« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/12/02

بسم الله الرحمن الرحيم

2 ذي الحجة 1447
19 أيار 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (ثلاثمائة وأربعة): اعتراض المحقق الأصفهاني على الفارق الذي ذكره المشهور بين لوازم الماهية ولوازم الوجود

 

ذهب المشهور إلى أن الفارق بينهما هو أن لوازم الماهية يكفي في ثبوتها نفس الماهية من دون حاجة إلى وجود الماهية الذهني أو الخارجي، فنفس ماهية الإنسان يلازمها الإمكان حتى لو لم يوجد الإنسان ذهنًا أو خارجًا، ونفس ماهية الأربعة يلازمها الزوجية حتى لو لم توجد الأربعة في الذهن أو الخارج، بخلاف لوازم الوجود فإن اللازم يترتب فيها على الوجود، فالحرارة التي هي لازم للنار لا تترتب على مفهوم النار بل تترتب على وجود النار خارجًا.

إذًا خلاصة ضابطة المشهور: لوازم الماهية يكفي في ثبوتها ثبوت الماهية، بينما لوازم الوجود لا بد من ثبوت الوجود لكي تثبت تلك اللوازم.

واعترض على هذا الفارق المحقق الأصفهاني الشيخ محمد حسين الأصفهاني في نهاية الدراية في توضيح الكفاية[1] .

إذ قال: إن جعل الضابط في لازم الماهية هو كفاية نفس الماهية في تحقق لازمها، إن هذا غير معقول بناءً على أصالة الوجود واعتبارية الماهية، إذ أن الأثر منشأه الوجود لا الماهية، والماهية مع غض النظر عن الوجود إنما هي أمرٌ اعتباري يخضع لاعتبار المعتبر وجعل الجاعل ووضع الواضع، فهي أمر اعتباري صرف وخالص ومحض ولا أثر له.

فالماهية كما يقولون في الفلسفة: الماهية بما هي هي ليس إلا هي لا موجودة ولا معدومة، يعني الماهية مفهوم من المفاهيم غير موجود وغير معدوم، فالماهية بما هي لا تكون مؤثرة في شيء، والماهية بما هي لا تكون علة لشيء حتى تكون الماهية علة واللازم معلولًا، فالماهية ليست مؤثرة حتى تكون لوازمها مؤثرة.

إذًا التأثير لا يُسند إلى نفس الماهية والمفهوم، بل التأثير يُسند إلى الوجود العارض على الماهية. قال الملا هادي السبزواري في المنظومة:

إنَّ الوُجودَ عارض الماهِيَّةَ *** تطابقا واتَّحَدا سَوِيَّةْ

فبناءً على أصالة الوجود:

إنَّ الوُجودَ عِندَنا أصيلُ *** دَليلُ مَن خالفنا عَليلُ

فمنشأ الأثر هو الوجود، يعني التأثير الحقيقي للوجود، وأما الماهية فأمر اعتباري لا يشكل منشأً للأثر.

إذًا شيخنا الأصفهاني: إذا كان الأثر في اللوازم دائمًا للوجود فما الفارق بين لوازم الوجود ولوازم الماهية؟

فقال المحقق الأصفهاني: إن اللازم تارة يكون لازمًا لكلا نحوي الوجود أي الوجود الذهني والوجود الخارجي، وهذا يُسمى لازم الماهية، فالزوجية لازمة لوجود الأربعة الذهني والخارجي معًا، والإمكان لازم لوجود الإنسان الذهني والخارجي معًا، بخلاف لوازم الوجود فإنها تكون لازمًا لخصوص الوجود الخارجي دون الوجود الذهني، فالحرارة لازمٌ لوجود النار الخارجي لا الذهني، وإلا إذا تتصور النار يحترق ذهنك، ما يحترق ذهنك، وهكذا البرودة هي لازم لوجود الثلج خارجًا لا أن البرودة لازم لوجود الثلج ذهنًا، وإلا لتثلج ذهنك الشريف حينما تتصور الثلج (واليخ) بالفارسية. خذ هذا الشعر فارسي عربي (قاتي باتي):

شيئان عجيبان هما أبردُ من يَخْ *** شيخٌ يتصبى وصبيٌّ يتشيَّخ

خوب نرجع إلى الأصول.

إذًا لاحظ دقة المحقق الأصفهاني: سؤال شيخنا الأصفهاني المشهور: قالوا لوازم الماهية تثبت عند تصور الماهية بقطع النظر عن الوجود، ولوازم الوجود تثبت إذا تحقق الوجود، والمحقق الأصفهاني؟ قال: لا، لا يوجد أثر للماهية بحيث إنها إذا تُصوِّرت يُتصوَّر اللازم، بل إن منشأ الأثر في اللازمين، لازم الوجود ولازم الماهية، هو الوجود، والفارق بينهما أن لازم الماهية أثر للوجودين معًا: الوجود الذهني والوجود الخارجي، فالزوجية لازمٌ لوجود الأربعة خارجًا وذهنًا، والإمكان لازم لوجود الإنسان ذهنًا وخارجًا، بخلاف لوازم الوجود فإنها أثرٌ لخصوص الوجود الخارجي من قبيل الحرارة التي لا تثبت إلا للنار الخارجية دون النار الموجودة في الذهن.

