورة مع النساء أو قبول رأيهن؛ منها:

• المشاورة بین الأب و الأمّ في زمان فطام الصبي عن اللبن، قال الله- تعالی- في سورة البقرة: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾[8]

• في قصّة شعیب (علیه السلام) قد اقترحت بنتاه استیجار موسی (علیه السلام) و قد قبل شعیب (علیه السلام) منهما: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾[9] هذه مشاورة علميّة مقبولة.

• سیرة النبي (صّلی الله علیه و آله): «فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَضِيَّتِهِ قَالَ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا» . فَمَا قَامَ أَحَدٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، اخْرُجْ، وَ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَت َحْلِقَ شَعْرَكَ، فَفَعَلَ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَ حَلَقُوا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا»[10] وقعت هذه القصّة في صلح الحديبيّة و نقلها إبن أثیر في کتابه «الکامل في التاریخ» و هذه الروایة تشیر إلی أنّ المشاورة مع النساء العاقلات، مقبولة.

الحاصل: علی کلّ حال فالمستفاد من مجموع الآیات و الروایات أنّ مشاورة النساء لیست باطلةً بالإطلاق.

الحاصل و الاستنتاج من النقاش:

برأینا، أنّ الاستدلال بالروایات الناهية عن مشاورة النساء للمنع المطلق عن مرجعيّة النساء، لیس تامّاً. دلائل هذا الأمر عبارة عن:

۱. عدم إطلاق الروایات: هذه الروایات، ناظرة إلی الوضع الغالب و العامّ للنساء في المجتمع ذلك الزمان الذي قد حُرمن النساء من التعلیم و التجربة الکافية. و لیست هذه الروایات النافية ناظرةً إلی کلّيّة هذه الصفات لجمیع النساء و ذاتيّة هذه الصفات لـهنّ في جمیع الأزمان.

2. وجود الاستثناء الصریح: في نفس هذه الروایات یوجد استثناء نساء لهنّ کمال العقل و هذا یشیر إلی أنّ الحرمة مشروط بفقدان العقل و التجربة.

3. تأکید الروایات الأخری علی معیار العقل و التقوی: المعیار في المشاورة و کلّ مسؤوليّة أخری، العقل و الورع و الفقاهة و الأمانة، لا الجنسيّة. فإنّ قوله (علیه السلام) «رُبَّ امْرَأَةٍ خَيْرٌ مِنْ رَجُلٍ» یؤکّد هذا بالوضوح.

۴. عدم الملازمة بین المشاورة و المرجعيّة: لو سلّمنا أنّ المشاورة محرّمة مطلقاً مع کلّ إمرأة و لکن لیس هذا دلیلاً علی نفي صلاحيّتها للاجتهاد و استنباط الحکم الشرعي (الذي هو سعي فردي و علمي)، فالمرجع أشبه بالعالم و المـُفتي و لا یشبه بالمشاور.

فعلی هذا، لا تمنع روایات النهي عن المشاورة، جوازَ مرجعيّة النساء الواجدات للشرائط (أي المرأة التي قد بلغت إلی رتبة الاجتهاد و العدالة و التقوی و العقل العملي). غایة الأمر إنّ هذه الروایات مجرّد هدایة و توصية تربويّة اجتماعيّة لمنع المشاورة مع الأشخاص غیر المتخصّصین و غیر المتعهّدین و فاقدي التجارب (سواء فیه الرجل و المرأة). ثمّ بعد سقوط هذه الأدلّة عن الاستدلال، یبقی علی حاله الأصلُ الأوّليُ من الاشتراك في التکلیف و حجیّة قول الأعلم.

إذا بلغت إمرأة في الحال أو في المستقبل إلی مستوی الفقه و العدالة و الأعلميّة فلا توجد محاليّة في صیرورتها مرجعاً للتقلید. و الآن قد کثر استقبال النساء من الدروس الحوزويّة و کثیر منهنّ ذوات الاستعداد و الذاکرة القويّة. برأینا، الروایات الناهية عن المشاورة لا «إطلاق» لها و لا «عموميّة» و لا تمنع من مرجعيّة المرأة التي هي واجدة لشرائط العلم و التقوی.


logo