« قائمة الدروس
بحث الفقه الأستاذ محسن الفقیهی

47/06/11

بسم الله الرحمن الرحیم

دراسة الأدلّة الروائیّة/مرجعیّة النساء /المرجعیّة و القضاء

 

الموضوع: المرجعیّة و القضاء/مرجعیّة النساء / دراسة الأدلّة الروائیّة

ملخّص الجلسة السابقة: في الجلسة الماضية قلنا إنّ محور الاستدلال على منع مرجعيّة النساء هو روايتا أبي خديجة اللتان تطرحان شرط «الرجل» في القضاء، و قد سرّى بعضهم هذا الشرط إلى الإفتاء بطريق الأَوْلويّة. و لكنّ كثيراً من الفقهاء لا يقبلون هذا التلازم، لأنّ الإفتاء منصبٌ علميّ لا يحتاج إلى الحضور في ميدان الخصومة، بخلاف القضاء الذي يقتضي ذلك. و بعضهم، كـالشیخ محمد حسين الأصفهاني (رحمه‌الله) يرى الإفتاء قريباً من نقل الحديث الذي لا تُعتَبر فيه الذكوريّة. كما يؤكّد الشهيد المطهري (رحمه‌الله) على الفرق بين المنصبين، مشيراً إلى عدم وجود دليل على اشتراط الرجوليّة في الإفتاء، و يعدّ أعلميّة المرأة موجِبةً لوجوب تقليدها. في المقابل، يرى آية الله الگلبايگاني أنّ الرجوليّة شرطٌ في كلا المقامين.

المبحث الحاضر في الفقه المعاصر يختصّ بمسألة مرجعيّة النساء، و قد وردت فيها عدّة أقوال. القول الأوّل و هو المشهور بين العلماء، أنّ مرجعيّة النساء غير صحيحة، و قد نوقش في هذا المدّعى بالاستدلال بالآيات و الروايات. و بعد النقاش في الآيات، طُرحت رواياتٌ في هذا الباب. و من أهمّ الروايات التي نوقشت في هذا السياق، الرواية المشهورة لأبي خديجة، حيث جاء فيها: «الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الوَشّاء عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِاللَّهِ علیه السلام‌ إِيَّاكُمْ أَنْ يُحَاكِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِلَى أَهْلِ الْجَوْرِ وَ لَكِنِ انْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ يَعْلَمُ شَيْئاً مِنْ قَضَائِنَا فَاجْعَلُوهُ بَيْنَكُمْ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ قَاضِياً فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ.»[1]

تمّت دراسة هذه الرواية من حيث السند، و لم یوجد فيها أيّ إشكالٍ سنديّ. أمّا النقاش الأساسي فهو في دلالتها. يقول الإمام الصادق ‌(عليه الصلاة و السلام)‌ في هذه الرواية: «إِيَّاكُمْ أَنْ يُحَاكِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِلَى أَهْلِ الْجَوْرِ» أي احذروا من الرجوع إلى الظالمين في المحاكمات و القضاء، بل «انْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ». فإن كانت لفظة «رجلٍ» ذات خصوصيّة، أي المقصود بها خصوص الذكر، فمعناها أنّ القاضي يجب أن يكون رجلاً، و لا يجوز أن تكون المرأة قاضيةً. أمّا إذا لم تكن الكلمة ذات خصوصيّة، فيجوز حينئذٍ أن يكون القاضي رجلاً أو امرأة. و من ثمّ فإنّ النقاش الرئيسي هو: هل يمكن اعتبار دلالة الرواية على خصوصيّة الذكورة تامّة أم لا؟

المبحث الأوّل: دراسة الملازمة بين القضاء و المرجعيّة

أوّل ما ينبغي النقاش فیه: هو أنّ هذه الرواية وردت في باب القضاء، و هنا يُطرح السؤال: هل توجد ملازمة بين مسألة القضاء و مسألة المرجعيّة أم لا؟

بعبارةٍ أخرى، إذا ثبت أنّ القاضي يجب أن يكون رجلاً، فهل يلزم بطريق الأولويّة القطعيّة أو على وجه المساواة أن يكون المرجع في التقليد أيضاً رجلاً؟ فإذا ثبتت الأوّليّة، فإنّ هذا الدليل ــ أعني رواية أبي خديجة ــ مع كونها واردةً في باب القضاء، يمكن أن يُستفاد منها أيضاً في باب المرجعيّة، فيُقال إنّ المرجع يجب أن يكون رجلاً كذلك.

