47/07/20
20 رجب 1447
10 يناير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مائة وثلاثة عشر): الرواية الثالثة من الطائفة الأولى المفسرة للآية (35) من سورة البقرة
وهي قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[1] .
الرواية الثالثة: ما ورد في التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام.
عن الإمام أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «لما عرف الله
ملائكته فضل خيار أمة محمدٍ صلى الله عليه وآله، وشيعة علي عليه السلام، وخلفائه عليهم السلام، واحتمالهم في جنب محبة ربهم ما لا تحتمله الملائكة. أبان بني آدم الخيار المتقين بالفضل عليهم، ثم قال: فلذلك فاسجدوا لآدم لما كان مشتملاً على أنوار هذه الخلائق الأفضلين، ولم يكن سجودهم لآدم، إنما كان آدم قبلةً لهم يسجدون نحوه لله عزّ وجلّ، وكان بذلك معظماً مبجلاً ولا ينبغي لأحدٍ أن يسجد لأحدٍ من دون الله، يخضع له خضوعه لله ويعظمه بالسجود له كتعظيمه لله.
ولو أمرتُ أحداً أن يسجد هكذا لغير الله، لأمرت ضعفاء شيعتنا، وسائر المكلفين من شيعتنا أن يسجدوا لمن توسط في علوم وصي رسول الله صلى الله عليه وآله، ومحض وداد خير خلق الله علي عليه السلام بعد محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، واحتمل المكاره والبلايا في التصريح بإظهار حقوق الله، ولم ينكر علي حقّاً أرقبه عليه قد كان جهله أو أغفله».
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «عصى الله إبليس فهلك لما كانت معصيته بالكبر على آدم، وعصى الله آدم بأكل الشجرة فسلم ولم يهلك؛ لما لم يقارن بمعصيته التكبر على محمدٍ وآله الطيبين، وذلك أن الله تعالى قال له: يا آدم عصاني فيك إبليس وتكبر عليك فهلك، ولو تواضع لك بأمري وعظم عزّ جلالي لأفلح كل الفلاح كما أفلحت. وأنت عصيتني بأكل الشجرة، وبالتواضع لمحمد وآل محمد تفلح كل الفلاح، وتزول عنك وصمة الزلة، فادعني بمحمدٍ وآله الطيبين لذلك. فدعا بهم فأفلح كل فلاح لما تمسك بعروتنا أهل البيت»[2] .
والكلام في هذه الرواية يقع في ناحيتين:
الأولى السند، فبناءً على اعتبار النسخة الواصلة إلينا من التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري، تكون هذه الرواية معتبرة، كما هو مبنى سماحة آية الله الشيخ علي أكبر السيفي المازندراني، إذ عبر عنها بالمعتبرة المروية في تفسير العسكري[3] .
وأما بناءً على التشكيك في هذا التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري، فحينئذٍ لا تكون الرواية معتبرة بل تكون ضعيفة، ويمكن أن تؤيد سائر الروايات الضعاف والصحاح، لكنها بمفردها لا تشكل حجة، والله العالم.
وأما الأمر الثاني وهو توضيح مفاد المتن، فقد ذكر في الرواية ثلاث نكات:
النكتة الأولى أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم، ليس لعبادة آدم، بل عبادة لله، وأن آدم كان قبلة للملائكة، والسر في استقبال الملائكة لآدم، هو اشتمال آدم على أنوار النبي محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته المعصومين اللذين هم خيار الأمة الأفضلين على حد تعبير الرواية.
النكتة الثانية: لو كان في تقدير الله وعلمه أنه يوجد شخص يستحق التعظيم والسجود له، غير آدم لكان ثابتاً في حق أئمة أهل البيت عليهم السلام من نسل أمير المؤمنين عليه السلام، إذ أن الرواية قالت هكذا: «ولو أمرتُ أحداً أن يسجد هكذا لغير الله لأمرت ضعفاء شيعتنا وسائر المكلفين من شيعتنا أن يسجدوا لمن توسط في علوم وصي رسول الله» والأئمة عليهم السلام من الإمام الحسن إلى المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف قد توسطوا في علوم وصي رسول الله وهو الإمام علي سلام الله عليه.
