47/08/01
1 شعبان 1447
21 يناير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائة وسبعة عشر): النصوص المفسرة للآية (35 و36) من سورة البقرة
وقد ذكرت عدّة جهات غير الجهات التي ذُكرت في الطائفة الأولى والثانية، فالطائفة الأولى والثانية تطرّقت إلى أمرين مهمّين:
الأوّل: هل هذه الجنّة هل هي من جنان الدنيا أو من جنان الآخرة؟
الثاني: الشجرة التي أكل منها آدم، فما هي ماهيّتها؟
لكنّ الطائفة الثالثة ذكرت تفاصيل أخرى غير هاتين الخصيصتين، فبمجموع الطوائف الثلاث يمكن استنتاج عدّة نتائج، وإليكم هذه الروايات من الطائفة الثالثة:
الرواية الأولى: ما رواه محمّد بن يعقوب الكلينيّ بسنده عن الزُّهْريّ محمّد بن مسلم بن شهاب، وفي نسخة المصدر: محمّد بن مسلم بن عُبَيْد الله، فما ورد وهو ابن شهاب نسبةً إلى جدّه الأعلى، يعني اسمه: محمّد بن مسلم بن عُبَيْد الله بن شهاب[1] .
قال محمّد بن مسلم بن شهاب، قال: سُئل عليّ بن الحسين عليه السلام: أيّ الأعمال أفضل عند الله عزّ وجلّ؟ فقال: «ما من عمل بعد معرفة الله عزّ وجلّ ومعرفة رسول الله صلّى الله عليه وآله أفضل من بُغض الدنيا، وإنّ لذلك شُعَبًا كثيرة، وللمعاصي شُعَبًا، فأوّل ما عُصي الله به الكِبْر، وهو معصية إبليس حين أبى واستكبر وكان من الكافرين، والحرص، وهو معصية آدم وحوّاء عليهما السلام حين قال الله عزّ وجلّ لهما: ﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[2] ، فأخذا ما كان لا حاجة بهما إليه، فدخل ذلك على ذرّيّتهما إلى يوم القيامة» - يعني أصبحت ذرّيّتهما يأخذون شيئًا لا يحتاجون إليه، «وذلك أنّ أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه. ثمّ الحسد، وهي معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله، فتشعّب من ذلك حبّ النساء، وحبّ الدنيا، وحبّ الرئاسة، وحبّ الراحة، وحبّ الكلام، وحبّ العُلُوّ والثروة، فصِرْن سبع خصال فاجتمعن كلّهنّ في حبّ الدنيا، فقال الأنبياء والعلماء بعد معرفة ذلك: حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة، والدنيا دنياءان: دنيا بلاغ ودنيا ملعونة»[3] .
ويقع الكلام في هذه الرواية سندًا ودلالة:
أمّا السند: فهذه الرواية ضعيفة لوقوع بعض المجاهيل والضعفاء في طريقها، لكن ذكر المحقّق النائيني رحمة الله عليه ونُقل عنه هذا القول المشهور: «المناقشة في أسانيد الكافي حِرْفة العاجز». وليس المراد بذلك صحّة الراوي الذي هو ثمرة رجاليّة، بل المراد صحّة المرويّ الذي هو ثمرة روائيّة وحديثيّة.
فالميرزا الشيخ محمّد حسين النائينيّ أعلى الله في الخُلد مقامه يقول: إنّ روايات الكافي وهي ستّة عشر ألفًا ومئة وتسع وتسعين حديثًا قد اعتضدت بقرائن توجب الوثوق بصدورها والاطمئنان بصدورها، فلا داعي لإتعاب النفس في مناقشة أسانيدها. فالذي يعجز عن مناقشة روايات الكافي يلجأ إلى العَسْعَسة والمناقشة في أسانيد الكافي، ويقول: هذا ثقة وهذا ضعيف وهذا مجهول وهذا... هذا بلحاظ علم الرجال.
وعلم الرجال موضوعه وثاقة الراوي: الراوي هل هو ثقة أو ضعيف؟ موضوع علم الرجال: الراوي من حيث الجرح والتعديل، بينما المهمّ هو عندنا الوثوق بصدور الرواية.
الخلاصة: هذه الرواية من ناحية السند ضعيفة، لكن قد تعتضد بروايات أخرى خصوصًا أنّها قد رُويت في كتاب الكافي الذي كتبه ثقة الإسلام الكلينيّ في عشرين سنة إجابةً لدعوة من سأله أن يكتب له كتاب كافٍ يرجع إليه المتعلّم والمستفتي للعمل. هذا تمام الكلام من جهة السند.
