47/08/18
18 شعبان 1447
7 فبراير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائة وواحد وعشرون): النكات التفسيرية المستفادة من الطوائف الثلاث الواردة في تفسير الآية (35) من سورة البقرة
توجد عدة نكات تفسيرية تُستفاد من مجموع الطوائف الثلاث، وهذه الطوائف فيها روايات معتبرة كما في الطائفة الأولى، وفيها روايات غير معتبرة كما في الطائفة الثانية، ومن هنا يمكن تقسيم النكات إلى قسمين: القسم الأول النكات المستفادة من الروايات المعتبرة أو التي يمكن اعتبارها، القسم الثاني النكات المستفادة من الروايات غير المعتبرة. وقد ذكر سماحة آية الله الشيخ علي أكبر السيفي المازندراني في كتابه[1] اثنتي عشرة نكتة تُستفاد من الروايات المعتبرة، وعشر نكات تُستفاد من الروايات غير المعتبرة، ونذكرها تباعًا تبعًا لما ذكره حفظه الله مع بيان رأينا في ذلك.
القسم الأول: النكات المستفادة من الروايات الصحيحة والمعتبرة أو التي يمكن أن يُدَّعى اعتبارها.
النكتة الأولى: يُستفاد من عدة روايات صحيحة ومستفيضة أن جنة آدم عليه السلام كانت من جنان غير الدنيا، كما في صحيحة ابن أبي عمير ومعتبرة العسكري بناءً على اعتبارها، وصحيحة عبد السلام بن صالح الهروي المعروف بأبي الصلت الهروي.
لكن هذه الروايات الصحيحة الواردة في الطائفة الأولى التي ظاهرها أن جنة آدم ليست من جنان الدنيا تعارض روايات الطائفة الثانية التي صرَّحت بأن جنة آدم من جنان الدنيا، ولو كانت من جنان الآخرة لم يخرج منها أبدًا، وأن إبليس لا سبيل له إلى جنة الآخرة، وهذا ما يُستفاد من صدر مرفوعة إبراهيم بن هاشم عن الإمام الصادق عليه السلام ورواية الحسن بن بسام ورواية الحسين بن ميسَّر، فهي تدل بالصراحة على أن جنة آدم ليست من جنان الآخرة بل من جنة الدنيا.
لكن روايات الطائفة الثانية كلها ضعيفة السند فتُقدَّم روايات الطائفة الأولى، فنميل إلى أن جنة آدم من جنان السماء، إما هي جنة الخلد وإما هي جنة في السماء غير جنة الخلد، فلو قلنا إن جنة الخلد فيها تخليد بشكل مطلق وأن كل من يدخلها يخلد فيها ولا يخرج منها، فحينئذ يتعيَّن أن نلتزم بما ذهب إليه صاحب الميزان من أن جنة آدم جنة في السماء لم تكن من جنان الخلد، وأما إذا التزمنا بالتفصيل وقلنا إن جنة الخلد يخلد فيها من اجتاز الحساب والكتاب، وأما من مرَّ فيها من دون عالم الحساب والكتاب وهو اليوم الآخر فإن له أن يخرج منها كما هو الحال بالنسبة إلى روايات الإسراء والمعراج، وأن النبي محمدًا صلى الله عليه وآله قد دخل الجنة ورأى النار، فهذا الدخول والخروج لمن لم يجتز عالم الحساب والكتاب، وأما من اجتاز عالم الحساب والكتاب فإنه يخلد في الجنة أو يخلد في النار ولا يخرج منهما، فبناءً على هذا التفصيل يمكن الالتزام بأن جنة آدم هي جنة الخلد، إذ هي جنة الخلد لمن اجتاز عالم الابتلاء وعالم الحساب والكتاب، فيكون آدم قد دخلها قبل اجتيازه لعالم القيامة وعالم الحساب والكتاب، ولا مانع من خروجه منها، والله العالم.
النكتة الثانية: أن الشجرة التي نُهي آدم عن الاقتراب منها والأكل من ثمارها إنما كانت شجرة علم محمد وآل محمد المعصومين عليهم السلام لكونها مختصة بهم صلوات الله عليهم في مشيئة الله وتقديره تعالى، فقد منع سبحانه وتعالى غير النبي وآله من هذا العلم، وهي شجرة من غير سنخ سائر أشجار جنة آدم عليه السلام؛ لأنها تحمل مختلف الثمار، ومن تناول منها ألهمه الله علم الأولين والآخرين.