فهذه الرواية دلت على عظمة الأوصياء لوصي رسول الله صلى الله عليه وآله، الأئمة الاثنا عشر هم أوصياء النبي محمد صلى الله عليه وآله، ولهم مقام رفيع بحيث لو جاز السجود لجاز لهم، لكن السجود لا يجوز لغير الله عزّ وجلّ.
النكتة الثالثة: كانت معصية إبليس التكبر على آدم، وعدم تواضعه لآدم والنبي محمد والأوصياء المعصومين عليهم السلام، لذلك استحق اللعن والهلاك. بينما كانت معصية آدم أنه أكل من الشجرة لكنه لم يتكبر على النبي صلى الله عليه وآله، بل دعا بحق النبي وأهل بيته فقبل الله توبته.
الرواية الرابعة معتبرة محمد بن إسحاق عن أبي جعفر محمد بن علي ـ الباقر ـ عن آبائه عليهم السلام، عن علي عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. لعله محمد بن علي ـ الجواد ـ هنا يعرف من الطبقة.
عموماً، عن علي عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «إنما كان لبث آدم وحواء في الجنة حتى أخرجا منها سبع ساعات من أيام الدنيا، حتى اهبطهم الله من يومهما ذلك»[4] .
هذه الرواية يمكن القول باعتبارها، إذ لا إشكال في وثاقة جميع الرواة الواردين في سلسلة السند كلهم، إلا محمد بن إسحاق، والمراد به محمد بن إسحاق بن يسار المدني صاحب السير والمغازي، ومن أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، إذاً المراد محمد بن علي الباقر وليس الجواد.
وهو من مشاهير رواة العامة، ولم يرد فيه قدح، بل عن الكشي أن له محبة وميلاً شديد إلى أهل البيت كما صرح بذلك السيد الخوئي رحمه الله، قال السيد الخوئي ما نصّه: «فالمتحصل أن محمد بن إسحاق بن يسار، ومحمد بن إسحاق صاحب السيرة، ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي رجلٌ واحد، وهو رجل معروف مشهور، وهو عامي كما تقدم عن الشيخ، وله محبة شديدة وميل شديد كما عن الكشي»[5] .
أقول: هذا لا يثبت وثاقة محمد بن إسحاق المدني، لكن قد يثبت حسنه، فيمكن أن يقال: باعتبار الرواية بناءً على أن ما ورد في حقه من أنه له ميل شديد إلى أهل البيت هذا يثبت حسنه، لكن هذا لا يثبت وثاقته. هذا تمام الكلام بالنسبة إلى سند الرواية الرابعة.
وأما من ناحية المتن فدلت هذه الرواية على أن مدة مكوث آدم في الجنة سبع ساعات من ساعات الدنيا، ويفهم من هذه الرواية أن هذه الجنة ليست من جنان الدنيا، قال: «حتى اهبطهما الله من يومهما ذلك» يعني كانوا في علو فهبطوا. وقد يقال أن هذا قد يكون في جانب مرتفع من الأرض فاهبط ولكن ظاهر السياق خلاف ذلك.
كما أنه سبع ساعات من أيام الدنيا، لعلها إشارة إلى أنه هذه الجنة لم تكن في الدنيا والأرض، لكن بمقياس الدنيا سبع ساعات. فقد يستشرف منها أن هذه الجنة ليست من جنان الدنيا.
وقد ورد في الروايات أن العبد إذا أذنب فإن الله عزّ وجلّ يمهل العبد العاصي إلى سبع ساعات، فلو تاب قبل مضي سبع ساعات لا تكتب سيئته في صحيفة عمله[6] .
