47/12/03
3 ذي الحجة 1447
20 أيار 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (ثلاثمائة وخمسة): وجوب مقدمة الواجب من لوازم الوجود لا من لوازم الماهية
اتضح فيما سبق أن لوازم الماهية وفقًا لاصطلاح المشهور هي ما تكفي نفس الماهية في ثبوتها، بخلاف لوازم الوجود فإنها لا تثبت إلا بعد الوجود. ومن هنا يتضح أن لوازم الماهية ليست مجعولة أصلًا، بخلاف لوازم الوجود فإنها مجعولة. إذ أن لوازم الوجود معلولة للوجود، فهي مجعولة بالمباشرة للوجود ومجعولة بالتبع من قِبَل خالق هذا الوجود. وأما عدم مجعولية لوازم الماهية فلأن لوازم الماهية ذاتية للماهية من دون حاجة إلى علة لوضعها أصلًا، فصحَّ أن يُقال إن لوازم الماهية مجعولة بالعَرَض، أي أن من يجعل ويُوجِد ماهية الأربعة يكون هذا الجعل من قِبَله حقيقةً جعلًا لماهية الأربعة، وأما الزوجية فجاعل الأربعة لم يجعل الزوجية وإنما جعل الأربعة فقط، لكن يُطلَق على الزوجية أنها مجعولة من باب التسامح والعناية، فيُقال: جُعِلت الزوجية بالعَرَض وجُعِلت الأربعة بالمباشرة. فمصطلح الجعل بالعَرَض يختلف عن مصطلح الجعل بالتبع، فإن الجعل بالتبع يُقال بالنسبة للوازم الوجود، فالحرارة إذا قِيست إلى النار فهي مجعولة مباشرة، وإذا قِيست إلى خالق النار فهي مجعولة بالتبع، فالجعل بالتبع جعل حقيقي، والجعل بالعَرَض جعل عنائي.
ولتعميق المطلب في بيان الفارق بين لوازم الوجود ولوازم الماهية نسأل هذا السؤال: ما هي العلاقة بين اللازم والملزوم في كليهما؟ هل هي علاقة العلة والمعلول؟ أو هي علاقة الصفة في الموضوع؟ لتوضيح المطلب نذكر مثالًا للوازم الوجود ومثالًا للوازم الماهية لكي يتضح الفرق بشكل جلي.
مثال لوازم الوجود: ملازمة الحرارة للنار وملازمة البرودة للثلج، فالنار والثلج ملزومان والحرارة والبرودة لازمان، فما هي العلاقة بين اللازم والملزوم في لوازم الوجود؟
والجواب: هي علاقة العلة والمعلول، فالنار التي هي ملزوم علة، والحرارة التي هي لازم معلول، والثلج الذي هو ملزوم علة، والبرودة التي هي لازم معلول. إذًا العلاقة بين اللازم والملزوم في لوازم الوجود هي علاقة الإيجاد، إيجاد العلة لمعلولها، إيجاد النار للحرارة وإيجاد الثلج للبرودة. فخالق النار يخلق النار بالمباشرة وبالأصالة ويخلق الحرارة بالتبع، ومُوجد الثلج يُوجد الثلج بالمباشرة والأصالة ويُوجد البرودة بالتبع. إذًا الجعل بالتبع عبارة عن جعل عبارة عن إيجاد.
الخلاصة: في لوازم الوجود يوجد جعلٌ، إذ أن العلاقة بين اللازم والملزوم هي علاقة المعلول بعلته، والعلة كالنار والثلج توجد معلولها كالحرارة والبرودة، بخلاف لوازم الماهية.
ولنضرب مثالًا لذلك أو مثالين: لزوم الإمكان لماهية الإنسان ولزوم الزوجية للأربعة. فما هي العلاقة بين الإنسان والإمكان؟ وما هي العلاقة بين الزوجية والأربعة؟ هل هي علاقة العلة والمعلول كما في لوازم الوجود؟ كلا وألف كلا، إذ أن الإنسان الذي هو ملزوم لم يُوجِد الإمكان وليس علة للإمكان، كما أن الأربعة التي هي ملزوم ليست علة للزوجية التي هي لازم، وإنما العلاقة بين اللازم والملزوم هي علاقة الانتزاع، فالذهن الإنساني ينتزع مفهوم الإمكان من مفهوم الإنسان، والذهن الإنساني ينتزع مفهوم الزوجية من مفهوم الأربعة.
إذًا الجاعل يجعل الإنسان ولا يجعل الإمكان، والذهن ينتزع مفهوم الإمكان من الإنسان، والجاعل يجعل مفهوم الأربعة ولا يجعل مفهوم الزوجية لازمًا لها، وإنما الذهن ينتزع ويستنبط مفهوم الزوجية من الأربعة. إذًا في لوازم الماهية يوجد جعل واحد لا جعلين، جعل لخصوص الملزوم وهو الإنسان أو الأربعة في مثالنا، وأما اللازم كالإمكان للإنسان والزوجية للأربعة فهذا منتزع، وإذا أطلقنا عليه أنه مجعول فهذا جعل بالمسامحة، جعل بالتسامح، جعل بالتجوز، جعل بالعَرَض.