ولا يخفى أن مثل هذه الشجرة لا وجود لها بين أشجار الدنيا، وهذا يلائم كون جنة آدم جنة الخلد أو من جنان السماء لا من جنان الأرض، إلا أن تُحمل الجنة هنا على الجنة البرزخية كما يُقال بالنسبة إلى جنة وادي السلام التي يدخل إليها المؤمن بعد الموت، ويدخل فيها كل من محض الإيمان والشهداء في سبيل الله على ما ورد في الرواية.
فإذا حُملت الجنة على الجنة البرزخية كما ذهب إلى ذلك الشيخ جوادي الآملي حفظه الله، فحينئذ يقع الكلام في كيفية تناول النبي والأئمة من هذه الشجرة، فهل أكلوا منها بقوام الجسمية أم بأمر آخر يتناسب مع عالم البرزخ؟ وحينئذ يُردُّ علم ذلك إلى الله والنبي والأئمة عليهم السلام.
النكتة الثالثة: بدأ الشيطان بالوسوسة إلى آدم عليه السلام باختفائه بين لحيَي حيَّة، فكان آدم يظن أن الحية هي التي تخاطبه وتكلِّمه وردَّها آدم بالمحاجَّة والجدل معها، ثم وسوس الشيطان لحواء بذلك النحو أيضًا من خلال الدخول في الحية، وحاولت حواء التناول من الشجرة وقامت الملائكة بدفعها، لكن الله عز وجل أمر الملائكة ومنعهم من دفع حواء وأمرهم بإيكال حواء إلى نفسها وعقلها واختيارها، أي لا يوجد منع تكويني، فتناولت حواء من تلك الشجرة بزعم أن منع الله الملائكة عن دفعها كان لأجل تحليل ما حُرِّم عليهما من أكل ثمار الشجرة، ومن هنا دعت حواء آدم إلى الأكل من الشجرة لأنها أُحلَّت لهما، وقد استدلَّت بتحليل أكلها، ومن هنا اغترَّ آدم فتناول من الشجرة، فوقع في مصيبة الحرمان من الجنة والهبوط إلى الأرض.
النكتة الرابعة: إن السرَّ في أمر الله عز وجل للملائكة بالسجود لآدم هو اشتمال آدم على أنوار محمد وآل محمد وخيار الأمة.
النكتة الخامسة: إن اللياقة الموجودة في تعظيم آدم والسجود له والخضوع له هذه اللياقة ثابتة في حق أئمة أهل البيت عليهم السلام؛ لأنهم هم اللائقون للتوسط في علم وصي النبي علي أمير المؤمنين عليه السلام، وأن الأئمة محضوا مودَّة علي وتحمَّلوا المكاره والمصائب، فالنكتة التي توجب تعظيم آدم موجودة في الأئمة من نسل علي بن أبي طالب عليهم السلام.
النكتة السادسة: كانت معصية إبليس التكبُّر على آدم، وكانت معصية آدم الأكل من الشجرة التي نُهي عنها، لكن آدم تاب وتواضع وقبل الله توبته، ومن هنا لم يهلك وفاز بمقام النبوة، بخلاف إبليس فإنه لم يتب بل تمرَّد.
النكتة السابعة: إن مدة بقاء آدم وحواء في الجنة سبع ساعات من ساعات الدنيا، ومن بعدها هبطا إلى الأرض، وقد دلَّت النصوص المستفيضة على أن الله يُمهل العبد العاصي إلى سبع ساعات، فلو تاب قبل مضي سبع ساعات لم يُكتب عليه، يُراجَع الكافي للكليني[2] .
النكتة الثامنة: إن أشجار جنة آدم من غير سنخ أشجار الدنيا لأن أشجار جنة آدم تحمل عدة أنواع من الثمار.
النكتة التاسعة: إن الله عز وجل نهى آدم وحواء أن ينظرا إلى منزلة النبي وأهل بيته، فنهاهما عن الحسد، والمراد بالحسد ليس تمني زوال نعمة الغير هنا بل المراد بحسد آدم وحواء هو تمني منزلة النبي محمد ومنزلة السيدة فاطمة الزهراء، والسرُّ في النهي عن التمني أن آدم لن يبلغ منزلة النبي وأن حواء لن تبلغ منزلة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، لذلك لم يتمنَّ الأنبياء الذين جاؤوا بعد آدم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله لعلمهم بأنهم لن يصلوا إليها.