وأمّا من جهة الدلالة: فقد دلّت الرواية على نُكات أخلاقيّة وهي كما يلي:
أوّلًا: أوّل الذنوب والآفات ثلاث:
• أوّل آفة: الكِبْر، فكانت من إبليس.
• وثاني آفة: هي الحرص، وكانت من آدم وحوّاء.
• وثالث آفة: هي الحسد، إذ حسد قابيل هابيل فقتله.
وأكثر الناس إلى يومنا هذا مبتلون بهذه الآفات الثلاث، فمن عنده نعمة أو خير وما شاكل ذلك قد يُبتلى بالكبر والغرور والخيلاء والاعتداد بالنفس، ومن يُحرَم هذا الخير قد يُصاب بالحسد فيحسد من عنده النعمة ويتمنّى زوالها، أو - لا أقلّ - يتمنّى أنّها له. وأمّا الحرص، فأكثر الناس مصابون بالحرص على الدنيا ويسعَون نحو ما لا حاجة لهم إليه.
النقطة الثانية: أشارت الرواية إلى أنّ مناشئ الذنوب سبعة: حبّ النساء، وحبّ الدنيا، وحبّ الرئاسة، وحبّ الراحة، وحبّ الكلام، وحبّ العُلُوّ، وحبّ الثروة.
ويذكر علماء الأخلاق أهمّيّة القلائل الثلاث ومساوئ الكثرات الثلاث، وهي: كثرة الطعام، وكثرة الكلام، وكثرة المنام. وإذا أراد الإنسان أن يروّض نفسه فعليه بقلّة الطعام وقلّة المنام وقلّة الكلام.
النقطة الثالثة: قسّمت الرواية الدنيا إلى قسمين: دنيا بلاغ ودنيا ملعونة.
• دنيا البلاغ: هي الدنيا المحمودة، وهي الدنيا التي توصل إلى الآخرة.
• والدنيا الملعونة: هي الدنيا التي تُطلَب للدنيا لا للآخرة، ولا توصل إلى الآخرة.
ودنيا البلاغ من البلوغ، والبلوغ بمعنى الانتهاء، فالدنيا التي تنتهي إلى الآخرة هي دنيا البلاغ وهي الدنيا المحمودة. وأمّا الدنيا الملعونة فهي طلب الدنيا للدنيا والغفلة عن الآخرة، فيقع الإنسان في أسر شهواته ونزواته فتشمله لعنة الله.
ويشير إلى هذا التفصيل ما ورد في كلام أمير المؤمنين عليه السلام: «الدنيا دار ممرّ، والآخرة دار مقرّ، فخذوا من ممرّكم إلى مقرّكم». فهذه الدنيا المحمودة هي التي تكون قنطرة وجسرًا إلى الآخرة، والدنيا المذمومة والملعونة هي الدنيا التي يتعلّق بها القلب وتُعميه عن ذكر الله والآخرة فيُصاب بالحرص على الدنيا.
هذا تمام الكلام في بيان الرواية الأولى من الطائفة الثالثة، واتّضح فيها بيان نُكات أخلاقيّة وأوّل الذنوب التي قد وقعت.
الرواية الثانية: ما رواه محمّد بن يعقوب الكلينيّ بسنده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: «أمر الله ولم يشأ، وشاء ولم يأمر، أمر إبليس أن يسجد لآدم وشاء أن لا يسجد، ولو شاء لسجد، ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل منها، ولو لم يشأ لم يأكل»[4] .
هذه الرواية ضعيفة من جهة السند لضعف عليّ بن مَعْبَد وواصل بن سليمان الواقعين في سندها، لكن هناك مبنًى لبعض فقهائنا وهو القول بصحّة جميع أسانيد الكافي.
توجد أربعة مباني:
المبنى الأوّل: قطعيّة صدور جميع روايات الكتب الأربعة، يعني نقطع بصدورها كلّها، وقد نُسب إلى بعض علمائنا الإخباريّين.
المبنى الثاني: صحّة صدور جميع روايات الكتب الأربعة، أي أنّنا لا نقطع بأنّها صادرة ولكنّنا نطمئنّ بصحّتها وحجّيّتها، وفرق بين الصدور وبين الحجّيّة، فقد تترتب شرائط الحجّيّة وتتوفّر في رواية لكنّها لم تصدر.
فالمبنى الأوّل: قطعيّة صدور روايات الكتب الأربعة، والكتب الأربعة: الكافي للكلينيّ، ومَن لا يحضره الفقيه للصدوق، وتهذيب الأحكام في شرح المقنعة للشيخ الطوسيّ، والاستبصار للشيخ الطوسيّ.
المبنى الثالث: صحّة وحجّيّة جميع روايات الكافي كما يُنسَب إلى الميرزا النائيني رحمه الله.