عباراتنا شتى وحسنك واحد *** وكلٌّ إلى ذاك الجمال يشير
وهنا اتضح الفارق بين الجعل بالتبع والجعل بالعَرَض، إذ أن الجعل بالتبع جعل حقيقي، أي أن جاعل النار حقيقة يجعل الحرارة حقيقة، فيجعل النار بالمباشرة وبالأصالة ويجعل الحرارة بالتبع، كما أن جاعل الثلج جاعل للثلج حقيقة ومباشرة وبالأصالة وأيضًا جاعل للبرودة بالتبع.
إذًا يوجد جعلان. لكن في لوازم الماهية لا يوجد جعلان، جعل واحد لا جعلان، يوجد جعل للملزوم، وأما لازم الماهية كالإمكان أو الزوجية فهو انتزاع، وإذا أطلقنا عليه جعل فإنه من باب التسامح من باب التجوز، فنقول: هذا جعل بالعَرَض.
سؤال: ما هو الفارق بين الجعل بالتبع والجعل بالعَرَض؟
الجواب: الجعل بالتبع جعل حقيقي، والجعل بالعَرَض ليس جعلًا وإنما هو جعل مجازي ادعائي عنائي. إذًا إطلاق لفظ المجعول بالعَرَض على المجعول بالتبع أو بالعكس، إطلاق لفظ المجعول بالتبع على المجعول بالعَرَض، اشتباه وخطأ، لأن المجعول بالتبع جعل حقيقي، هذا يكون في لوازم الوجود، والمجعول بالعَرَض ليس جعلًا حقيقيًا بل من باب التسامح في التعبير نقول: هذا جعل بالعَرَض.
الخلاصة والزبدة: الجعل بالتبع يكون للوازم الوجود، والجعل بالعَرَض إنما يكون للوازم الماهية.
إذا تم هذا واتضح هذا، نرجع إلى أصل المطلب، إذ أننا نبحث في مقدمة الواجب. إذا وجب شيء وجبت مقدمته، إذا وجب شيء لزم وجوب مقدمته. هذا اللازم، لزوم وجوب المقدمة، لزوم تحقق الوجوب الغيري. إذا وجبت الصلاة نفسًا وجب الوضوء غيرًا، إذا وجب الصعود على السطح نفسًا لزم وجوب صعود السلم أو المصعد غيرًا. هذا اللزوم هل هو من لوازم الوجود أو من لوازم الماهية؟
الجواب: لا شك ولا ريب أنه من لوازم الوجود، لأنه يوجد جعلان: جعل للواجب النفسي كالصلاة والكون على السطح، وجعل للواجب الغيري وهو الوضوء أو صعود السلم أو المصعد. إذًا الواجب الغيري يُقال له واجب بالتبع ولا يُقال له واجب بالعَرَض. ولتعميق المطلب أكثر: من اشتاق إلى الصلاة اشتاق إلى الوضوء، ومن اشتاق إلى صعود السطح اشتاق إلى صعود السلم. هذا الشوق لصعود السلم أو المصعد حقيقي أو مجازي؟ هذا الشوق إلى الوضوء حقيقي أو مجازي؟
الجواب: هذا شوق حقيقي، يعني يوجد شوقان، لا أنه شوق واحد فقط، يوجد شوق إلى الصلاة وشوق إلى الوضوء، شوق إلى صعود السطح وشوق إلى صعود السلم، يعني يوجد وجودان وشوقان وإرادتان، واضح الكلام؟
إذًا اتضح أن مسألة مقدمة الواجب واجبة، إذا وجب الواجب وجبت مقدمته ولزم وجوب مقدمته، اتضح أن مسألة وجوب المقدمة ولزوم وجوب المقدمة من لوازم الوجود لا من لوازم الماهية.
ولنرجع إلى كلام صاحب الكفاية الذي أشكل على الوجه الثالث لكي يجري الاستصحاب، فهل كلام صاحب الكفاية يُفهَم منه أن مقدمة الواجب من لوازم الوجود أو من لوازم الماهية؟ لو رجعنا إلى كلامه سنجد أن ظاهر كلام المحقق الشيخ محمد كاظم الخراساني رحمه الله في كفاية الأصول، إن جرى في كلامه على المصطلح المتعارف بدقة، فإنه يرى أن مسألة لزوم مقدمة الواجب من لوازم الماهية، إذ عبَّر عن المقدمة ووجوب المقدمة بأنه مجعول بالعَرَض ولم يعبِّر بأنه مجعول بالتبع.