النكتة العاشرة: إن معصية آدم كانت معلومة لله قبل ارتكابه، ففي علم الله كان يعلم أن آدم سيرتكب هذه الخطيئة، فنهاه نهيًا تشريعيًا لا تكوينيًا.
النكتة الحادية عشرة: إنَّ آدم حين المعصية نسي الله وغفل عن عهده، وكان ذلك باختياره واشتغالة بالجنة واغتراره، فحصلت له الزلة بوسوسة الشيطان إبليس.
النكتة الثانية عشرة والأخيرة: ولادة هابيل وأخته كتوأمين من أكل آدم ثمرة الشجرة المنهية.
هذا تمام الكلام في بيان اثنتي عشرة نكتة تُستفاد من الروايات الصحيحة أو التي قد يُدَّعى أنها معتبرة، هذا القسم الأول.
القسم الثاني: النكات التفسيرية التي تستفاد من سائر الروايات أي الروايات الضعيفة وغير المعتبرة، وهنا نكات عشر:
النكتة الأولى: كون هبوط آدم وحواء على صخرة الصفا والمروة بعد الزلة والتوبة، فحينما هبط آدم إلى الأرض هبط على جبل الصفا، وهبطت حواء على جبل المروة.
النكتة الثانية: إنما سُمِّيت الصخرة التي هبط عليها آدم بالصفا لهبوط آدم صفوة الله عليها، وسُمِّيت الصخرة التي هبطت عليها حواء بالمروة لهبوط المرأة عليها، وهاتان النكتتان تُستفادان من مرفوعة إبراهيم بن هاشم.
النكتة الثالثة: إن الله أمر إبليس بالسجود لآدم وهذا أمر تشريعي، ولكن لم تتعلَّق مشيئته التكوينية بأن يسجد، وإلا لامتنع تمرُّد إبليس عن إرادة الله التكوينية التي هي أن يقول للشيء كن فيكون، فلو كانت إرادة الله التكوينية اقتضت أن يسجد إبليس لآدم لسجد، وكذلك الأمر والقضية بالنسبة لنهيه آدم وحواء عن الأكل من الشجرة، فهذا نهي تشريعي إما مولوي وإما إرشادي، وليس نهيًا تكوينيًا، ولو نهاهما نهيًا تكوينيًا لما تمكَّنا من الأكل من الشجرة، وهذه النكتة تُستفاد من رواية عبد الله بن سنان والجرجاني وغيرهما.
النكتة الرابعة: إن الشجرة المنهية كانت هي شجرة الحنطة لكنها من غير جنس شجر الدنيا، بل كان عليها مختلف أنواع الثمار، وفي بعض الروايات أن الموضع الذي أكل منه آدم وحواء من شجرة الحنطة نبت مكانه الشعير، وهذا يحتاج إلى تفسير وتأويل.
النكتة الخامسة: لقد عرَّف الله تبارك وتعالى آدم وحواء منزلة أهل البيت عليهم السلام في الجنة والعرش، فأراهم منزلة النبي وأهل بيته، وأراهم منزلة أعداء النبي وأهل بيته وظالميهم في أسفل درك من نار جهنم، ونهى آدم وحواء أن ينظرا إلى منزلة النبي وأهل بيته بعين الحسد أي يتمنَّيا منزلتهم، لكن الشيطان وسوس ونظرا إلى منزلة أهل البيت بعين الحسد أي تمنَّيا منزلتهم، من هنا أزلَّهما الشيطان ودلاهما بغرور على أن يأكلا من الشجرة، ثم أمرهم الله أن يتوسلا بأهل البيت، فتوسلا فتاب الله عليهما.
النكتة السادسة: أن جميع الأنبياء بعد آدم كانوا يعرفون منزلة النبي وأهل البيت عليهم السلام، وكانوا لا ينظرون إلى منزلة هؤلاء بعين الحسد أي لا يتمنَّون منزلتهم لمعرفتهم بأنهم لن يصلوا إلى هذه المنزلة والمرتبة.