هذا تمام الكلام في بيان اعتراض المحقق الأصفهاني على تفرقة المشهور بين لوازم الوجود ولوازم الماهية.

لكن الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ناقش المحقق الأصفهاني في تقريراته المختلفة، ومنها مباحث الأصول تقرير السيد كاظم الحائري[2] ، هكذا في تقرير الشيخ حسن عبد الساتر[3] .

وأفاد الشهيد الصدر في مناقشة المحقق الأصفهاني إننا ندرك بالضرورة والبداهة أن الماهية يثبت لها بعض اللوازم ولو قُيِّدت بعدم الوجود الخارجي والذهني معًا.

مثال ذلك: يصدق قولنا إن الأربعة المعدومة بشكل مطلق ذهنًا وخارجًا يلزمها الزوجية، ويصدق قولنا إن الإنسان المقيد بالعدم المطلق، يعني الإنسان المعدوم ذهنًا وخارجًا، هذا الإنسان ممكن يعني يمكن أن يوجد، يلزمه الإمكان.

فنحن حينما نُحضر في ذهننا الأربعة المعدومة يحضر اللازم وهو الزوجية، وحينما نُحضر في ذهننا الإنسان المعدوم ذهنًا وخارجًا يحضر في ذهننا ملازمة الإمكان للإنسان.

وبالتالي بناءً على هذا وإن أصبحت الأربعة أو الإنسان موجودًا في الذهن بالحمل الشايع الصناعي أي بلحاظ المصداق، لكنه بالحمل الأولي وبلحاظ المفهوم هو أربعة معدومة أو إنسان معدوم، ويصح حمل الزوجية على الأربعة ويصح حمل الإمكان على الإنسان أي بلحاظ ماذا؟ بلحاظ الحمل الأولي، يعني الإنسان المعدوم بلحاظ المفهوم.

وهذا يدل على أن الزوجية والإمكان لا يحتاج إلى الوجود أصلًا، واضح إن شاء الله الجواب.

خلاصة الجواب: يمكن تصور لازم الماهية بتصور الماهية بقطع النظر عن الوجود. وأما ما أُثير من شبهة أن الماهية أمر اعتباري بناءً على أصالة الوجود ولا يمكن أن تؤثر الماهية، فهذا في غير محله، إذ نسأل عن العلاقة بين اللازم والملزوم: فهل العلاقة بينهما علاقة العلة والمعلول؟ يعني الملزوم علة واللازم معلول، يعني الأربعة علة والزوجية معلول، الإنسان علة والإمكان معلول؟ أو أن العلاقة بينهما علاقة الصفة والموضوع يعني عندنا موضوع وهو الإنسان وثبتت له صفة وهي صفة الإمكان، عندنا موضوع وهو الأربعة وعندنا صفة ثبتت لهذا الموضوع وهي الزوجية؟ يلا أفتونا مأجورين، أنتم أصحاب عرف، العلاقة بين اللازم والملزوم؟ علاقة العلة بالمعلول أو علاقة الصفة بالموضوع؟

الجواب: إن لازم الماهية نسبته إلى الماهية إنما هي نسبة الصفة إلى الموضوع وليست نسبة المعلول إلى العلة.

لكن قد يُناقَش الشهيد الصدر بأننا لو رجعنا إلى كلمات المحقق الأصفهاني فإن الشيخ الأصفهاني لم يدَّعِ أن لازم الماهية لو كان لكان معلولًا للماهية، فلم يدَّعِ الشيخ الأصفهاني أن الماهية كالإنسان والأربعة علة ولم يدع أن الزوجية والإمكان وغيرهما من اللوازم بمثابة المعلول، لم يدع هذا، بل لو رجعنا إلى كلمات الشيخ محمد حسين الأصفهاني رحمه الله سنجد أنه ادَّعى أن لازم الماهية لو كان فهو منتزع من الماهية، في حين أنه لا يمكن انتزاع ماهية من ماهية أخرى، وإلا لكان الاستلزام والاستتباع جزء ذات الماهية.

إذًا نسأل هذا السؤال: ما هي العلاقة بين الماهية ولازمها؟ هل نسبة لازم الماهية إلى الماهية هي نسبة الصفة إلى الموضوع أو نسبة المعلول إلى العلة؟

والجواب: إن الصحيح وفق مبنى الشهيد الصدر ووفق مبنى المحقق الأصفهاني أن العلاقة بين اللازم والماهية ليست علاقة العلة والمعلول، لا ندَّعي أن الماهية علة وأن لازم الماهية معلول لهذه العلة، هذا لا يقبله المحقق الأصفهاني ولا يقبله الشهيد الصدر.

لكن الشهيد الصدر يرى أن اللازم صفة ثبت لموضوع وهو الماهية، فإمكان الإنسان موضوعه الإنسان، وزوجية الأربعة موضوعها الأربعة، لا أن الأربعة علة للزوجية والإنسان علة للإمكان، لأن لوازم الماهية ليس لها وجود أصلًا بل هي واقعية بنفسها لا بوجودها، ولوح الواقع أوسع من لوح الوجود، فهناك أشياء واقعية بنفسها وهناك أشياء واقعية بوجودها، فإمكان الإنسان له واقعية بنفسه بلا وجود ولا علة له.

النتيجة: اتضح ما ذهب إليه المشهور في النقطة الثانية من الوجه الثالث، وهو أن الفارق بين لوازم الوجود ولوازم الماهية هو أن لوازم الماهية ما تكفي نفس الماهية في ثبوتها، ولوازم الوجود ما لا يكون ثابتًا إلا بعد الوجود، هذا صحيح، ما ذهب إليه المشهور صحيح.

ومن هنا ينقدح أن لوازم الماهية ليست مجعولة أصلًا، بخلاف لوازم الوجود فهي مجعولة.

أما مجعولية لوازم الوجود فلأنها معلولة للوجود، فهي مجعولة بالمباشرة للوجود ومجعولة بالتبع من قِبَل خالق هذا الوجود، وبالتالي الله عز وجل خلق النار بالأصالة وخلق الحرارة بالتبع، الله عز وجل خلق الثلج بالأصالة وخلق برودة الثلج بالتبع، فلوازم الوجود مجعولة لكن جعلها جعل تبعي.

لاحظ هذا المصطلح: الجعل بالتبع في مقابل الجعل بالأصالة، هذا غير مصطلح الجعل بالعرض.

إذًا لوازم الوجود تخضع للجعل، بخلاف لوازم الماهية فإنها لا تخضع للجعل. لماذا؟ لأن لازم الماهية ذاتي للماهية، لا يُعقَل التفكيك بينهما، أنت تقدر تفكك بين الزوجية والأربعة؟ تقدر تفكك بين الإنسان والإمكان؟ هذا لازم ذاتي.

إذًا لوازم الماهية غير مجعولة لأن لوازم الماهية ذاتية للماهية بلا علة أصلًا، لذلك ما يصير تقول: جعل الإنسان، خلق الإنسان وخلق الإمكان بالتبع، هذا غير صحيح التعبير، أو خلق الأربعة وخلق الزوجية بالتبع، هذا غير صحيح، لأن هذا اللازم قهري ذاتي، واضح أو لا؟

فـ لوازم الوجود مجعولة ولوازم الماهية غير مجعولة، لأن لوازم الماهية ذاتية للماهية، فصح أن يُقال إن لوازم الماهية مجعولة بالعرض ولا تقول بالتبع، تصير هكذا العبارة الصحيحة: الله خلق النار بالأصالة وخلق الحرارة بالتبع، وتقول: الله خلق الإنسان بالأصالة ووُجِد الإمكان بالعرض، خلق الأربعة بالأصالة ووُجِدت الزوجية بالعرض، مو تقول بالتبع، التبع يعني جعل، قل بالعرض.

إذاً صح أن يُقال إن لوازم الماهية مجعولة بالعرض، أي أن من يجعل ويوجد ماهية الأربعة يكون هذا الجعل من قِبَله جعلًا لماهية الأربعة حقيقة وللزوجية مسامحةً وعناية وبالعرض، وهذا غير مصطلح الجعل بالتبع، فإن الجعل بالتبع يُقال بالنسبة للوازم الوجود، فالحرارة إذا قيست إلى النار فهي مجعولة مباشرة، وإذا قيست إلى خالق النار فهي مجعولة بالتبع، فالجعل بالتبع جعل حقيقي والجعل بالعرض جعل عنائي.

هذا تمام الكلام في تنقيح النقطة الأولى والنقطة الثانية، النقطة الثالثة في تمامية الإشكال يأتي عليها الكلام.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 


[1] نهاية الدراية في توضيح الكفاية، الشيخ محمد حسين الأصفهاني، ج٢، ص١٦٦.
[2] مباحث الأصول، تقرير السيد كاظم الحائري، ج٢، ص٥٥٧.
[3] .بحوث في علم الأصول، تقرير الشيخ حسن عبد الساتر، ج٥.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo