« قائمة الدروس
بحث الفقه الأستاذ محسن الفقیهی

47/06/18

بسم الله الرحمن الرحیم

دراسة الأدلّة الروائیّة/مرجعیّة النساء /المرجعیّة و القضاء

 

الموضوع: المرجعیّة و القضاء/مرجعیّة النساء / دراسة الأدلّة الروائیّة

خلاصة الجلسة الماضية: قلنا في الجلسة السابقة إنّ مشهور الفقهاء لا يجيزون مرجعيّة النساء، و يستندون إلى رواية أبي خديجة التي أُمر فيها بالرجوع إلى «رجل» (أي الذكر). نقد استدلال المخالفين: 1. عدم الملازمة بين القضاء و المرجعيّة: شروط القضاء (الحاجة إلى المواجهة) تختلف عن شروط المرجعية، و أدلّة التقليد مطلقة. 2. عدم خصوصية كلمة «رجل»: هذه الكلمة استُعملت احتمالاً من باب الغلبة (شيوع قضاء الرجال في ذلك العصر) و لا تختص بالرجال.

النتيجة: هذه الرواية ليست دليلاً قوياً على منع مرجعيّة النساء، و يبقى أصل اشتراك المرأة و الرجل في التكاليف الشرعيّة.

الاستدلال بمقبولة عمر بن حنظلة لحصر القضاء في الرجال

في سياق استمرار البحث الفقهي المعاصر المتعلق بمرجعيّة النساء و الأدلة التي تُقام لإثباتها أو نفيها، سنتناول الآن دراسة إحدى الروايات التي استُدِلَّ بها من قِبَل مخالفِي مرجعية النساء، و هي مقبولة عمر بن حنظلة:

«مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ صَفْوَانَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَ: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ فِي دَيْنٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَتَحَاكَمَا إِلَى السُّلْطَانِ أَوْ إِلَى الْقُضَاةِ أَ يَحِلُّ ذَلِكَ فَقَالَ مَنْ تَحَاكَمَ إِلَى الطَّاغُوتِ فَحَكَمَ لَهُ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ سُحْتاً وَ إِنْ كَانَ حَقُّهُ ثَابِتاً لِأَنَّهُ أَخَذَ بِحُكْمِ الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُكْفَرَ بِهِ قُلْتُ كَيْفَ يَصْنَعَانِ قَالَ انْظُرُوا إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا وَ نَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَ حَرَامِنَا وَ عَرَفَ أَحْكَامَنَا فَارْضَوْا بِهِ حَكَماً فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِماً فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ فَإِنَّمَا بِحُكْمِ اللَّهِ قَدِ اسْتَخَفَّ وَ عَلَيْنَا رَدَّ وَ الرَّادُّ عَلَيْنَا الرَّادُّ عَلَى اللَّهِ وَ هُوَ عَلَى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّه‌»[1] .

دراسة سند المَقْبُولَة

سند هذه الرواية جيّد تقريباً، و إن لم يكن قوياً بنسبة مائة بالمائة، إلّا أنه مقبول، و لذا سُمِّيَت بـ «مَقْبُولَة». (السبب في عدم تسميتها بـ «صحيحة» هو وجود خلاف حول عمر بن حنظلة نفسه؛ حيث عَمِل المشهور بمضمونها و لذلك قَبِلوها).

في طريق الرواية، يوجد محمّد بن يحيى (وهو محمد بن يحيى العطّار، إمامي و ثقة)، و محمد بن الحسين (محمد بن صفّار) و هو إمامي و ثقة و جليل القدر، و محمد بن عيسى و هو إمامي و ثقة و جليل القدر، و صفوان بن يحيى (صفوان بن يحيى البجلي) و هو إمامي و ثقة و جليل القدر و من أصحاب الإجما

أمّا فيما يخصّ بـ داوود بن الحسين (و هو واقفي لكنّه مقبول من حيث الوثاقة) و عمر بن حنظلة، فيوجد خلاف. المحقق الخوئي (رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه) يضعّف عمر بن حنظلة، في حينٍ وثّقه آخرون.

وفي رأينا، فإنّ إشكال المحقق الخوئي ليس قويّاً جداً. فهناك أسباب للتوثيق النسبي لعمر بن حنظلة:

أولاً: إنه روى رواياتٍ كثيرةً عن الأئمة (عَلَيْهِمُ ٱلسَّلَامُ)، و كثرة الرواية عنهم توجب الاعتماد عليه.

ثانياً: روى عنه شخصيّات مثل صفوان بن يحيى (و هو من أصحاب الإجماع) و أبو أيوب الخزاز، و علي بن الحكم الأنْباري، و منصور بن حازم، و عبد الله بن مسكان؛ و نقلُ أصحاب الإجماع عن شخص ما، يوجب توثيقه. لذا، فإنّ هذا الأمر يُعتبر نوعاً من التوثيق الضمني. و لهذا سُميت «مقبولةً» (أي مقبولة العمل بها) من قِبَل جمع من العلماء، و ليست «صحيحة».