النكتة السابعة: إن كل ما صدر عن آدم من الحسد والأكل من الشجرة كان معلومًا لله تبارك وتعالى، ولكن علم الله بإقدامهما على ذلك لم يوجب سلب إرادتهما واختيارهما، بل كان أكلهما بإرادتهما واختيارهما، وإنما المعلوم لله كان فعل آدم وحواء الاختياري، وهذا الكلام موافق للبرهان العقلي من أنه لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين، والنصوص المتواترة تدل على أنَّه لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين، أي أن أصل القدرة من الله والاختيار من العبد، أي نحو القدرة يكون بيد العبد.
النكتة الثامنة: لقد احتجَّ الله تبارك وتعالى على آدم بما أنعم عليه من تعليمه الأسماء كلها وإسكانه الجنة وأمر الملائكة بالسجود له وجعل العقل والقوة والاختيار له وإعلامه بأنه لو أكل من الشجرة سيكون من الظالمين، واعترف آدم بذلك كله واعتذر وأظهر الندامة والتوبة والاستغفار والاستعانة في إصلاح نفسه واجتناب المعصية، فتاب الله عليه وجعله نبيًا.
طبعًا هذا على مبنانا من أن النهي مخالفته لا توجب الإثم، فيُراد بالتوبة هنا المزيد من التنزُّه والقرب إلى الله عز وجل.
النكتة التاسعة: لقد قبل الله توبة آدم وأنزل جبرائيل عليه لتسليته وتسلية حواء والجمع بينهما بين الصفا والمروة، وأخذهما من المروة إلى مكان مرتفع عند بيت الله الحرام يُسمَّى بالتَّرْعة، وإقامة الخيمة لهما هناك بعمود من ياقوت أضاء نوره جبال مكة، وأهبط الله الملائكة إلى ذلك الموضع لحراسة الخيمة من مردة الشياطين.
النكتة العاشرة والأخيرة: إن آدم بعدما جبرائيل عمل الخيمة في التَّرْعة اشتاق آدم إلى حواء، وكان آدم على الصفا وحواء على المروة، فهرول آدم من الصفا إلى المروة ذهابًا ومجيئًا فبلغ ذلك سبعة أشواط، فكانت سبعة أشواط السعي، ثم جاء جبرائيل وأخذهما من المروة إلى بيت الله الحرام وأنزلهما من رأس المروة إلى التَّرْعة، ثم أمر الله جبرائيل بإتيان أربعة أحجار من أربعة جبال: الصفا والمروة وطور سيناء وجبل السلام بظهر الكوفة، وأمر الله جبرائيل ببناء البيت الحرام بهذه الأحجار الأربعة بوضعها في القوائم الأربعة من قوائم البيت ونصبها أعلامًا لقواعد البيت، ثم أمره بإتيان حجر من جبل أبي قبيس لإتمام البناء بجعل الباب الشرقي والغربي للبيت الحرام، ثم طافت الملائكة حول البيت بعد فراغ جبرئيل من بناء البيت، ثم تبعهم آدم وحواء فطافا بالبيت سبعة أشواط.
مقتضى القاعدة إثبات النكات المشتركة في هذه الروايات الضعيفة، النكتة المشتركة المتظافرة يمكن أن تُشكِّل هذه الروايات إذا بلغت حدَّ التواتر المعنوي أو الإجمالي، في هذه الحالة يُؤخذ بالقدر المتيقَّن والمشترك.
هذه اثنتا عشرة نكتة تُستفاد من الروايات الصحيحة، وعشر نكات تُستفاد من الروايات الضعيفة.
في الختام نسأل هذا السؤال: ما هو السرُّ في إسكان الله لآدم وحواء في الجنة ثم إخراجهما والإتيان بهما إلى الأرض وعالم الدنيا؟
الجواب: لعلّ هذا تمهيد إلى عالم الابتلاء والامتحان، وأن بني آدم قد خُلقوا في الدنيا للامتحان والابتلاء والتمحيص، وآدم أبو البشر نموذج وأسوة لجميع أبنائه وجميع ولده في سبيل الكمال والرشد والقرب إلى الله واكتساب أسباب استحقاق الجنة وأسباب استحقاق النار، فإما نعيم أبدي وإما شقاء أبدي، وآدم نموذج بارز لأبنائه للوصول إلى الكمال وتجنُّب الشقاء، والله العالم.
وصلَّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.