47/05/27
بسم الله الرحمن الرحیم
دراسة الأدلّة الروائیّة/مرجعیّة النساء /المرجعیّة و القضاء
الموضوع: المرجعیّة و القضاء/مرجعیّة النساء / دراسة الأدلّة الروائیّة
خلاصة الجلسة السابقة
قلنا في الجلسة الماضية إنّ الآية ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾[1] تشير إلى النظرة الجاهلية المهينة تجاه المرأة، و لا تکون هذه الآیة توصیفاً قرآنياً لذات المرأة. لذلك فالاستناد إليها لنفي مرجعية النساء غير تامّ؛ لأنّ: ١) الآية تنقل فقط الاعتقاد الباطل للجاهليّة. ٢) و لو قُبِلَت الصفات المذكورة، فلا تلازم بينها و بين عدم القدرة العلميّة أو الأخلاقيّة على الإفتاء. و قياس الإفتاء على القضاء غير صحيح أیضاً؛ فالقضاء منصبٌ تنفيذيٌّ و مواجهةٌ مع النزاع، أمّا الإفتاء فهو عملٌ علميٌّ و لا ارتباط بينهما. و لهذا السبب يرى الشهيد المطهري أنّه إذا كانت المرأة أعلمَ و أعدلَ، فالتقليد منها واجب. و وفقًا لرأي المحقّق الخوئي، حتى لو كانت الرجولة شرطًا في القضاء، فلا دليل على سريانها إلى الإفتاء.
نقاشنا في الفقه المعاصر يدور حول مرجعية النساء. و بعد بیان الأدلّة المستندة إلى آيات القرآن الكريم على عدم جواز مرجعية النساء و تقديم الجواب عنها؛ ننتقل الآن إلى السبب الثاني لعدم الجواز، و هو الاستناد إلى الروايات. و يجب أن نناقش هل يمكن الاستفادة من الروايات في إثبات أنّ النساء لا يمكن أن يكنّ مراجع للتقليد أم لا؟
۱- الاستدلال بروایة المشهورة لأبي خدیجة
«الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الوَشّاء عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِاللَّهِ علیه السلام إِيَّاكُمْ أَنْ يُحَاكِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِلَى أَهْلِ الْجَوْرِ وَ لَكِنِ انْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ يَعْلَمُ شَيْئاً مِنْ قَضَائِنَا فَاجْعَلُوهُ بَيْنَكُمْ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ قَاضِياً فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ.»[2]
الدليلُ الأول في هذا الباب هو الرواية المشهورة عن أبي خديجة، و سندُها على النحو الآتي:
الحسين بن محمد (و هو الحسين بن محمد بن عامر، إماميٌّ ثقة)، عن معلّى بن محمد (و هو أيضاً إماميٌّ ثقة)، عن الحسن بن علي (وهو الحسن بن علي الوشّاء، إماميٌّ ثقة)، عن أبي خديجة (وهو سالم بن مكرّم، إماميٌّ ثقة).
هذه الرواية صحيحة من حيث السند تقريباً، و إنْ وُجِدت بعض الإشكالات في السند، إلّا أنّها قابلةٌ للجواب، فمثلاً نوقش في بعض الرواة كالحسن بن الوشّاء، مع ذلك ندخل في دراسة الروایة:
«قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِاللَّهِ علیه السلام إِيَّاكُمْ أَنْ يُحَاكِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِلَى أَهْلِ الْجَوْرِ وَ لَكِنِ انْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ يَعْلَمُ شَيْئاً مِنْ قَضَائِنَا فَاجْعَلُوهُ بَيْنَكُمْ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ قَاضِياً فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ»
عبارة «إيّاكم» تعني الاحتراز عن الفعل، أي الابتعاد عن الرجوع إلى «أهل الجور» و هم القضاة المنصوبون من قبل السلاطين الجائرين. و المقصود الأساسي في الرواية هو النهي عن التحاكم إلى أهل الجور، و الدعوة إلى اختيار أهل العدل مقابلهم.