بناءً عليه، يمكننا- في رأينا- توثيقه إلى حدّ ما و قبول الرواية، رغم أنّ المحقق الخوئي يرى السند بأكمله ضعيفاً بسبب ضعف أحد أفراد السند (عمر بن حنظلة).

وجه استدلال المخالفين لمرجعية النساء بالمقبولة، يقوم على نقطتين:

١. استخدام عبارة «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ»، حيث إنّ هذه العبارة و الضمير للجمع المذكّر في «مِنْكُمْ» ظاهران في الرجال (أي الذكور) لقرينة الأفعال المذكرة التي تليها. ٢. استخدام الأفعال المذكرة «رَوَى حَدِيثَنَا» و «نَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَ حَرَامِنَا»، التي تدلّ على أنّ القاضي يجب أن يكون مذكراً.

و يقول المخالفون بأنّ المرجعيّة و القضاء متلازمان، أو أنّ المرجعيّة تکون أولى أو مساويةً للقضاء، و عليه، يجب أن يكون المرجع للتقليد مذكراً أيضاً.

نقد الاستدلال بالمقبولة

الإيرادات الواردة على استدلال المخالفين بمقبولة عمر بن حنظلة، حتى مع فرض صحة السند، هي كما يلي:

١. عدم التلازم بين القضاء و الفتوى

لا يوجد تلازم بين الفتوى (المرجعية) و القضاء. في القضاء، يُشترط المواجهة المباشرة مع طرفي الدعوى و الشهود و كثرة الرجال. أمّا في المرجعية و الفتوى، فيجلس المكلَّف (المجتهد) و يراجع الآيات و الروايات و يُفتي و يُصدِر رسالته؛ لذا لا يوجد لزوم للمواجهة الكثيرة مع الناس في الفتوى.

٢. إطلاق الموصول «مَنْ» و عدم اختصاصه بالرجال

يقول المحقق الخوئي (رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ): «و أيضاً استدلوا عليه بمقبولة عمر بن حنظلة المتقدمة حيث ورد فيها: «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا. و قد ظهر الجواب عنها بما بيّناه في الحسنة المتقدمة، مضافاً إلى أنها ضعيفة السند كما مرّ، على أن قوله(عليه السّلام)«من كان» مطلق ولا اختصاص له بالرجال.»[2]

يقول آية الله الخوئي (رحمة الله عليه) إن «مَنْ كَانَ» مطلق و لا يختص بالرجال صراحةً.

فالموصول «مَنْ» يُستعمل للمذكر و المؤنث على حد سواء. ٢. كما أنّ الضمير المذكر في «مِنْكُمْ» ليس قرينةً ضروريةً على الاختصاص بالرجال. ففي كثير من الروايات وردت كلمات مثل «رَجُل» (كما في «رَجُلٌ شَكَّ بَيْنَ ٱلثَّلَاثِ وَ ٱلْأَرْبَعِ») و القصد هو جنس الإنسان، و يتساوى فيه الرجل و المرأة في الحكم. و في هذه الرواية أصلاً لا توجد كلمة «رَجُل»، بل استخدمت فقط «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ».

أما بخصوص الأفعال المذكّرة «رَوَى حَدِيثَنَا»، فبما أنّه كان القضاة في ذلك الزمان غالباً من الذكور و لم يكن هناك قاضٍ مؤنث، جاءت هذه التعابير و لا خصوصيّة فيها؛ و هذه التعابير تؤيد فقط أنّ القضاة في تلك الأزمنة كانوا غالباً من الرجال.

 

في رأينا، بالنظر إلى إطلاق «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ» و عدم اختصاصه بالرجال، فإنّ كلام آية الله الخوئي صحيح، و الاستدلال بهذه الرواية لإثبات حصر المرجعية في الرجال هو استدلال غير سديد.

دراسة رواية صحيح البخاري حول النهي عن تولّي المرأة الأمرَ (مُلك ابنة كسرى)

رواية أخرى استُدلّ بها في هذا السياق هي الرواية التالية، و التي ذُكرت في صحيح البخاري و بحار الأنوار.

«صحيح البخاري بإسناده إلى الحسن بن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبي صلى الله عليه وآله أن فارسا ملكوا ابنة كسرى فقال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة.»[3] [4]

    1. نقد سند الروایة و دلالتها

أولاً: هذه الرواية من حيث السند، غير موثوقة و سندها ضعيف.

ثانياً: هناك إبهام في دلالة الرواية؛ لأنّه يجب أن يتبيّن أنّ هذه القضیّة، قضيّة خارجيّة أم قضيّة حقيقيّة.

     إذا كانت هذه القضية، قضيةً خارجيةً، فإنّها متعلّقة بنفس القضیّة الخاصّة التي تم فيها تنصيب ابنة خسرو برويز ملكةً، و هي ناظرة إلى ذلك القوم و الزمان المحدد فحسب. في هذه الحالة، لا يمكن استخلاص حكم كلّي منها. و شأن صدور هذه الرواية أيضاً ينظر إلى نفس الحالة الخاصة.

