« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث التفسیر

47/08/21

بسم الله الرحمن الرحيم

21 شعبان 1447
10 فبراير 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (مائة وثلاثة وعشرون): الوجه الثاني في جواب شبهة منافاة الآيات لعصمة آدم وغيره من الأنبياء عليهم السلام

 

الوجه الثاني في جواب شبهة منافاة الآيات لعصمة آدم وغيره من الأنبياء عليهم السلام: ومفاد الوجه الثاني أنّ ما صدر من الأنبياء ممّا عُبّر عنه في الآيات والروايات بلفظ الذنب أو الإثم أو العصيان أو الزلّة وغير ذلك لا يكون بمعنى الفعل الحرام الموجِب للعقاب كسائر معاصي العباد التي توجب استحقاق العذاب الأخرويّ، بل المراد ما لا يليق بشأنهم، أو لا يرونه في حدّ أنفسهم ولا يرونه من شأنهم أمام محضر الله تبارك وتعالى.

وهذا نظير ومثيل مَن انكسرت رجله فيضطرّ إلى مدّ الرجل أو الاضطجاع أمام أستاذه أو أبيه، فيعتذر لأبيه أو أستاذه كرارًا ومرارًا مع أنّه معذور في مدّ رجله لا سيّما إذا كان عليها جبس، لكنّه يرى هذا الفعل الجائز له قبيحًا أمام أستاذه وأمام أبيه.

وهكذا لو مزح المؤمن بالحلال وضحك وارتفع صوته إلى حدّ القهقهة، أو تكلّم لكن بلفظ غير مناسب أمام أستاذه أو أبيه أو مرجع من مراجع المسلمين، إلّا أنّ هذا اللفظ ليس بمحرّم، فهذه الأفعال ليست بمعصية، لكنّ فاعلها يلتمس العذر ويكرّر ذلك.

وهذا هو حال الأنبياء أمام الله تبارك وتعالى، فهم يستغفرون الله عن كلّ لحظة تمرّ عليهم من دون ذكره تبارك وتعالى. وما يوجد في الآيات والروايات والأدعية من إسناد الذنب والعصيان إلى الأنبياء والأوصياء والأئمّة واستغفارهم يناسب هذا المعنى، وبتعبير علميّ يُعبّر عنه: ترك الأولى، ترك الأفضل.

وقد عقد العلّامة الشيخ محمّد باقر المجلسيّ تحت عنوان «ترك الأولى» بحثًا في الروايات الواردة في هذا المجال وذكرها بشكل مفصّل[1] . والمراد بترك الأولى فعل ما لا يليق بشأنهم ممّا كان تركه أولى لهم، فيرون صدور هذه الأفعال الجائزة منهم في محضر الله ذنبًا وطغيانًا لأنفسهم، فيستغفرون الله ويعتذرون إليه، وهذا الاستغفار موجب للأجر ورفع الدرجة وزيادة القرب من الله، كما أُشير إليه في صحيحة عليّ بن رئاب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يتوب إلى الله ويستغفره في كلّ يوم وليلة مئة مرّة من غير ذنب، إنّ الله يخصّ أولياءه بالمصائب ليؤجرهم عليها من غير ذنب»[2] .

ولنتأمّل في قول الصادق عليه السلام: «ويستغفره في كلّ يوم وليلة مئة مرّة من غير ذنب» فهذا الاستغفار قد صدر من دون ذنب، فهو ليس بمعصية، وإنّما لمزيد القرب إلى الله عزّ وجلّ ورفع الدرجة.

ومثل الأنبياء في محضر الله العظماء والعلماء والفقهاء والقادة الحقيقيّون، كما نشاهد بالوجدان أنّ الشخصيّات الكبيرة والمرموقة والعظيمة مثل العلماء والنجباء والرؤساء، فهؤلاء يجتنبون الأعمال التي لا تليق بشأنهم من الأمور العاديّة، مثل أن يأكل في الطريق يمشي ويأكل، أو يأكل في السوق، أو يثب ويقفز، أو يركض ويعدو، وهكذا حمل الأشياء التافهة أمام مرأى الناس ممّا يوجب المسخرة أو الضحك، فهذا لا يليق بشأن العالم.

فمثلًا لو مشى معمّم في الطريق وهو يلعق آيس كريم أمام الناس فهذا لا يناسب، وإن كان حلالًا لكنّه قد ينافي المروة والمروءة.

فهكذا الأنبياء والأئمّة والأولياء أمام محضر الله تبارك وتعالى لا يشتغلون بالمشتهيات واللذائذ النفسانيّة، وإنّما يتركون ما ينبغي تركه، وهذا ما يُعبّر عنه بالعبارة المشهورة: «حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين». وقد كتب العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ كلامًا جميلًا في تفسير الميزان حول «حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين»[3] ، وأنّ الأنبياء والأئمّة عليهم السلام لا يتركون الأولى، ولو تركوا الأولى لاستغفروا الله تبارك وتعالى.

هذا غاية ما يمكن أن يُقال في الوجه الثاني.