و النقطة المهمّة في هذه الرواية هي قوله عليه السلام: «وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ» أي ابحثوا عن رجلٍ منكم «يَعْلَمُ شَيْئاً مِنْ قَضَائِنَا» و أحکامنا، سواء كان مجتهداً مطلقاً أو متجزّياً (قال بعض أنّ المجتهد المتجزّي یکفي أیضاً)، ثم «فَاجْعَلُوهُ بَيْنَكُمْ» أي أجعلوا قاضیاً بینکم، ثمّ قال الإمام في الاستدامة: «فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ قَاضِياً فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ»
و محلُّ الاستدلال هو قوله «انْظُرُوا إِلَىٰ رَجُلٍ مِنْكُمْ» إذ يُقال: لمـّا ذكر الإمام كلمة «رجل»، دلّ ذلك على أنّ القضاء مختصّ بالرجال، و من ثمّ يُستنتج أنّه إذا لم يجز للمرأة أن تكون قاضياً، فمن الأولی لا يجوز أن تكون مرجعاً للتقليد. و حتى لو لم نقل بالأولويّة و جعلنا القضاء و الإفتاء في رتبةٍ واحدة، فإنّ المرأة لا يجوز أن تكون قاضیاً و بالتالي لا تكون مفتيةً.
الاستدلال بالروایة الثانیة (المشابهة مضموناً للروایة السابقة)
«عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الْجَهْمِ عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو عَبْدِاللَّهِ علیه السلام إِلَى أَصْحَابِنَا فَقَالَ قُلْ لَهُمْ إِيَّاكُمْ إِذَا وَقَعَتْ بَيْنَكُمْ خُصُومَةٌ أَوْ تَدَارَى بَيْنَكُمْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْذِ وَ الْعَطَاءِ أَنْ تَتَحَاكَمُوا إِلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْفُسَّاقِ، اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ رَجُلًا مِمَّنْ قَدْ عَرَفَ حَلَالَنَا وَ حَرَامَنَا فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ قَاضِياً وَ إِيَّاكُمْ أَنْ يُخَاصِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِلَى السُّلْطَانِ الْجَائِر.»[3]
توجد روايةٌ أخرى بنفس المضمون، و سندُها معتبر كذلك، و هي مرويّةٌ عن محمد بن علي بن محبوب و هو إماميٌّ ثقة عن أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري و هو إماميٌّ ثقة عن حسين بن سعيد الأهوازي و هو إماميٌّ ثقة ــ عن أبي الجهم و هو إماميٌّ ثقة عن أبي خديجة و هو نفس الراوي للرواية السابقة.
قال أبو خدیجة: قد بعثني الإمام الصادق (علیه السلام) و قال: قل لأصحابي: «إِيَّاكُمْ إِذَا وَقَعَتْ بَيْنَكُمْ خُصُومَةٌ أَوْ تَدَارَى بَيْنَكُمْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْذِ وَ الْعَطَاءِ أَنْ تَتَحَاكَمُوا إِلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْفُسَّاقِ» بل «اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ رَجُلاً مِمَّنْ قَدْ عَرَفَ حَلَالَنَا وَ حَرَامَنَا» ثمّ استمرّ الإمام في الکلام و قال: «فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ قَاضِياً» (کما في الروایة السابقة). و تؤکّد الروایة أیضاً و یقال: «وَ إِيَّاكُمْ أَنْ يُخَاصِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِلَى السُّلْطَانِ الْجَائِر».
بیان الاستدلال و مسألة الأولویّة (الأولویّة و تساوي منصب القضاء و الإفتاء)
شاهد الاستدلال في كلتا الروايتين هو ذكر كلمة «رجل». و يقول المستدلّون: هذه الروايات تدلّ على أنّ القاضي يجب أن يكون رجلاً، و أنّ المرأة لا يمكن أن تكون قاضيةً. أمّا بالنسبة إلی مسألة مرجعية النساء، فيُعبّر عن الاستدلال بالشكل التالي:
عندما لا يمكن للمرأة أن تكون قاضيةً، فمن الأولى لا يمكن أن تكون مرجعاً للتقليد. أو إذا سلّمنا بتساوِي منصب القضاء و مرجعيّة التقليد من حيث الأهمية، فلا تزال المرأة لا يمكنها أن تكون مرجعاً للتقليد.
یمکن تلخیص الاستدلال في العبارة العلمیّة التالیة: «و من المعلوم أنّ منصب الإفتاء لو لم يكن بأرقى من القضاء، فلا أقل من أنهما متساويان، إذ القضاء أيضاً حكم و إن كان شخصياً و بين اثنين أو جماعة رفعاً للتخاصم، و الفتوى حكم كلّي يبتلي به عامة المسلمين فإذا كانت الرجوليّة معتبرةً في باب القضاء كانت معتبرةً في باب الإفتاء بالاوّلوية»[4] .
النقاش الرجالي حول سالم بن مکرم (أبي خدیجة)
يُذكر هذا البحث السنديّ لغرض تقديم نقطة مفيدة للمستقبل، رغم أنّه غير ضروريّ لدلالة الرواية الآن.
ينقل المحقق الخوئي عن النجاشي أنه وثّق سالماً بن مكرّم (أحد رواة هذا الحديث)، بينما ضعّفه الشيخ الطوسي في موضع و وثّقه في موضع آخر.
فإذا كان الشيخ الطوسي قد ضعّف أوّلاً ثمّ وثّق، فالقول الثاني (التوثيق) هو الصحيح؛ بمعنى أنّ القول الأول كان خطأً. و إذا كان وثّق أوّلاً ثمّ ضعّف، فإنّ معنى ذلك أنّ القول الأول كان خطأً فالرواي الضعيف. و لكن، بما أنّ تاريخ توثيق الشیخ و تضعيفه غير معلوم، وقع التعارض؛ و عليه، يُقدّم قول النجاشي الذي وثّقه، فيبقی بلا معارض. و لهذا، يقبل المحقق الخوئي هذا التوثيق، مع تشدّده في الأسانيد. (هذه إشارة إلى أنّ توثيق النجاشي معيار عند السيد الخوئي، و كون هذا الراوي مذكوراً في رجال كامل الزيارات هو مؤيّد لتوثيقه)؛ لذا، نفترض قبول سند هاتين الروايتين و نركّز على دلالتهما.
الإشکال الأوّل: نقد مسألة التلازم (تلازم القضاء و الإفتاء)
الاعتراض الأوّل على الاستدلال المذكور هو: هل هناك تلازم بين مسألة القضاء و مسألة الفتوى أم لا؟ أي: إذا اشترطت الذكورة في القضاء، فهل يلزم اشتراط الذكورة في مرجعيّة التقليد؟
هنا يوجد اتجاهان رئيسيّان:
الاتجاه الأول: عدم التلازم (المحقق الخوئي)
يقول المحقّق الخوئي: لا يوجد تلازم، و الرجوليّة ليست معياراً. مقام الإفتاء هو «مقام العلم»، أمّا مقام القضاء فهو «مقام المشافَهة و الحضور». المرأة لا يمكنها المشاركة في جميع الدعاوى أو إصدار حكم الإعدام أو الرجم أو تحمّل البلايا الموجودة في القضاء؛ فالنساء لم يُخلقن لذلك. و لكن في مقام العلم و الفتوى، يمكنها أن تجلس في منزلها و تكتب رسالتها و تعرض علمها، فيقلّدها الرجال و النساء على حدٍ سواء. و هذا العمل لا إشكال فيه.
- رأي الشیخ الأنصاري (رحمهالله) في نفي التلازم:
قال الشیخ الأنصاري (أعلی اللهُ مَقَامَهُ الشَّرِيف) في هذا الصدد: «ربما يقال باشتراط شروط القضاء في الفتوى أيضا. و هو ضعيف؛ لعدم الدليل عليه بحيث يقيّد إطلاق أدلّة التقليد من الكتاب و السنة و معاقد الإجماع»[5]
يُقال أحياناً إنّ شروط القضاء مشترطة في الفتوى أيضاً، و لكنّ هذا ضعيف؛ لعدم وجود دليل يقيّد إطلاقات أدلّة جواز التقليد. و يضرب مثالاً: هل اشتراط «طهارة المولد» التي قد تكون شرطاً في القضاء، هي شرط في الفتوى أيضاً؟ مع أنّ هذا الطفل الذي صار عالماً و متديّناً ليس له ذنب في خطأ والديه. كما أنّ شرط الرجولية محلّ النقاش أیضاً. و يُصرّح الشيخ الأنصاري بأنّه لا يوجد لدينا دليل على لزوم الشروط اللازمة في القضاء، في الفتوى أيضاً.
- تأیید المحقّق الخوئي:
قد أکّد المحقّق الخوئي (رحمهالله) هذا و قال: «لو سلّمنا أنّ القضاء و الفتوى من باب واحد. على أنّه لم يقم أيّ دليل على التلازم بينهما ليعتبر في كلّ منها ما اعتبر في الآخر بوجه».[6]
- قال آیةالله الفاضل اللنکراني:
«أنّ الرواية واردة في باب القضاء، ولم يقم دليل على ثبوت الملازمة بينه، وبين باب الإفتاء فضلاً عن الأولويّة، كما لا يخفى. ويمكن الجواب عن الإيراد الأوّل بأنّ ذكر «الرجل» في مقام إلقاء الضابطة الكليّة وإفادة القاعدة العامّة ظاهر في الاختصاص والدخالة، واحتمال كونه أحد المصاديق، أو كون ذكره من باب الغلبة لا مجال له مع ظهور القيد في الاحتراز، كما هو الأصل في باب القيود المأخوذة في الموضوعات. وبالجملة مع احتمال مدخليّة القيد لا وجه لرفع اليد عن الظهور إلّاأن يقوم دليل على العدم، كما في المثال المذكور.