قد تقول: قد يكون هناك تشويش، كأنما نفسه المجعول بالتبع نفسه المجعول بالعَرَض. نحن اليوم وضَّحنا أن المجعول بالتبع يعني من لوازم الوجود، والمجعول بالعَرَض من لوازم الماهية. لكننا نقول إن صاحب الكفاية رحمه الله صرَّح في ضمن الإشكال على الاستصحاب بأن وجوب المقدمة من لوازم ماهية وجوب ذيها، فصرَّح بأن الوجوب الغيري من لوازم وجوب ماهية الوجوب النفسي، بينما من الواضح أن وجوب المقدمة هو من لوازم الوجود لا من لوازم الماهية، فإن الشوق الغيري فرد من أفراد الشوق كما أن الشوق النفسي فرد آخر من أفراد الشوق.
ولا نريد أن ندخل العرفان في الأصول، يقولون إن المحب والعاشق له حالتان: حالة القرب وحالة البعد، فعند القرب يحصل الأنس وعند البعد يحصل الشوق، فالحبيب يشتاق إلى حبيبه مع البعد ويأنس بقربه عند القرب. وبعض هذه المضامين والكلمات وردت في الأدعية الشريفة: «بذكرك عاش قلبي»[1] ، وبعض الكلمات في الأنس وبعض الكلمات في الشوق، لكن أكثر هذه الكلمات عند العرفاء. الأدعية تذكر الحب، تركز على مفردة الحب لا العشق، لكن في كلمات العرفاء يركزون على العشق.
عمومًا ليس بحثنا في العرفان ولا بحثنا في الأدعية. خوب إذاً لا ندعي وجود شوق واحد، بل يوجد شوقان موجودان مجعولان: شوق نفسي لذي المقدمة كالصلاة، وشوق غيري للمقدمة وهي الوضوء. إذًا التعبير عن الوجوب الغيري بأنه واجب بالعَرَض وبالتجوز وبالتسامح تعبير في غير محله، فهو إما من باب المسامحة أو الخطأ.
النتيجة النهائية: مسألة لزوم مقدمة الواجب من لوازم الوجود لا من لوازم الماهية.
يبقى الكلام في النقطة الثالثة في الجواب، في الوجه الثالث، هو مبني على مقدمتين: المقدمة الأولى أن الاستصحاب باعتباره تصرفًا شرعيًا لا يقع إلا على مجعولات الشارع، والنقطة الثانية، النقطة الأولى كبرى والثانية صغرى، إن وجوب المقدمة ليس مجعولًا شرعيًا لأن وجوب المقدمة من لوازم ماهية وجوب ذي المقدمة. نحن ذكرنا أنه من لوازم الوجود لا من لوازم الماهية.
النقطة الثالثة: إذا تمت المقدمتان وسلَّمنا جدلًا بالكبرى وهو أن وجوب المقدمة ليس مجعولًا بالأصالة، وسلَّمنا أيضًا، إذا سلَّمنا بالكبرى وبالصغرى، الكبرى: أن المجعول في المستصحَب لا بد أن يكون شرعيًا، وسلَّمنا الصغرى بأن المجعول في المقدمة هو من لوازم الماهية، هنا هل تتم النتيجة التي رامها الوجه الثالث أو لا؟
الجواب: لو سلَّمنا أنه يُشترَط في الاستصحاب كونه مجعولًا بالجعل الشرعي، هذا أولًا سلَّمنا الكبرى، وثانيًا سلَّمنا الصغرى أن وجوب المقدمة من لوازم الماهية فهو مجعول بالعَرَض وليس مجعولًا بالتبع، فحينئذ نقول: كونه مجعولًا بالعَرَض لا يكفي في جريان الاستصحاب. لماذا؟ لأننا في المقدمة الأولى اشترطنا في الاستصحاب أن يكون مجعولًا بالجعل الشرعي، وقلنا: بوجود سنخية بين الاستصحاب والقابل للاستصحاب وهو المستصحَب، فكيف يكون الاستصحاب حكمًا شرعيًا لكن المستصحَب هو من لوازم الماهية وليس من الأمور الشرعية المجعولة؟
إذًا في النقطة الثالثة نقول بأنه لو سلَّمنا جدلًا بالمقدمة الأولى والمقدمة الثانية فإن الاستصحاب لا يجري، فيتم الوجه الثالث من الاستشكال على جريان الاستصحاب، لأن الاستصحاب تصرف شرعي يحتاج إلى قابلية المحل للوضع أو الرفع والوضع الشرعي، والمجعول بالعرض هذا غير قابل. لماذا؟ غير قابل للوضع شرعًا. كلامنا عن ماذا؟ عن الوضع الشرعي.
هذا تمام الكلام في النقطة الثالثة، وبها مسك الختام في الجهة السابعة.
الجهة الثامنة: تحقيق أصل المطلب، هل وجوب ذي المقدمة يستدعي وجوب المقدمة أو لا؟ يأتي عليه الكلام.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.