إذاً الوجه الأوّل أنّ معصية آدم كانت في الجنّة ولم تكن في الأرض دار التكليف، وأنّ المعصية كانت قبل النبوّة وليست بعد النبوّة، وأنّ المعصية كانت في الأمور الصغيرة التي لا توجب تنفّر الطباع وهي مغتفرة، بخلاف ما كان بعد نبوّته على الأرض فإنّه لن تصدر منه الصغيرة فضلًا عن الكبيرة، ولم تصدر منه الصغيرة سواء كانت مغتفرة أو لم تكن مغتفرة. لكنّ الوجه الثاني يؤكّد على أنّ «حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين»، وأنّ المراد بهذه الذنوب والمعاصي إنّما هو ترك الأولى وليس ترك الواجب وفعل الحرام، فلا يُراد بهذه المعاصي المعصية والذنب الموجب للإثم والدخول في النار.

لكنّ الوجه الثاني قد يُناقَش بأنّ هذا الوجه وجيه في نظر العقل والعقلاء، لكنّه لا يلائم ما ورد في الآيات والروايات، إذ عبرت بالذنب والمعصية والزلّة، فهل يُطلق على ترك الأولى أنّه ذنب أو معصية؟ هذا أوّلًا.

وثانيًا لا شاهد عليه من النصوص الواردة في المقام. وأمّا ما اشتهر من مقولة أنَّ «حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين» فلم يرد في رواية ولو ضعيفة، ولعلّ المتفوّهين به قد استنبطوه من كلمات المتكلّمين.

والحاصل: إنّ هذا التوجيه الثاني لا ربط له بما ورد في الآيات والروايات من المعصية والذنب، فليس هو ناظر إلى مفاد الجواب الأوّل الذي فصّل بين قبل زمان النبوّة وبعد زمان النبوّة، وبين الصغائر الموهوبة غير الموجبة لاستخفاف فاعلها، وبين الصغائر غير الموهوبة وغير المغتفرة التي توجب استخفاف بفاعلها.

إن أُشكل على هذا الوجه بهذا الإشكال قلنا: العمدة في الوجه الثاني هو القرينة العقليّة، فنحن في الوجه الثاني لا نتمسّك بالدليل النقليّ من آيات أو روايات تدلّ عليه حتّى يُشكل بأنّها لم تدلّ على مقولة «حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين»، بل العمدة في الوجه الثاني هو حكم العقل.

فالعقل بعد علمه بأنّ أنبياء الله قد اصطفاهم الله وبعثهم لمنصب النبوّة، وأنّ النبيّ لا بدّ أن يكون معصومًا، ويحكم العقل بلزوم عصمة النبيّ قبل نبوّته فضلًا عمّا بعد نبوّته، لأنّه لو كان النبيّ يخطئ أو يسهو أو يشتبه أو يذنب الذنب الصغير قبل بعثته ونبوّته، فهنا لن يحصل اطمئنان للعباد في قبول التعاليم منه، فلعلّه كما أخطأ قبل نبوّته قد أخطأ بعد نبوته. فحينئذٍ يحكم العقل بلزوم عصمة جميع الأنبياء والمرسلين عليهم أفضل صلوات المصلّين قبل بعثتهم فضلاً عما بعد بعثتهم.

إلّا أن يُقال: قام الدليل النقليّ على أنّ الله قد عصمهم بعد بعثتهم، فهنا قد يُحكم بأنّ النبيّ والرسول الذي أخلصه الله واصطفاه الله للنبوّة أو الرسالة فإنّه لن يذنب بعدها أبدًا. لكنّ العاقل والعقلاء إذا رأوا من شخص ذنبًا أو زلّة قبل نبوّته، فإنّ صدور هكذا ذنب منه قد يوجب التشكيك في أصل نبوّته.

إذاً يحكم العقل بلزوم عصمة الأنبياء قبل بعثتهم وبعد بعثتهم، ويحكم بعدم نسيانهم أو خطئهم أو زلّتهم وعدم صدور المعصية منهم.

إلّا أنّه إذا علم العقل ببعثة نبيّ باصطفاء الله وجعله ونصبه تعالى له يقطع بكونه معصومًا، إذ يحكم العقل بقبح بعثة النبيّ الذي ليس بمعصوم، ويرى استحالة صدور القبيح من الله الحكيم. ففي زمن الرسالة لا يُحتمل صدور المعصية والخطأ، بل ولا عروض النسيان على مَن بعثه الله نبيًّا أو إمامًا إلى العباد.

وقد يُناقَش في تماميّة هذا الوجه في حقّ جميع الأنبياء ويُطرح هذا الإشكال، وهو أنّ هذا الوجه إنّما يتمّ بالنسبة إلى الأنبياء الذين نُسب إليهم الزلة أو المعصية أو الظلم قبل النبوّة، ولا يتمّ بالنسبة إلى الذين نُسب إليهم ذلك بعد النبوّة. ففي الكثير من الآيات أُسند الذنب والظلم والعصيان إلى النبيّ في زمان نبوّته، كما في قوله تعالى في حقّ نبيّ الله يونس إذ بعثه إلى القوم ولم يقبلوا دعوته فخرج غضبانًا، وعبّرت عنه الآية: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[4] ، إذ ذهب يونس إلى البحر مغاضبًا من قومه، ونداؤه في بطن الحوت إنّما كان بعد مضيّ زمن من نبوّته وبعثته.

