47/11/16
16 ذي القعدة 1447
4 أيار 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائة وخمسة وعشرون): عدم دلالة آية ابتلاء أيوب على ما ينافي عصمة النبي أيوب
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾[1] .
فقد يُقال إن هذه الآية تتضمن اعتراف أيوب بأن الشيطان قد مسَّه، مما يعني أن الشيطان قد يمسّ الأنبياء في أنفسهم، وهذا يتنافى مع عصمة الأنبياء. وجه الشبهة الواردة بدلالة هاتين الآيتين أن العصمة لا تجتمع مع سلطة الشياطين والشيطان، فإذا تطرَّق الشيطان إلى قلوب الأنبياء بالوسوسة وألقى همزاته في روعهم، فهذا قد يُقال أنه يتنافى مع مبدأ عصمة الأنبياء.
والجواب إن الرواية المعتبرة الواردة في تفسير هذه الآية دلَّت على أن مسَّ الشيطان لأيوب عليه السلام إنما كان في بدنه لا في دينه وعقله، وأن أيوب عليه السلام لم يرتكب ذنباً فيما ابتُلي به من المصيبات.
ولنذكر بعض الروايات:
الرواية الأولى: صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «إنما كانت بلية أيوب التي ابتُلي بها في الدنيا لنعمةٍ أنعم الله بها عليه فأدَّى شكرها، وكان إبليس في ذلك الزمان لا يحجب دون العرش، فلما صعد عمل أيوب بأداء شكر النعمة حسده إبليس، فقال: يا رب، إن أيوب لم يؤدِّ شكر هذه النعمة إلا بما أعطيته من الدنيا، فلو حُلتَ بينه وبين دنياه ما أدَّى إليك شكر نعمةٍ، فسلِّطني على دنياه حتى تعلم أنه لا يؤدي شكر نعمة. فقال: قد سلَّطتك على دنياه. فلم يدع له دنياه ولا ولداً إلا أهلكه كلّ ذلك وهو يحمد الله عزّ وجل. ثم رجع إليه فقال: يا رب، إن أيوب يعلم أنك ستردّ عليه الدنيا التي أخذتها منه، فسلِّطني على بدنه حتى تعلم أنه لا يؤدي شكر نعمة. قال الله عز وجل: قد سلَّطتك على بدنه ما عدا عينيه وقلبه ولسانه وسمعه. فقال أبو بصير: قال أبو عبد الله عليه السلام: فانقضَّ مبادراً خشية أن تُدركه رحمة الله عز وجل فتحول بينه وبين أيوب، فنفخ في منخريه من نار السموم، فصار جسده نقطاً نقطاً»[2] .
وهذه الرواية واضحة في أن محاولات إبليس إنما نالت من بدن نبيّنا أيوب على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، ولم تنل من قلب أيوب ولا من عينه ولا من لسانه ولا من سمعه، وهذه أهم الحواس في الإدراك: العين الباصرة، والأذن السامعة، والقلب المدرك. وأيوب عليه السلام كان يشكر الله عز وجل على هذا البلاء والابتلاء. إذاً مسَّ إبليسُ أيوبَ في بدنه لا في عقله ولا في قلبه، وهذا لا ينافي عصمة أيوب عليه السلام.
الرواية الثانية: موثَّقة دُرُست الواسطي، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «إن أيوب ابتُلي من غير ذنب»[3] ، فهذه الرواية نصَّت على أن النبي أيوب لم يُذنب.
الرواية الثالثة: رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «ابتُلي أيوب عليه السلام سبع سنين بلا ذنب»[4] .
الرواية الرابعة: مرسل الحسن بن الربيع، عمَّن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «إن الله تبارك وتعالى ابتلى أيوب عليه السلام بلا ذنب، فصبر، حتى عُيِّر، وأنتم لا تصبرون على التعيير»[5] .