     إذا كانت هذه القضية، قضيةً حقيقيةً، فإنّ الحکم الصادر يفيد أنّه في أي زمان و مكان و أي قوم،يولي امرأة رئاستهم فلن يفلحوا.

في رأینا: أنّ هناك احتمالاً قويّاً بأنّ القضيّة كانت قضيّةً خارجيّةً. هذان الإشكالان (ضعف السند و احتمال القضية الخارجية) كافيان لعدم حجيّة هذه الرواية.

ثالثاً: هل هذا الحكم، حكم إرشادي أم حكم مولوي؟

• الحكم الإرشادي يعني توجيهاً لمزيد من الدقّة.

• الحكم المولوي يعني أمراً و نهياً إلزاميّین.

برأینا أنّ هذا الحكم، حكم إرشادي. بمعنى أنّ الله سبحانه وتعالى لم يأمر بطاعةٍ واجبة، بل هو إرشاد إلى أنّكم عندما تريدون إسناد الرئاسة إلى امرأة، يجب أن تفكّروا أكثر و تبذلوا مزيداً من الجهد في معرفة ما إذا كانت مؤهّلةً أم لا. في العديد من المواضع في القرآن و الروایات، كانت هناك نساء تولّين المناصب و كنّ محلّ تأييد أيضاً.

    2. عدم التلازم بین الولایة و الإفتاء

الإشکال الرابع: هذه الروایة وردت في موضوع القیادة و الحکومة (السلطان)، لا في موضوع المرجعیّة و الإفتاء. هناک فارق بین أن یکون الشخص حاکماً (قیادة المجتمع) و بین مسألة المرجعیّة (إصدار الفتاوى). لا یوجد أيّ تلازم بأنه إذا کان شخص ما غیر قادر على أن یکون حاکماً، فإنّه لا یستطیع أن یکون مرجع تقلید أیضاً. نحن نطرح مجرّد بحث الإفتاء فقط، لا الولایة و زعامة المسلمین.

    3. شواهد قرآنية على إمکان حکومة النساء

کانت في القرآن إشارة إلی ملکة سبأ (بلقیس) حیث قال: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَ لَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾[5] . هذه المرأة (ملکة سبأ) لم تکن مسلمةً؛ لکنّه قد کانت مورد تأیید سلیمان (علیه السلام) قد وقع و فی القرآن منها تعریف قد حصل. هذا النموذج یبیّن أنه یمکن للمرأة أن تصیر ذات حکومةٍ و رئاسة و تکون أیضاً مورد تأیید النبي و القرآن. بناء علیه، لا دلیل علی أنّ المرأة لا تستطیع أن تصیر مرجع تقلید.

    4. المکانة العلمیة و الأعلمیة في المرجعیة

یکون نقاشنا في مجرّد ما یتعلّق بالمرجعیة و الإفتاء. إذا کانت امرأة ذات نبوغ و أعلم من الآخرین (من حیث الفهم و الإدراک و الذاکرة و الاستدلالات) و قادرةً على تشخیص حکم الله الواقعی بشکل أفضل، فهل یمکننا القول بأنّه نظراً لکونها امرأة، لن نلتفت إلى کلامها؟

القاعدة العقلیة و النقلیة هی: «اُنْظُرْ إِلَى مَا قَالَ وَ لَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ قَالَ»[6] . إذا کان النقاش حول العلمیة و الموهبة الدراسیة، فلیس لدینا مشکلة؛ لأنّ سیرة الإسلام کانت مبنیّةً على وجوب اتباع البرهان الصادق. إذا وصل مجتهد إلى أنّ فهم امرأةٍ ما و استعدادها و استدلالاتها أقوى و هي أعلم من الآخرین، فما هو المبّرر لعدم الالتفات بها بسبب جنسیّتها، و اتباع شخص مفضول (شخص ذو فضیلة أقل) بدلاً من شخص أفضل (الشخص الأعلم)؟

سنتناول في المباحث القادمة النقاش في الروايات المانعة من مشورة النساء كـرواية «إِيَّاكَ وَ مُشَاوَرَةَ ٱلنِّسَاءِ» و سیناقش سند هذه الروايات و دلالتها ليتبيّن أنّه هل یمکن الاستناد اليها في باب المرجعية أم لا؟


[4] النقطة التي توجد في النص العربي هي أن الجملة «لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل» تتعلق بقائل الحديث (حسن بن أبي بكر) الذي تذكر هذا الكلام في زمن حرب الجمل واستفاد منه. ولكن ذلك «الكلام» الذي استخدمه حسن بن أبي بكر هو نفس الحديث النبوي الذي ذُكر لاحقًا: «لما بلغ النبي… فقال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». و لذلك، ينقل نصّ الحديث أنّ النبي (ص) في زمنه و عندما سمع خبر ملك ابنة كسرى قال ذلك الكلام. حسن بن أبي بكر (الذي كان حاضراً في حرب الجمل) تذكّر كلام النبيّ و استفاد منه في ذلك الوقت (الجمل).
logo