رأي عدم الملازمة (رأي الشيخ الأنصاري، و آية الله الخوئي، و الشهید المطهري):

ذُكر أنّ كبار العلماء كآية الله الخوئي، و آية الله المطهري، و جماعة من الفقهاء يرون أنّه لا توجد أيّ أولوية بين باب القضاء و باب المرجعيّة. و وجه ذلك عندهم أنّ القضاء يختلف عن المرجعيّة من جهتين:

    1. المشافهة والمواجهة: في القضاء، لا بدّ من المواجهة و المشافهة مع الرجال؛ فالقاضي ــ إذا كانت امرأةً ــ ينبغي أن تجلس وتستمع إلى كلام الخصمين و الشهود، و غالباً ما يكونون رجالاً، و هذه المواجهة لازمـة في باب القضاء.

    2. انتفاء الحاجة إلى المشافهة في المرجعيّة: أمّا في المرجعيّة، فالمجتهد المرجع يكون جالساً في بيته يبيّن حكم الله تعالى، و الناس يأخذون رسالته العمليّة و يعملون بها، و لا حاجة إلى مشافهة و لا مصافحة، إذ إنّ كثيراً من المقلّدين لم يروا مرجعهم أصلاً.

يقول الشيخ الأنصاري ‌(عليّ الله مقامه الشريف)‌ في ذلك: «ربما يقال باشتراط شروط القضاء في الفتوى أيضا و هو ضعيفٌ؛ لعدم الدليل عليه بحيث يقيّد إطلاق أدلّة التقليد من الكتاب و السنة و معاقد الإجماع.»[2]

قال آیت‌الله خویی (رحمة الله علیه): «لو سلمنا أن القضاء والفتوى من باب واحد. على أنه لم يقم أي دليل على التلازم بينهما ليعتبر في كل منها ما اعتبر في الآخر بوجه.»[3]

قال آیةالله الفاضل اللنکراني (رحمه‌الله): «أنّ‌ الرواية واردة في باب القضاء، ولم يقم دليل على ثبوت الملازمة بينه، وبين باب الإفتاء فضلاً عن الأولويّة، كما لا يخفى.»[4]

قد یری هذه الأکابر أنّه لا تلازم بین مقام الفتوی و مقام القضاء أصلاً؛ یمکن أن تکون لکلّ واحد منهما شرائط خاصّةً به.

المبحث الثاني: دراسة دلالة كلمة ـ«رجل» على الخصوصيّة

«إِيَّاكُمْ أَنْ يُحَاكِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِلَى أَهْلِ الْجَوْرِ وَ لَكِنِ انْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ»

النقطة الثانية هي: هل كلمة «رجل» الواردة في هذه الرواية تدلّ على وجوب الرجوع إلى الرجل حتماً؟ في الإجابة عن هذا السؤال، يوجد رأيان أساسيّان بين كبار العلماء:

أ) القول بالخصوصيّة (الرجل له موضوعيّة): يرى البعض أنّ «رجل» لها خصوصيّة، و أنّ القاضي (و بتبعه المرجع، بناءً على فرض الملازمة) يجب أن يكون رجلاً حتماً. و آية الله الگلبايگاني هو ممّن يرى هذا الرأي، و يعتبر رفع الخصوصيّة عن كلمة «رجل» أمراً صعباً.

ب) القول بالقاء الخصوصيّة (الرجل من باب الأغلبيّة): يرى فريق آخر أنّ «رجل» لا خصوصيّة لها، و لا فرق بين المرأة و الرجل في هذا المقام. و هذا التعبير («رجل») إنّما استُخدم من باب الأغلبيّة و المعهود في الرجوع إلى الرجال في ذلك الزمان.

شواهد القاء الخصوصيّة: إذا راجعنا إلى الروايات، نجد موارد كثيرةً استخدم فيها عنوان «رجل» في الأحكام العامّة؛ مثل الشكّ في الصلاة: «إِذَا شَكَّ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَ الْأَرْبَعِ فَلْيَبْنِ عَلَى الْأَرْبَعِ» في جميع الشكوك في الصلاة (بين اثنتين و ثلاث، أو ثلاث و أربع، إلخ) ذُكرت بصيغة المذكّر. مع أنّه من الواضح أنّ هذا الحكم لا خصوصيّة له بالرجل، و إذا شكّت المرأة أيضاً، فإنّ لها نفس الحكم.

هذا الأمر مبنيّ على أصل «إشتراك التكليف»؛ أي أنّ التكاليف الشرعيّة مشتركة بين المرأة و الرجل، إلاّ في الموارد التي ذُكر فيها حكم خاصّ بالمرأة على وجه الخصوص. و في غالب الأحكام الشرعيّة، حتى لو كانت الضمائر بصيغة المذكّر؛ مثل ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾ أو ﴿وَ ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، لا توجد خصوصيّة بالرجل.

تحليل آية الله الخوئي حول كلمة «رجل»:

يقول آية الله الخوئي (رضوان الله عليه): «أن أخذ عنوان الرجل في موضوع الحكم بالرجوع إنما هو من جهة التقابل بأهل الجور وحكامهم حيث منع(عليه السّلام)عن التحاكم إليهم والغالب المتعارف في القضاء هو الرجولية ولا نستعهد قضاؤه النساء ولو في مورد واحد، فأخذ عنوان الرجولية من باب الغلبة لا من جهة التعبد وحصر القضاوة بالرجال، فلا دلالة للحسنة على أن الرجولية معتبرة في باب القضاء فضلاً عن الدلالة عليها في الإفتاء.»[5]

يقول: إنّ كلمة «رجل» وردت في الرواية لتقابل «أهل الجور». و المقصود هو: لا تراجعوا أهل الجور، بل راجعوا الأفراد العدول منّا (سواء كانوا نساءً أم رجالاً). و يضيف سماحته أنّه لما لم تكن قضاة النساء مطروحةً أصلاً في ذلك الزمان (و لم يكن لنا سابقة و لو في مورد واحد)، فإنّ إيراد الرجوليّة كان من باب الغلبة لا من جهة التعبّد (أي حكم شرعي خاصّ) و حصر القضاء بالرجال.

رأي الشیخ الأعظم الأنصاري (رحمه‌الله):

قال الشیخ الأعظم: «و أمّا طهارة المولد و الذكورة، فقد ادّعى غير واحد عدم الخلاف في اعتبارهما، و لولاه قوي المصير إلى عدم اعتبار الأوّل مع فرض استجماع سائر الشرائط، بل إلى عدم اعتبار الثاني، و إن اشتمل بعض الروايات على ذكر الرجل؛ لإمكان حمله على الورود مورد الغالب، فلا يخصّص به العمومات»[6] .

أي إذا لم يكن هناك إجماع، فالرأي يميل إلى عدم اعتبار الثاني (أي الرجوليّة/الذّكورة). و على الرغم من أنّ بعض الروايات تشمل ذكر «الرجل»، إلاّ أنّ هذا الاحتمال وارد بأنّه استُعمل من باب الغلبة، لأنّ الرجل كان هو القاضي غالباً في ذلك الزمان. بالتالي، لا يمكن لهذه الروايات أنّ تخصّص العمومات التي بيّنت الأحكام للمرأة و الرجل.

المرأی الثاني: إثبات التلازم (آیةالله الگلبایگاني)

يقول آية الله الگلبايگاني: إن الرجوليّة معيار، و إن «رجل» تفيد الخصوصيّة. و هو و مؤيّدوه يرون لزوم الاحتياط و يعتقدون أنّه يجب أن يكون كلّ من القاضي و المرجع مجتهداً ذكراً.

المبحث الثالث: تحلیل ماهیة القضية (الحقیقیّة و الخارجیّة)

نکتة أخرى تُطرح هنا هي مسألة التمييز بين القضية الحقيقية والقضية الخارجية.

القضيّة الحقيقيّة: هي قضية تنطبق على الحقيقة و الواقع، و يُعبّر عن علّتها أحياناً (مثال: الخمر حرام لأنه مُسْكِر). و يكون هذا الحكم صادقاً لكلّ زمان.

القضيّة الخارجيّة: هي قضيّة تتعلق بزمان أو مكان أو موقع خاص. إنّ تشخيص كون القضيّة حقيقيةً أو خارجيّةً هو أمر صعب، و غالباً ما يُحدث تردداً بين العلماء.