فهذه النصوص الأربعة وغيرها تدفع منافاة شبهة ما جرى لأيوب عليه السلام؛ فشبهة أن إبليس والشيطان قد مسَّه، دلَّت هذه الروايات على أن الشيطان قد مسَّه في بدنه ولم يمسَّه في عقله وقلبه ولا في دينه وإيمانه، وأن أيوب لم يرتكب ذنباً فيما ابتُلي به ذنباً، ولم يترك الأَوْلى.
ثم إنه يمكن الجواب عن هذه الشبهة مع غضّ النظر عن هذه الروايات الخاصة، بأن نقول: إن العصمة لا تنافي وسوسة الشيطان وإلقاءه الخطرات الشيطانية في قلوب الأنبياء، بل العصمة وحقيقتها وماهيتها تقتضي أن يعصمهم الله ويحفظهم من الوقوع في الزلة والخطأ والمعصية بعد إلقاء الشيطان ووسوسته.
ولنوضِّح هذه المسألة بمثال: لو سألتَ الإنسانَ المحترم والوجيه في قومه: هل تستطيع أن تخرج إلى الشارع عارياً من دون أي لباس؟ فإنه سيقول: لا أستطيع. فإذا سألته وقلت له: ألا تقدر على ذلك؟ فإنه سيجيب: إنني قادر على الخروج عارياً، لكن لا تطاوعني نفسي وشخصيتي على هكذا فعل. فهنا عدم وقوع الذنب من هذا الوجيه — وهو الخروج عارياً — لا لعدم قدرته على ذلك، فهذا لا يعني سلب القدرة عنه، بل يعني أن الله قد عصمه عن ذلك. والمراد بعصمة الله له ليس بمعنى أن الله قد أجبره على عدم الخروج عارياً، بل بمعنى أن الله قد خلقه بأخلاق تقتضي عدم الخروج عارياً.
فمعنى حفظ الله وصيانته لعبده وعصمته لعبده أن الشيطان يمكن أن يستهدف الأنبياء والمرسلين والأئمة الطاهرين، لكن ليس له عليهم سلطان. فمعنى عصمة الله للأنبياء ليس بمعنى أن الشيطان لا يصل إلى الأنبياء ولا يوسوس إلى الأنبياء، بل الشيطان يعمل على الكل من أنبياء ومعصومين وغيرهم، لكن الأنبياء لديهم حصانة فلا يؤثِّر فيهم، إذ ليس له عليهم سلطان.
وهذا ما تدل عليه الآيات الكريمة، كقوله تعالى في الآية المتقدمة: ﴿فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾[6] ، فالآية في صدرها تقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾[7] ، أي أن الشيطان يمكن أن يوسوس للنبي والرسول، ثم تقول الآية في تتمتها: ﴿فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾[8] ، أي أن ما يلقيه الشيطان في روعغ النبي والرسول لا يؤثِّر، لأن الله قد نسخه وعصم النبي.
ولنقرأ تتمة الآية التي في صدرها تشير إلى أن الشيطان يستهدف الأنبياء والمرسلين ويوسوس لهم وينفذ إليهم، ثم تتمة الآية التي تشير إلى أن نفوذ الشيطان إلى الأنبياء لا يؤثِّر فيهم لأن الله ينسخ ويزيل هذا النفوذ والوسوسة، بل تؤثِّر هذه الوسوسة في خصوص الذين في قلوبهم مرض، ولا تؤثِّر هذه الوسوسة في أصحاب القلوب الطاهرة كالأنبياء والمرسلين عليهم أفضل صلوات المصلِّين.
فلنقرأ الآية الأولى، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾[9] .
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾[10] .
فهذه الآية الثانية تشير إلى أن الشيطان يمسّ الذين اتَّقوا بطائفٍ من شرِّه، لكنهم أهل الذكر فيتذكَّروا فيُبصروا الحقيقة ويُفرِّقون بين النفحة والوسوسة الشيطانية.