المبنى الرابع: صحّة جميع روايات مَن لا يحضره الفقيه دون الكتب الثلاثة الأخرى، كما يذهب إلى ذلك شيخنا الأستاذ سماحة آية الله الشيخ مسلم الداوريّ حفظه الله.
إذًا بناءً على المباني الثلاثة: قطعيّة روايات الكتب الأربعة، أو صحّة روايات الكتب الأربعة، أو صحّة روايات الكافي، يمكن العمل بهذه الرواية. لكن لو لم نعمل بهذه المباني الثلاثة والتزمنا بمسلك حجّيّة خبر الثقة، وهنا هذه رواية ضعيفة بعليّ بن مَعْبَد وواصل بن سليمان، فتكون هذه الرواية ضعيفة من جهة السند.
وأمّا من جهة الدلالة: فما دلّت عليه الرواية هو مقتضى القاعدة العقليّة، وهو التفرقة بين الإرادة التشريعيّة والإرادة التكوينيّة، أي أنّ الله أراد تشريعًا أن يسجد إبليس لآدم ولم يشأ تكوينًا أن يسجد إبليس لآدم، ولو شاء تكوينًا - مأخوذة من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[5] - فلو شاء الله تكوينًا لسجد إبليس لآدم.
وهكذا أراد الله تشريعًا أن لا يأكل آدم وحوّاء من الشجرة، ولكن شاء تكوينًا أن يأكلا من الشجرة، ولو لم يشأ لما حصل. بعض الكتب تُعبّر: إرادة تشريعيّة وإرادة عَزْميّة - يعني عزم عليه -.
إذًا مفاد هذه الرواية أنّ الله أمر إبليس بالسجود لآدم لكن لم تتعلّق مشيئته التكوينيّة بأن يسجد، بل كان امتثال الأمر باختيار إبليس، وإلّا لامتنع تمرد إبليس عن إرادة الله التكوينيّة التي هي أن يقول لشيء كن فيكون.
وكذلك القضيّة في نهيه تعالى آدم وحوّاء عن أكل الشجرة، لكنّه تعالى لم يشأ بإرادته التكوينية أن لا يأكلا، فأكلا منها باختيارهما.
ففي الموردَين ونحوهما تعلّقت مشيئة الله تعالى بإيكال المكلّف إلى نفسه تكوينًا وإعطائه الاختيار، وإنّما يكون أمره ونهيه تشريعًا[6] .
الرواية الثالثة: ما رواه الكلينيّ بإسناده إلى الفتح بن يزيد الجُرْجانيّ عن أبي الحسن عليه السلام قال: «إنّ لله إرادتَين ومشيئتَين: إرادة حتم وإرادة عزم، ينهى وهو يشاء، ويأمر وهو لا يشاء، أوَ ما رأيت أنّه نهى آدم وزوجته أن يأكلا من الشجرة وشاء ذلك؟» - إذًا الأمر إرادة عزميّة شاء ذلك أكلوا، هذه إرادة حتميّة - ثمّ تقول الرواية: «ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة الله» - يعني لو كانت الإرادة حتميّة حتمًا لا يأكلا - ثمّ قال في الرواية: «وأمر إبراهيم أن يذبح إسحاق ولم يشأ أن يذبحه، ولو شاء ذبحه لما غلبت مشيئة إبراهيم عليه السلام مشيئة الله تعالى»[7] .
إذًا توجد إرادتان: إرادة حتميّة وإرادة عزميّة.
• الإرادة العزميّة: عزم على إبراهيم أن يقتل ولده وأن يذبحه.
• الإرادة الحتميّة: عدم ذبح إبراهيم لولده ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾[8] .
لكن هذه الرواية ضعيفة بوقوع الفتح بن يزيد في سندها، لكنّها مرويّة في الكافي ومضمونها دلّت عليه الرواية السابقة بالكافي، وهي موافقة للأصول والقواعد الاعتقاديّة وأصول الدين والمذهب.
هذا تمام الكلام في بيان الروايات الثلاث الأولى من الطائفة الثالثة.
ففي الرواية الثانية والثالثة تمّ التطرّق إلى التفرقة بين الإرادة العزميّة والإرادة الحتميّة، بين الإرادة وبين المشيئة، وفي الرواية الأولى تمّ التطرّق إلى أصول الآفات الأخلاقيّة.
الرواية الرابعة: تتطرّق عن تفاصيل الجنّة ومنزلة النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله وأهل البيت في الجنّة، وكيف عاينها آدم، ولعلّ الرواية الرابعة ظاهرة في جنّة الخُلد كما سيأتي.
الرواية الرابعة: ما رواه الصدوق، يأتي عليه الكلام.
وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.