أما الآن، فبخصوص رواية أبي خديجة: إذا اعتبرنا عبارة «إِيَّاكُمْ أَنْ يُحَاكِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا إِلَى أَهْلِ الْجَوْرِ» قضية خارجية، فإن نتيجتها هي أن الرجوع إلى «رجل» كان من باب الغلبة أيضاً. و السبب هو أنّه في ذلك الزمان، لم يكن الناس عادةً لديهم نساء قاضيات. و لو كان هناك نساء فاضلات يعملن كقاضيات في ذلك الوقت، لكان الإمام (عليه السلام) قد قال: «انْظُرُوا إِلَى شَخْصٍ» (أي انظروا إلى شخص، سواء كان ذكراً أو أنثى). و لكن إذا اعتبرنا هذا قضيّةً حقيقيّةً، فعندئذٍ تكون للرجولة خصوصية، و ستكون المسألة مختلفةً.

لقد حاول بعض الأعلام تفصيل متى تكون كلمة «رجل» في الروايات ذات خصوصيّة و متى لا تكون كذلك على النحو التالي:

    1. «رجل» بعنوان المُكلَّف: إذا کان فيه الحكم موجهاً نحو «الرجل» بصفته مُكلَّفاً (من يقوم بالتكليف). مثل: «إِذَا شَكَّ الرَّجُلُ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالْأَرْبَعِ فلیبن علی الأکثر». في هذه الحالة، يكون الرجل هو المُكلَّف نفسه. إذا طُرح الرجل بعنوان المُكلَّف، تكون القضية حقيقيةً و لا فرق بين المرأة والرجل (مثل الشك في الصلاة، أو إتلاف مال الغير، أو قتل المسلم).

    2. «رجل» بعنوان الموضوع أو مورد التكليف: إذا کان «الرجل» بعنوان موضوع الحكم (أي الشخص الذي يجب أن يرجع إليه المُكلَّف). في رواية أبي خديجة «انْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ»، المأمورون هم الناس (المُكلَّفون) بالرجوع إلى «الرجل». «الرجل» هنا هو المرجوع إليه، و ليس الراجع و المُكلَّف. في هذه الحالة (عندما يكون الرجل هو الموضوع أو مورد التكليف)، يعتقد البعض أنّه لا يتمّ إلقاء الخصوصيّة، و تكون للرجولة خصوصيّة. و الأمثلة التي يذكرونها تشمل: شهادة الرجل برؤية هلال الشهر (لأنّ الشاهد هو موضوع التكليف) و إمامة الجماعة (لأن إمام الجماعة هو مورد التكليف و يجب أن يرجع إليه المُكلَّفون).

نقد هذا التفصيل:

في رأينا، هذا التفصيل الذي ذكره بعض الأعلام ليس هناك دليل عليه. هذا القول، و لو كان دقيقاً و حسناً، إلّا أنّه لم يُقم عليه أي دليل يوجب أن يقال: كلّ موضع يكون فيه الرجل مُكلَّفاً، فلا خصوصيّة فيه، و كلّ موضع يكون فيه موضوع التكليف، ففيه خصوصيّة. هذا ضرب من الاستحسان، و نحن لا نرى دليلاً عليه.

أصل الاشتراك و الاستنتاج النهائي: الأصل هو اشتراك الأحكام بين المرأة و الرجل، ما لم يثبت خلافه. و لدينا أدلّة أخرى (غير هذه الرواية) لاشتراط الذكورة في إمامة الجماعة، و لكن لا يمكننا الاستفادة من الخصوصيّة من هذه الرواية المذكورة بالذات.

في رأينا، رواية أبي خديجة المشهورة هذه، رغم قبولها من ناحية السند، إلّا أنّه لا يمكننا الاستناد إليها في باب مرجعيّة النساء من ناحية الدلالة:

    1. أولاً، التلازم بين باب القضاء و باب الإفتاء (المرجعية) غير مقبول، كما قال الشيخ الأنصاري و المحقق الخوئي.

    2. ثانياً، ليس من المعلوم أنّ كلمة «رجل» هنا ذات خصوصية. بل ذُكرت «رجل» كمثال و من باب الغلبة (ما كان متعارفاً في ذلك الزمان) و في مقابل أهل الجور (الظالمين). و قد كان للمرحوم المحقق الخوئي نفس هذا الاستنباط.

بناءً على هذه المباحث، لا يمكننا الاستفادة من هذه الرواية بأن المرجعية يجب أن تختص بالرجل حتماً.

 


logo