إذا تمَّ هذا يتَّضح الجواب على آية أيوب؛ فأيوب عليه السلام يقول كما في الآية الكريمة: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾، أي أن الشيطان استهدف أيوب ومسَّه بالنصب والعذاب في بدنه، لكن الله عز وجل استجاب دعاء أيوب ورفع عنه نصب الشيطان وعذابه، وأزال الله عز وجل عن أيوب سلطة إبليس وعصمه من الوقوع في المعصية والخطأ. ودلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾[11] .
وبهذا التدارك والتطهير تتحقق حقيقة العصمة، كما يشهد له قوله تعالى: ﴿لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ في قضية يونس عليه السلام[12] .
الخلاصة: لو قلنا بأن النبي عصمه الله بمعنى أنه مجبَر على الطاعة ومجبَر على ترك المعصية، وأن إبليس والشيطان لا يؤثِّر فيه، فهنا لا تكون مزيَّة للنبي، لأنه مجبَر على ترك الذنب والمعصية، ولا امتياز له ولا فخر في ذلك. لكن النبي والمعصوم قادر على فعل الذنب لكنه لا يفعل، وهنا تكمن المزيَّة فالنبي والإمام والمعصوم لديه شهوة، وهذا هو الفارق بين الإنسان والملَك والحيوان؛ فالملك عقل محض، والحيوان شهوة محضة، والإنسان مركَّب من العقل والشهوة. فمن غلب عقله شهوتَه ارتقى إلى مستوى أرفع من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله نزل إلى الحضيض: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾[13] .
والنبي والمعصوم بنفسيَّته القدسية والملكوتية فإنه ينتقل من عالم الملك إلى عالم الملكوت بفضل الرياضة النفسانية والنفحات الرحمانية، فالشيطان يسعى للتأثير عليه لكن ليس له سلطان عليهم، وهذا ما يُستفاد من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. فالله عز وجل بمقتضى سنة الابتلاء سلَّط إبليس على جميع الناس بلا استثناء، سلَّط إبليس على الجن والإنس، على الثقلين، وهذا ابتلاء: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، لكن الصالحين وخصوصاً المعصومين عليهم أفضل صلوات المصلِّين، لا يؤثِّر فيهم إبليس.
ولنختم بهذه القصة التي يذكرها الشهيد دستغيب في كتاب الاستعاذة: يقول إن أحد طلاب الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري رأى إبليس وعنده خيوط كثيرة، وبعضها سميكة ومتينة وبعضها ضعيفة، فقال: يا إبليس، ما هذه الحبال؟ فقال: هذه حبائلي أُلقيها على الناس لأجرَّهم إلى المعصية.
قال هذا التلميذ: وما هذا الحبل المتين؟
قال: هذا الحبل ألقيته البارحة على أستاذك الشيخ الأنصاري وأردت أن أجرَّه لكنه قطعه. قال: هذا حبل الشيخ الأنصاري المتين. وأما أنا؟ فقال بالإشارة: أنت لا تحتاج إلى حبل.
فجاء هذا الطالب وقصَّ القصة على الشيخ الأنصاري، فقال الشيخ الأنصاري: صدق إبليس، البارحة زوجتي أصابها الطلق في الولادة واحتجت إلى مبلغ لتوليدها، فأردت أن آخذ من بيت المال.
ومن المعروف أن الشيخ الأنصاري لا يأكل من بيت المال، لا يأكل من الخمس، بل يأكل من الديانة، يعمل المفاتيح للأقفال ويبيعها ويعيش من كد يده. فحينما رأيت زوجتي وقد أتعبها الطلق وخشيت أن تموت، أردت أن آخذ من بيت المال، لكنني تذكَّرت وقلت: إن هذا المال هو أوساخ الناس، وأنا أتوكَّل على الله وأتضرَّع إلى الله، لكي ينقذني من هذه المحنة. فلم يمدَّ يده إلى ذلك المال، ووضعت زوجته بسلام. فكان ذلك تعبيراً عن انقطاع الحبل.
نسأل الله عز وجل أن يربطنا بحبل أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، وأن يقطع حبل وأحابيل إبليس عنا.
شبهة تطرق الشك إلى نبيِّنا في حقانية الوحي يأتي عليها الكلام.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.