وأمّا الإيراد الثاني: فالظّاهر وروده؛ فإنّ اعتبار الرجوليّة في القاضي الذي يرجع إليه المترافعان - ولازمه تحقّق التشافه - لا دلالة فيه على اعتبارها في المرجع الذي لا يكون المهم إلّاآراؤه ونظراته، وربما تكون مجموعة في رسالة منتشرة لايحتاج المقلِّد إلى الرجوع إلى شخصه طيلة حياته، مع أنّ القاضي لابدّ وأن يكون رجلاً حتى يمكن له حفظ التعادل، ولا يقع متأثّراً عن دعوى المدّعي أو إنكار المنكر، والنساء بعيدة عن المتانة وعدم التأثّر بمراحل، وأين هذا من المرجعيّة التي لا يعتبر فيها شيء من ذلك، فقيام الدليل على اعتبار الرجولية في القاضي لا يلازم الدلالة على اعتبارها في باب الإفتاء بوجه.»[7]
يقول (قدس سره): هذا الاستدلال مردود؛ لأنّ الرواية مرتبطة بباب القضاء، و لا يوجد دليل على ملازمته لـ «باب الإفتاء» فما بالك بالأولويّة. و يوضّح آية الله فاضل اللنكراني أنّه في القضاء يلزم «الـمُشَافَهَة» و«التَّشَافُع»، فالقاضي يجب أن يحضر في المشهد و يستمع إلى أقوال المدعي و المنكر أمامه ليحافظ على توازنه. كما يجب أن يكون القاضي رجلاً ليتمكّن من الحفاظ على توازنه؛ فإذا تولّت المرأة القضاء، قد تتأثر بسرعة و تهيج عواطفها و تتنازل عن الحق، لذا فهي غير مناسبة للقضاء.
أمّا في مرجعيّة التقليد «لَا يَكُونُ الْمُهِمُّ إِلَّا آرَاءُهُ وَ نَظَرِيَّاتُهُ». عمل مرجع التقليد ليس التدخل في الدعاوى و إقامة الحدود كالقتل و الرجم. فهو يجلس في منزله و يُبدي ما استنتجه من الكتاب و السنّة. و قد لا يرى المقلِّد مرجعَه طيلةَ حياتِه. لذا، لا يلزم الرجوع إلى شخص المرجع في مرجعيّة التقليد.
- رأي المحقّق الشیخ محمدحسین الاصفهاني (رحمهالله)نظر مرحوم شیخ محمدحسین اصفهانی
قال في هذا الصدد: «أمّا الذكورة فلا دليل عليها بالخصوص، و ما ورد في باب القضاء من عدم تصدّي المرأة له، و كذلك في الإمامة للرجال، فالحكمة فيهما ظاهرة، و هل حال الفتوى إلاّ كحال الرواية، و لذا يستدل بأدلة حجية الخبر على حجية الفتوى من دون اختصاص لحجية الرواية بالرجال، مع أنّه لا ينبغي الريب في جواز العمل لها برأيها أيضا، و الكلام في مجرد العمل بفتواها لا في تصدّيها لسائر مناصب المجتهد.»[8] .
يُصرِّح (قدس سره) بأنَّ الفتوى مُشابهة للرواية و ليست مُشابهةً للقضاء. فكما أنَّ الرجولة ليست شرطاً في راوي الحديث (إذ يمكن للنساء أن يروين الحديث، كما هو الحال مع السيدة المعصومة عليها السلام)، فهي ليست شرطاً في الفتوى أیضاً.
و يقول: «و َهَلْ حَالُ الْفَتْوَى إِلَّا كَحَالِ الرِّوَايَةِ؟» و لذلك يثبت حجية الفتوى بأدلَّة حُجِّيَّةِ الْخَبَر (أدلة حجية الخبر الواحد). و كما أنَّ حجية الرواية لا تختصّ بالرجال (من دون اختصاص لحُجِّيَّةِ الرِّوَايَةِ بالرِّجَالِ)، فالفتوى كذلك.
نعم، يُشير (قدس سره) إلى أنّه إذا كانت المرجعيّة تتضمّن مناصب أخرى كقيادة المجتمع، فقد لا تكون تلك المناصب مناسبةً للمرأة، و يتعيّن عليها تعيين النائب. أمَّا في مجرد «عَمَلُ بِفَتْوَاهَا» (العمل بفتوى المرأة المجتهدة) فلا نجد دليلاً على المنع، شريطة أن تتوفّر لديها الشروط الأخرى كالعلم و التقوى و الأعلميّة و الأعدلیّة.