الرواية الخامسة: صحيحة عبد السلام بن صالح الهروي، وهو أبو الصلت الهروي، خادم الإمام الرضا، قال: قلت للرضا عليه السلام يا ابن رسول الله أخبرني عن الشجرة التي أكل منها آدم وحواء، ما كانت؟ فقد اختلف الناس فيها: فمنهم من يروي أنها الحنطة، ومنهم من يروي أنها العنب، ومنهم من يروي أنها شجرة الحسد. فقال عليه السلام: «كل ذلك حق».
قلت: فما معنى هذه الوجوه على اختلافها؟ فقال: «يا أبا الصلت إن شجرة الجنة تحمل أنواعاً، وكانت شجرة الحنطة وفيها عنب وليست كشجرة الدنيا» وفي نسخة: «وليس كشجر الدنيا».
«وإن آدم عليه السلام لما أكرمه الله تعالى ذكره بإسجاد ملائكته له وبإدخاله الجنة، قال في نفسه: هل خلق الله بشراً أفضل مني؟ فعلم الله عزّ وجلّ ما وقع في نفسه فنادها: ارفع رأسك يا آدم فانظر إلى ساق عرشي.
فرفع رأسه، فنظر إلى ساق العرش، فوجد عليه مكتوباً: لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
فقال آدم عليه السلام: يا ربّ من هؤلاء؟
فقال عزّ وجلّ: يا آدم هؤلاء من ذريتك، وهم خير منك، ومن جميع خلقي، ولولاهم ما خلقتك، ولا خلقت الجنة ولا النار، ولا السماء ولا الأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد، فأخرجك عن جواري. فنظر إليهم بعين الحسد، وتمنى منزلتهم، فتسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهي عنها، وتسلط على حواء لنظرها إلى فاطمة عليها السلام بعين الحسد، حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم عليه السلام، فأخرجهما الله تعالى من جنته واهبطهما من جواره إلى الأرض».
هذه الرواية صحيحة من ناحية السند، أما من ناحية الدلالة فيمكن أن نذكر أمرين وردا فيها:
أولاً: إن أشجار جنة آدم ليست من سنخ أشجار جنة الدنيا فإنها تتحمل أنواع الثمار، وهذا قد يكون مؤيداً لكون جنة آدم إما من جنة الخلد أو من جنان السماء وليست من جنان الأرض.
لكن يمكن القول بأنها جنة كانت في الأرض لكنها قد بادت، لكن هذا الاحتمال بعيد ولا دليل عليه، خصوصاً مع سياق الروايات: الجنة. فبمقتضى المحاورات العرفية، إذا اطلق لفظ "الجنة" بين الناس فإن أذهانهم تنصرف إلى الجنة المعهودة وهي جنة الخلد، أو جنة غير معهودة في الحياة الدنيا.
ومن هنا حاول سماحة آية الله علي أكبر السيفي المازنداني[7] أن يجعل هذه الجنة هي جنة الدنيا،
وأنه هذه الرواية لا تنافي ما دل على أن جنة آدم كانت من جنان الدنيا، وأن قوله: «وليست كشجر الدنيا» في هذه الرواية يعني ليست من شجر الدنيا الفعلية.
الحق والإنصاف هذا تكلف في الجمع بين الروايات، ظاهر هذه الرواية الجنة المعهودة، وإثبات أن المراد الجنة الفعلية يحتاج إلى دليل، فهذا القيد قيد الفعلية قيد إضافي يحتاج إلى دليل لا شاهد عليه.
إذاً، ظاهر الرواية أن هذه الجنة فيها أشجار ليست كشجر الدنيا، أي أنها جنة غير معهودة عندنا، إما جنة الخلد أو من جنان السماء.
النكتة الثانية: إن الله عزّ وجلّ نهى آدم وحواء عن النظر إلى النبي وأهل بيته بعين الحسد، لكن آدم نظر إلى النبي بعين الحسد، وحواء نظرت إلى فاطمة بعين الحسد، وهذا المقطع من الرواية قد يتأمل فيه. فلعله ينافي عصمة آدم عليه السلام، مما يوجب رفع اليد عن هذا المقطع.