كما يمكن الإشكال بقوله تعالى مخاطبًا نبيّنا محمّدًا صلّى الله عليه وآله بقوله: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾[5] ، وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾[6] . ففي هاتين الآيتين خطاب إلى نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وآله في زمن نبوّته.

لكنّ هذا الإشكال لا يرد، إذ أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله له حقّ الإذن حتّى قبل أن يتبيّن، وفي هذه الآية مدح لرسول الله صلّى الله عليه وآله لشفقته وعطفه وحنانه على الأمّة. هذا من قبيل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾[7] ، يعني النبيّ يصدّق كلّ ما يقولون، فهو مثل الأذن تلقف كلّ ما تسمع، فهم عيّروا النبيّ صلّى الله عليه وآله: أنت أذن! كما أنّ الأذن تلقف كلّ ما تسمع، أنت أيضًا تصدّق كلّ ما تسمع، فمدحه الله فقال: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾، يعني هو من رحمته، رحمة النبيّ التي هي من رحمة الله، أنّه يقبل منكم، هذا لا بمعنى أنّه يصدّقكم ولكن يداريكم، فيحقّ له أن يسمع منكم.

هنا في الآية أيضًا يحقّ له أن يأذن لهم قبل أن يعرف الصادق من الكاذب، والله عزّ وجلّ أثنى عليه. وهكذا في قوله تعالى: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، أي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله يرى أنّه دائمًا مقصّر في حقّ الله، وهذا دلّت عليه الروايات والشواهد التاريخيّة، إذ جاء أنّه دخلوا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وقد تورّمت قدماه من كثرة العبادة، فقيل له: هوّن عليك، أوَلم يغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»، أي أنّه بالنظر إلى نعمة الله وإنعام الله على عبده محمّد رسول الله صلّى الله عليه وآله، هذه العبادة لا شيء أمام نعماء الله والذي يستحقّ الشكر.

الخلاصة: يمكن قبول الوجه الثاني وهو تامّ، وتماميّته بحكم العقل، فيُحمل ظاهر الآيات المعبّرة بالذنب والزلّة وما شاكل ذلك كالمعصية على ترك الأولى، إذ أن «حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين». هذا تمام الكلام في بيان الجوابين على شبهة أنّ بعض الآيات تنافي عصمة الأنبياء، والصحيح هو القول بعصمة الأنبياء.

وهذه قاعدة عامّة: إذا جاءنا دليل عقليّ قطعيّ وجاء على خلافه ظاهرٌ لفظيّ من آيات أو روايات، وجب تأويل الظاهر على ما يوافق حكم العقل القطعيّ. مثال ذلك: دلّ الدليل القطعي على أنّ الله ليس بجسم، إذ أن الجسم يحتاج إلى حيّز، والله غنيّ وليس بمحتاج، فالله ليس بجسم. من هنا ينبغي تأويل الآيات التي ظاهرها أنّ الله جسم، كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾[8] ، أي وجاءت رحمة ربّك. وهكذا ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾[9] ، الظاهر في جلوس الشخص على الكرسيّ، فهنا المراد بالاستواء الاستيلاء، والمراد بالعرش والكرسيّ ليس هو الكرسيّ الماديّ، بل مركز التحكّم والسيطرة على العالم، ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾[10] ، أي أنّ الله سيطر على مقدّرات العالم والكون، بالاستيلاء والسيطرة على مركز التحكّم. وهكذا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾[11] ، أي عن قدرةٍ.

فالآيات التي ظاهرها التجسيم والتشبيه يجب رفع اليد عن ظاهرها لأنّها مخالفة للدليل القطعيّ الدالّ على أنّ الله ليس بجسم. وهكذا الآيات التي ظاهرها نسبة الذنب والمعصية والخطأ والزلّة إلى الأنبياء ينبغي رفع اليد عن ظاهرها لأنّها تتنافى مع حكم العقل القطعيّ بعصمة الأنبياء، فيُحمل لفظ الذنب أو المعصية على ترك الأولى، إذ أن «حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين». والله العالم بالصواب، وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

 


[1] . بحار الأنوار (العلّامة المجلسيّ): ج11/ص155-203.
[2] . الكافي (الكلينيّ): ج2/ص450/ح2.
[3] . تفسير الميزان (السيّد الطباطبائيّ): ج6/ص365-367.
[4] . سورة الأنبياء: الآية 87.
[5] . سورة الفتح: الآية 2.
[6] . سورة التوبة: الآية 43.
[7] . سورة التوبة: الآية 61.
[8] . سورة الفجر: الآية 22.
[9] . سورة طه: 5.
[10] . سورة طه: 5.
[11] . سورة القلم: ٤٢.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo