47/07/30
30 رجب 1447
20 يناير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائة وستة عشر): الوجه الثانية في الجمع بين روايات الطائفة الأولى والثانية في تفسير الآية (35) من سورة البقرة
الوجه الثاني في الجمع بين روايات الطائفة الأولى والثانية في تفسير الآية خمسة وثلاثين من سورة البقرة هو حمل الجنة على الجنة البرزخية، فليست هذه الجنة هي جنة الخلد وجنان الآخرة أو السماء، وليست هذه الجنة هي من جنان الحياة الدنيا والأرض.
ووجه هذا الحمل هو التمسك بروايات الطائفة الأولى الأصح سنداً من روايات الطائفة الثانية، والتي دلت على أن جنة آدم ليست من جنس الوجود المادي، وأن شجر جنة آدم ليس كشجر الدنيا، وأن الشجرة الموجودة في جنة آدم هي شجرة العلم التي يأكل منها النبي والأئمة عليهم السلام، فمن أكل منها بإذن الله ارتقى، ومن أكل منها بدون إذن الله تدنى.
فتُحمل جنة آدم على الجنة البرزخية. والبرزخ في اللغة بمعنى الفاصل أو الوسط، قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾[1] ، أي أن مرج البحر المالح والبحر العذب في ماء البحر يلتقيان، بينهما برزخ وفاصل لا يبغيان، أي لا يبغي الماء المالح على الماء العذب، ولا يبغي الماء العذب على الماء المالح.
كذلك يُقال بأن جنة آدم جنة برزخية، أي وسط وفاصل بين جنة الأخرى وجنة الدنيا، فلا هي بجنة من جنان الآخرة؛ لأن جنة الخلد من دخلها لا يخرج منها، وليست بدار حساب أو كتاب، وليست بدار ابتلاء، فجنة الأخرى وجنة الخلد هي جنة الجزاء والنتيجة، وليست بجنة الابتلاء. إذاً، لا يمكن حملها على جنة الخلد.
كما لا يمكن حملها على جنة الدنيا؛ لأن روايات الطائفة الأولى دلت على أن شجر جنة آدم ليس كشجر الدنيا، وأن فيها شجرة العلم، ولا توجد هكذا شجرة في الحياة الدنيا. إذاً لا يمكن الأخذ بظاهر الطائفة الأولى الدالة على أن جنة آدم من قبيل جنة الخلد أو جنة السماء، كما لا يمكن الأخذ بصراحة روايات الطائفة الثانية الدالة على أن جنة آدم من قبيل جنة الدنيا.
بل يُقال بأن جنة آدم جنة برزخية بين الدنيا والآخرة، من قبيل عالم البرزخ، عالم القبر. ففي الرواية: «من مات قامت قيامته»، ومن هنا قيل: توجد قيامة صغرى في القبر، وقيامة كبرى في يوم الحساب وعالم الآخرة.
كذلك يُقال بأن جنة آدم جنة، جنة برزخية مثل ما عالم القبر برزخ بين الحياة الدنيا والحياة الأخرى، كذلك جنة آدم برزخ بين جنة الدنيا وجنة الخلد.
وقد ذهب إلى القول بأن جنة آدم الجنة البرزخية العالم المحقق سماحة المرجع الديني الشيخ عبد الله جواد آملي حفظه الله في كتابه "تسنيم في تفسير القرآن الكريم"[2] .
لكن لا يمكن القول بهذا الوجه؛ إذ هو خلاف ظاهر الطائفة الأولى، وخلاف صريح الطائفة الثانية. فالطائفة الثانية تُصرح بأن جنة آدم هي جنة الدنيا، ولو كانت من جنان الآخرة لما خرج منها، ولما دخل فيها إبليس.
كما أن القول بالجنة البرزخية خلاف ظاهر روايات الطائفة الأولى التي دلت على وجود شجرة العلم، وأن شجر جنة آدم ليس كشجر الحياة الدنيا.
كما أن القول بالجنة البرزخية لا يناسب وجود آدم؛ لأن بدن آدم عليه السلام كان عنصرياً مخلوقاً من تراب هذه الأرض، وله لحم وعظم وشعر كأفراد سائر الإنسان، فوجود آدم وجود بدني مادي وليس وجوده من قبيل الوجود المثالي البرزخي المباين لخصوصيات عالم الأبدان وعالم المادة والعنصر المادي. فلا دليل يدل على الجنة البرزخية.
إلى هنا اتضح عدم صحة الوجه الأول في الجمع بين الطائفتين، وهو حمل جنة آدم على خصوص جنة الدنيا، ولا دليل على الوجه الثاني وهو حمل جنة آدم على الجنة البرزخية.
الوجه الثالث: حمل جنة آدم على أرض هي غير الأرض التي نعيش فيها، فيُقال: إن جنة آدم من جنان الأرض، لكن ليست من جنان أرضنا التي نعيش عليها. فهي خلاف القول الأول الذي يقول بأن جنة آدم كانت في الأرض ثم أُبيدت أو انتهت، بل يُقال في هذا الوجه: إن جنة آدم هي جنة الأرض وليست جنة السماء، غاية ما في الأمر أنها أرض أو كوكب آخر غير الكوكب الذي نعيش فيه.
وفيه: هذا الوجه لا شاهد له في النصوص، ومجرد الاحتمال لا يُثبت ذلك، فلنا أن نأتي بعدة احتمالات، ولكن نحن أبناء الدليل، أينما مال نميل، وحيث لم يقم الدليل فإلى هذا الوجه لا نميل.
إذاً هذا الوجه وإن أمكن أن يستشهد له بما ورد في بعض الأدعية المأثورة من لفظ الأرضين السبع: «سبحان الله رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع، وما فوقهن وما تحتهن وما بينهن، وهو رب العرش العظيم». هذا الدعاء يُثبت وجود سبع الأرضين، لكن لا شاهد ولا دليل على أن جنة آدم في أرض من الأرضين السبع غير أرضنا. إذاً الوجه الثالث ليس بتام.
الوجه الرابع: حمل جنة آدم على جنة الخلد وجنة الآخرة؛ لأن روايات الطائفة الأولى دلت على أن شجر جنة آدم ليس كشجر الدنيا، وأن فيها شجرة العلم، وهذا يناسب جنة الخلد أو جنة السماء، ولا يناسب جنة الأرض.
فهذه الروايات في الطائفة الأولى خلاف صراحة روايات الطائفة الثانية التي تُصرح بأن جنة آدم جنة الدنيا. وروايات الطائفة الثانية وإن كانت صريحة، لكنها ضعيفة السند، وروايات الطائفة الأولى وإن كانت ظاهرة وليست صريحة في جنة الأخرى، لكنها أصح سنداً، فتُقدم روايات الطائفة الأولى، وتُحمل جنة آدم على جنة الخلد.
وفيه: إن جنة الخلد هي عبارة عن عالم الجزاء، وليست بعالم الحساب والكتاب والميزان، فضلاً عن عالم الابتلاء. فجنة الآخرة ليست محل الابتلاء كما ابتُلي آدم، وليست محل الاختبار والاختيار، ولا مجال لدخول إبليس فيها وتسلطه على آدم؛ لكون إبليس من الكافرين كما صُرِّح بذلك في القرآن الكريم. كما أن أهل الجنة لا يخرجون منها أبداً، وهم فيها خالدون، كما جاء التصريح بذلك في آيات كثيرة. إذاً لا يمكن حمل جنة آدم على جنة الخلد وجنة الآخرة.
لكن يمكن أن يُدافع عن الوجه الرابع، ويُقال بأن المراد بجنة آدم جنة الخلد وجنة الآخرة، وذلك بالالتزام بالتفصيل: فجنة الآخرة موجودة الآن، كما أن نار الآخرة موجودة الآن، ويمكن دخولهما ورؤيتهما، لكن مع التفصيل.
فمن دخل الجنة أو النار بعد يوم الحساب والكتاب كان مخلداً، ولا يخرج منها أبداً، كما يحصل بعد البرزخ الذي هو القيامة الصغرى، وبعد الآخرة التي هي القيامة الكبرى. فمن دخل الجنة أو النار بعد قنطرتين: الأولى: عالم الابتلاء وهو عالم الدنيا، الثانية: عالم الحساب والكتاب وهو يوم القيامة، فحينئذ لا يخرج منها أبداً.
يعني: من يدخل الجنة بعد الابتلاء والاختبار أولاً، والحساب والكتاب والجزاء ثانياً، هذا لا يخرج منها. ولكن لا دليل على أن من دخل جنة الخلد قبل الكتاب والحساب بأنه لا يخرج منها.
فقد تُحمل روايات الإسراء والمعراج التي دلت على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله قد دخل الجنة وأكل من تفاحة الجنة، وأن فاطمة الزهراء عليها السلام قد خُلقت نطفتها من تفاح الجنة، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله إذا اشتاق إلى الجنة شمّ ريح فاطمة. فهذه الجنة لا تُحمل على جنة من جنان السماء، فضلاً عن جنة من جنان الأرض، بل قد تُحمل على جنة الخلد والآخرة، والحال إن النبي محمداً صلى الله عليه وآله قد دخلها وخرج منها، وعاش في الحياة الدنيا في عالم الابتلاء والحساب والكتاب.
إذاً الجنة وهي جنة الخلد لا يخرج منها من دخلها بعد عالم الابتلاء والجزاء معاً، ولكن من دخلها في عالم الابتلاء ولمّا يجتز عالم الحساب والجزاء يمكنه أن يخرج منها. فكما دخل النبي محمد صلى الله عليه وآله جنة الخلد وخرج منها، كذلك دخل آدم عليه السلام جنة الخلد وخرج منها.
لكن هذا مجرد احتمال يحتاج إلى دليل، فلا بد من قراءة سائر الروايات التي قد تدل على ذلك. وبعض هذه الروايات قد تُثبت أن جنة آدم من جنان الخلد، كما سيأتي في الرواية الرابعة من روايات الطائفة الثالثة.
وهي ما رواه الصدوق بإسناده إلى المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «فلما أسكن الله عز وجل آدم وزوجه الجنة قال لهما: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ﴾[3] ، يعني شجرة الحنطة، ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[4] . فنظرا إلى منزلة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة بعدهم عليهم السلام، فوجداها أشرف منازل الجنة، فقالا: يا ربنا، لمن هذه المنزلة؟ فقال الله جل جلاله: ارفعا رؤوسكما إلى ساق العرش. فرفعا رؤوسهما، فوجدا أسماء محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة عليهم السلام مكتوبة على ساق العرش بنور من نور الله الجبار جل جلاله، فقالا: يا ربنا، ما أكرم هذه المنزلة عليك؟ وما أحبّهم إليك؟ وما أشرفهم لديك؟ فقال الله جل جلاله: لولاهم ما خلقتكما، هؤلاء خزنة علمي وأمنائي على سري. إياكما أن تنظرا إليهم بعين الحسد وتتمنيا منزلتهم عندي…»[5] إلى آخر الرواية.
فظاهر هذه الرواية من رؤية النبي آدم لمنزلة النبي محمد وأهل البيت ينسجم مع أحد احتمالين:
• الأول: أن الجنة هي جنة الخلد.
• الثاني: أن الجنة هي من جنان السماء، لكن ليست بجنة الخلد.
ولا ينسجم مع الاحتمالات الأربعة الأُول، وهي:
أولاً: إن الجنة هي جنة الدنيا.
ثانياً: إن هذه الجنة هي جنة البرزخ بين جنة الدنيا وجنة الآخرة.
الثالث: أن هذه الجنة في أرض غير هذه الأرض.
فهذه الاحتمالات الثلاثة الأُول لا تنسجم مع ظاهر رواية معاني الأخبار. نعم، الاحتمال الرابع، وهو الحمل على جنة الخلد، ينسجم مع هذه الرواية. لكن هذه الرواية لا تُعيِّن خصوص احتمال أن المراد بالجنة هو جنة الخلد.
الوجه الخامس: حمل الجنة على جنة من جنان السماء، لكنها ليست من جنة الخلد. وإلى ذلك ذهب السيد محمد حسين الطباطبائي في الميزان[6] ، فقال: بأن المراد بالجنة جنة السماء، لكنها ليست جنة الخلد؛ لأن من دخل جنة الخلد خُلِّد فيها ولم يخرج، ولا محل لإبليس فيها، ولا مجال للابتلاء والاختبار والامتحان فيها، وليست بجنة الدنيا.
أقول: هذا الاحتمال تساعد عليه أيضاً رواية معاني الأخبار، وينسجم أيضاً مع روايات الطائفة الأولى. فروايات الطائفة الأولى ورواية معاني الأخبار وهي الرواية الرابعة من روايات الطائفة الثالثة تنسجم مع الوجه الرابع وهو جنة الخلد، ومع الوجه الخامس وهو جنة السماء غير جنة الخلد.
فنرفع اليد في الوجه الرابع والخامس عن ظاهر روايات، بل صريح روايات الطائفة الثانية الصريحة في أن جنة آدم من جنان الدنيا، ونتمسك بظاهر روايات الطائفة الأولى ورواية معاني الأخبار من روايات الطائفة الثالثة.
فلا بد من ملاحظة جميع الروايات والأدلة لنرى أن المرجح هو الاحتمال الرابع وهو جنة الخلد، أو الاحتمال الخامس وهو جنة السماء وليست بجنة الأرض أو جنة الخلد. إذاً، لا بد من سبر الأدلة بأجمعها لنرى المعيَّن، هل ما ذهب إليه صاحب الميزان؟ وهو جنة من جنان السماء دون الخلد، أو ما قد يُقال من أن المراد بالجنة هو جنة الخلد.
الوجه السادس والأخير: هو التوقف، وهو أنه يوجد تنافٍ وتضارب بين مفاد روايات الطائفة الأولى الأصح سنداً والظاهرة في أن هذه الجنة ليست من جنس جنان الدنيا، فيمكن أن تُحمل على جنة الخلد أو جنة السماء، وأيضاً روايات الطائفة الثانية صريحة في أن المراد بالجنة هي جنة الدنيا، وتنفي عن أنها جنة من جنان الآخرة.
فيوجد تناف وتهافت مستحكم بين روايات الطائفتين، ولا شاهد ولا مرجح لأحداهما، فنقول: بالتوقف. فهذا التوقف ليس وجهاً للجمع، نقول: هذا قول سادس.
إلى هنا ذكرنا ستة أقوال: الثلاثة الأُول ناقشناها وأبطلناها، وهي:
1. أن جنة آدم جنة الدنيا، كما في القول الأول.
2. أو جنة البرزخ، كما في القول الثاني.
3. أو جنة الأرض غير أرضنا، كما في القول الثالث.
واحتملنا الرابع أو الخامس:
1. أنها جنة الخلد.
2. أو أنها جنة السماء.
فإن وُجد شاهد على أحد هذين القولين فهو، وإلا فلنقل بالوجه السادس وهو التوقف.
فصل الكلام في ترجيح الرأي المختار يأتي بعد التطرق إلى روايات الطائفة الثالثة.
روايات الطائفة الثالثة يأتي عليها الكلام. وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.