- رأي الشهید المطهّري (الفرق الجوهري و الملاحظات الاجتماعیّة)
يؤكّد الشهيد المطهري و يقول: الحقيقة هي أنَّ باب الإفتاء يفترق عن باب القضاء [من حيث دخول المرأة] من ثلاث جهات. إحداها من جهة الأدلّة، حيث يوجد هناك إجماع و ليس هنا إجماع. و كذلك، توجد تلك الروايات الضعيفة هناك، و لکن لیست هنا حتّى تلك الروايات الضعيفة.
و هناك فرق آخر لا يمكن أن يدَّعي أحد بناءً عليه أنّ المرأة يمكن أن تكون قاضيةً في الإسلام، و هو أنّنا متيقّنون بأنّ الإسلام يسعى قدر الإمكان لإبعاد المرأة عن الحالة التي تُسحب فيها إلى المجتمع.(و قد ذكرنا أمراً مشابهاً لهذا في باب الشهادة). لکن یجب هذا إلی حدّ الإمکان، و لا أريد أن أقول إنّه يجب أن يكون الأمر كذلك بشكل قاطع. و لكن الإسلام له عناية بأن يطلب في الموضع الذي يوجد فيه رجل و امرأة و تكون هناك حاجة اجتماعية يمكن لكلاهما القيام بها، أن يقوم بها الرجل و لا تقم بها المرأة، كي يشغلها قدر الإمكان بالأعمال الأسريّة. و الجهة الثالثة هي أن باب القضاء هو قطعاً باب المشاعر؛ فشرط القاضي هو قساوة القلب، مثل «الجَلّاد» و وضع حبل المشنقة، فالمجتمع يحتاج لأشخاص يمسّكون حبل المشنقة عند الضرورة، و يحتاج لأشخاص يجرون الرجم أو الإعدام رمياً بالرصاص عند اللزوم.
فهل الأعمال التي تتعلّق بعواطف الإنسان و يتطلّب مُنفِّذها أن يكون خالياً من العاطفة، يجب حتماً أن تقوم بها المرأة؟! إنّ باب القضاء يحتاج بشدّة إلى أن يكون القاضي خالياً من التأثر، سواء تأثّر الرحمة أو تأثّر الغضب، لأنّه دائماً ما تُعرض على القاضي مواضيع [تثير الشفقة أو] مُغضِبة. و هذا أيضاً مؤيّد لقولنا بأنّ المرأة لا ينبغي أن تنظر إلى منصب القضاء [لنفسها]. و لكن ماذا عن باب الإفتاء؟ باب الإفتاء يرتبط بالعلم فقط. المفتي يجلس في بيته و يفكر و يعمل و يُفتي و يكتب فتواه في رسالته، و على الناس أن يعملوا بها؛ فلا يحتاج إلى النزول إلى المجتمع الكبير و الاشتباك مع الناس، و لا يحتاج إلى قساوة قلب؛ بل يحتاج إلى الفهم.
لذلك، ليس لدينا بالتأکید في باب الإفتاء أيّ دليل على أنّ الإفتاء مقتصر على الرجل. و المرأة إذا كانت مستوفيةً للشروط الأخرى مساويةً للرجل، يمكنها أن تكون مرجع تقليد، و إذا افترضنا وجود امرأة في ظروف معينة، هي أعلم من الرجال و عادلة أيضاً و تتوفّر فيها الشروط الأخرى، فيجب أن نقول بناءً على الأدلّة الفقهيّة إنّ تقليد تلك المرأة جائز بل واجب.[9]
- رأي المحقّق الأردکاني (رحمهالله)
قد أکّد علی هذا الکلام الأردکاني (رحمهالله) و قال: «إنّ تعدّی الحکم من القضاء إلى الإفتاء يحتاج الى الدليل أو العلم بوحدة المناط و هما مفقودان فيکون قياساً مع أنّ عدم القول بالفصل غير القول بعدم الفصل حتّى يکون حجّةً و يتمّ الإجماع المركب.»[10]
المرأي الثاني: إثبات التلازم (آیةالله الگلبایگاني)
يقول آية الله الگلبايگاني: (الرُّجولِيَّة) هي المعيار، و (الرَّجُل) له خصوصية. و هو و أتباعه يرون الاحتياط لازماً، و يعتقدون أنّه يجب أن يكون كلّ من القاضي و مرجع التقليد رجلاً.