وهذا بحث يبحث في علم الأصول وفي الفقه، وهو أنّه لو جاءتنا رواية صحيحة السند وفيها عدة مضامين، وبعض المضامين مقبولة، وبعض المضامين غير مقبولة، أو أن بعض العبائر سلسة، وعبائر أخرى مضطربة ومشوشة، فهنا أصالة الظهور تشمل خصوص العبائر الظاهرة، ولا تشمل العبائر المشوشة والمضطربة، فيقال: بـ التفكيك بالحجية فيؤخذ بحجية الظاهر من الرواية وتسقط الحجية عن المضطرب من الرواية، فيقال: بالتفكيك بين مضامين الرواية الواحدة.
وهنا أيضاً الكلام هو الكلام، يمكن الأخذ بظاهر المقطع الأول وأن هذه الجنة ليست كجنان الدنيا، لكن لا يؤخذ بالمقطع الأخير في الرواية الذي ينسب الحسد إلى أبينا آدم عليه السلام إذا قلنا أن هذا الحسد يتنافى مع عصمة آدم.
خصوصاً ـ هذا بالنسبة إلى عصمة آدم ـ يمكن أن يضم إلى هذه الرواية وغيرها الآيات التي وصفت الجنة بصفات ليست من صفات جنان الدنيا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ﴾[8] ﴿ينزع عنهما لباسهما ليرهما سوآتهما﴾[9] فإنها قد تكون ظاهرة في غير جنان الدنيا.
الخلاصة: حاصل هذه الروايات المتقدمة الخمس أن جنة آدم لم تكن من جنس جنة الدنيا، وكذلك الشجرة المنهية لم تكن من جنس أشجار الدنيا.
الرواية السادسة والأخيرة من الطائفة الأولى: صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام، قال: «إن الله تبارك وتعالى عهد إلى آدم أن لا يقرب هذه الشجرة، فلما بلغ الوقت الذي كان في علم الله أن يأكل منها نسي فأكل منها، وهو قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾[10] فلما أكل آدم عليه السلام من الشجرة اهبط إلى الأرض فولد له هابيل وأخته توأم»[11] .
هذه الرواية تضمنت أولاً: أن معصية آدم كانت معلومة عند الله قبل أن يعصي، وقبل أن يأكل من الشجرة كان في علم الله أن آدم سيأكل.
ثانياً: دلت هذه الرواية على أن آدم حين الأكل كان قد نسي، لا أنه قد تعمد وذكر فقد كان قد أكل عن نسيانٍ وغفلة عن عهده. فإذاً أكل آدم وفق هذه الرواية لم يكن باختياره وعن عمدٍ وإنما اشتغل بالجنة واغتر بها ووسوس له الشيطان فنسي.
الأمر الثالث: دلت على تولد هابيل وأخته من تؤأمين، من آدم وحواء بأكلهما من ثمرة الشجرة المنهية.
هذا تمام الكلام في الرواية السادسة، واتضح من روايات الطائفة الأولى أنها نصوص تعرضت لبيان طبيعة وماهية جنة آدم وحواء، وماهية أشجارها وماهية الشجرة المنهية، وظاهر هذه الروايات،
وهذه الطائفة أن هذه الجنة ليست من قبيل جنان الدنيا، وأن أشجار جنة آدم من غير جنس أشجار الدنيا.
وهذه الطائفة الأولى فيها ست روايات وبعضها صحيح السند. فهذه الروايات الست قد يقال أنها تبلغ حد الاستفاضة حتى ولو لم يكن فيها رواية صحيحة السند مما يوجب الاطمئنان بصحة المضمون المشترك فيها، وهو أن هذه الجنة ليس من قبيل جنان الدنيا، وأن أشجارها ليست من قبيل أشجار الدنيا.
هذا تمام الكلام في بيان الطائفة الأولى.
الطائفة الثانية يأتي عليها الكلام.
وصلى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.