47/12/01
1 ذي الحجة 1447
18 أيار 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (ثلاثمائة وثلاثة): الوجه الثالث لعدم جريان الاستصحاب في مقدمة الواجب
الوجه الثالث لعدم جريان الاستصحاب في مقدمة الواجب، وهو مبني على مقدمتين: المقدمة الأولى كبرى ومفادها إن الاستصحاب باعتباره تصرفًا شرعيًا لا يقع إلا على المجعولات الشرعية، فالاستصحاب يجري فيما يكون تحت تصرف الشارع جعلًا ورفعًا، ومن هنا يُشترط في صحة جريان الاستصحاب كون المستصحَب مجعولًا شرعيًا أو موضوعًا لمجعول شرعي حتى ينتهي الاستصحاب إلى التصرف في الجعل الشرعي.
خلاصة المقدمة الأولى وهي مقدمة كبروية: إن الاستصحاب حكم شرعي وليس حكمًا عقليًا، فإذا كان الاستصحاب حكمًا شرعيًا فحينئذ يُشترط أن يكون المستصحَب إما جعلًا يعني حكمًا شرعيًا أو موضوعًا لحكم شرعي.
المقدمة الثانية صغرى، وهي أن وجوب المقدمة ليس مجعولًا شرعيًا، لأن وجوب المقدمة من لوازم ماهية وجوب ذي المقدمة، ولوازم الماهية غير مجعولة لا بالجعل البسيط ولا بالجعل المركب التأليفي.
خلاصة المقدمة الصغرى: إن موطن بحثنا هو وجوب المقدمة بالوجوب الغيري، ووجوب المقدمة ليس حكمًا شرعيًا وليس بموضوعٍ لحكم شرعي، لأن وجوب المقدمة لازم لماهية المقدمة، وهذا اللازم حكم عقلي وأمر عقلي وليس أمرًا شرعيًا، فلو تنزلنا وقبلنا المقدمة الأولى فإن المقدمة الثانية لا تجري.
وقد أجاب صاحب الكفاية أعلى الله في الخلد مقامه: بأن وجوب المقدمة وإن لم يكن مجعولًا بالأصالة لكنه مجعول بالعَرَض نظرًا لاعتبار مجعولية ملزومه، فالملزوم مجعول فلازم الملزوم يكون مجعولًا بالعَرَض وبالتبع، ويكفي في جريان الاستصحاب كون المستصحَب مجعولًا بالعَرَض وإن لم يُجعل بالأصالة[1] .
هذا الوجه الثالث يتم بالكلام في ثلاث نقاط: النقطة الأولى في صحة المقدمة الأولى، النقطة الثانية في صحة المقدمة الثانية، النقطة الثالثة: لو تمت المقدمة الأولى والثانية فهل يتم الإشكال أو لا؟ وإليكم تفصيل الكلام في النقاط الثلاث كما يلي:
النقطة الأولى: هل المقدمة الأولى صحيحة أو لا؟ وهذا البحث يرتبط بأبحاث الاستصحاب التي ستأتي. والتحقيق إنه لا يُشترط في جريان الاستصحاب كون المستصحَب إما جعلًا شرعيًا أو موضوعًا لجعل شرعي، وإنما الشرط هو الانتهاء إلى الأثر العملي في مقام التنجيز والتعذير.
أما اشتراط الانتهاء إلى الأثر العملي من منجزية أو معذرية فلأن هذا هو حقيقة الحكم الظاهري، فالحكم الظاهري هو ما أدخل التكليف في الذمة والعهدة فيكون منجِّزًا، أو أخرج التكليف من الذمة فكان معذِّرًا.
إذًا يُشترط في جريان الاستصحاب ترتب أثر عملي على استصحاب المستصحَب أي منجزية أو معذرية، ولا يُشترط كون المستصحَب إما حكمًا شرعيًا أو موضوعًا لحكم شرعي، لأن نكتة توهم هذا الاشتراط هي إن الاستصحاب تصرف شرعي وحكم شرعي فيحتاج إلى محل شرعي ويحتاج إلى محل قابل لهذا التصرف الشرعي، والمحل القابل للتصرف الشرعي هو المجعولات الشرعية أو موضوعات المجعولات الشرعية.
لكن هذا الكلام أشبه بالكلام الصوري والشكلي، لأن الاستصحاب تصرف شرعي ظاهري وليس واقعيًا، ومرجع التصرف الظاهري إلى التعبد بثبوت شيء أو التعبد بعدم ثبوت شيء، فكما يمكن للمولى أن يُعبِّد مواليه بمجعولات شرعية يمكن للمولى أن يُعبِّد مواليه بمجعولات غير شرعية إذا ترتب عليها أثر عملي من منجزية أو معذرية.
والخلاصة: يُشترط في الاستصحاب ترتب أثر عملي على استصحاب المستصحَب، والأثر العملي دخول التكليف في الذمة وهو المنجزية أو خروج التكليف من الذمة وهو المعذرية، ولا يُشترط أن يكون المستصحَب مجعولًا شرعيًا أو موضوعًا لمجعول شرعي ويُدَّعى أن التصرف الشرعي لا بد من وجود سنخية بين التصرف الشرعي وبين محل التصرف الشرعي، إذ أن الاستصحاب تصرف شرعي ظاهري، والسنخية إنما تكون في التصرف الشرعي الواقعي، ويكفي في التصرف الشرعي الظاهري ترتب الأثر من منجزية أو معذرية سواء كان المستصحَب حكمًا شرعيًا أو لم يكن كذلك.
فبإبطال المقدمة الأولى وهي الكبرى ينهدم ويبطل الوجه الثالث للإشكال على جريان الاستصحاب في وجوب مقدمة الواجب. النتيجة: المقدمة الأولى باطلة عاطلة، وهذا كافٍ في بطلان الوجه الثالث. لكن لو تنزلنا جدلًا وقلنا بصحة المقدمة الأولى وأنه يُشترط في جريان الاستصحاب أن يكون المستصحَب حكمًا شرعيًا أو موضوعًا لحكمٍ شرعي يعني سلَّمنا الكبرى، المناقشة في الكبرى يصير ماذا؟ مناقشة مبنائية. أنت مبناك اشتراط أن يكون المستصحَب حكمًا شرعيًا أو موضوعًا لحكم شرعي، وأنا مبنائي لا يُشترط. هنا إن ناقشته قد يقول: نحن نختلف في المباني، فيأتي الكلام في المقدمة الثانية التي يكون فيها النقاش بنائيًا لا مبنائيًا.
يا أخي يا أخي، أيهما أقوى؟ الإشكال البنائي أو المبنائي؟ لا شك ولا ريب الإشكال البنائي، يعني بناءً على مبناك هذا ما يصير، هذا أقوى من الإشكال المبنائي. قد تقول: أنت تصادر المطلوب، أنت مبناك هذا وأنا مبناي ذاك. ويا أخي يا أخي، لاحظ: المناقشة في الكبرى إشكال مبنائي، والمناقشة في الصغرى إشكال بنائي.
وإذا أردت أن تصير قويًا دائمًا ناقش وزعزع في الصغرى، فإن أكثر الناس يتفقون في الكبريات ويختلفون في الصغريات. أغلب الكبريات مقبولة: حُسن العدل وقُبح الظلم، حُسن الصدق وقُبح الكذب، حُسن الأمانة وقُبح الخيانة، هذه كـ كبريات مسلَّمة. لكن هذا الفعل الجزئي هل هو صدق أو كذب؟ هل هو أمانة أو خيانة؟ هل هو عدل أو ظلم؟ هنا يختلف الناس. أنت تقول هذا عدل وذاك يقول هذا ظلم، أصل حُسن العدل وقُبح الظلم ما يختلفون فيه. أكثر الاختلافات في الصغريات، واللبيب النبيه من يحكم الكبريات والصغريات و يركز على جودة الصغريات.
فلنناقش النقطة الثانية، وهي أن وجوب المقدمة ليس مجعولًا شرعيًا وإنما هو لازم الماهية، ولازم الماهية ثابتٌ قهرًا لا يخضع للجعل الشرعي لا بالجعل البسيط ولا بالجعل التأليفي. فيُقال: ما هو الفارق بين لوازم الماهية ولوازم الوجود؟ إذ أنهم يقسمون اللوازم إلى قسمين: القسم الأول لوازم الماهية، مثل الإمكان الذي هو لازم لماهية الإنسان، والزوجية التي هي لازمٌ للأربعة. القسم الثاني لوازم الوجود، كالحرارة التي هي من لوازم النار، والبرودة التي هي من لوازم وجود الثلج. فما الفرق بين لوازم الوجود وبين لوازم الماهية؟
والجواب: قالوا في الفرق بين لوازم الوجود ولوازم الماهية: إن لوازم الماهية يكفي في ثبوتها وتحققها واقعية نفس الماهية من دون حاجة إلى وجود الماهية خارجًا أو ذهنًا. مثال ذلك: الإنسان وماهية الإنسان حتى لو لم توجد في الخارج أو الذهن فإن الإمكان لازمٌ لماهية الإنسان سواء وُجد الإنسان في الذهن أو الخارج أو لم يوجد، وهكذا الزوجية لازمٌ للأربعة سواءً وُجدت الأربعة في الخارج أو الذهن أو لم توجد. فلوازم الماهية يُشترط في ثبوتها تحقق نفس الماهية من دون النظر إلى الوجود.
بخلاف القسم الثاني وهو لوازم الوجود، فإن ماهية النار لا تترتب عليها الحرارة ما لم توجد، فالحرارة أثر من آثار وجود النار وليس ماهية النار، كما أن البرودة أثر من آثار وجود الثلج وليس مفهوم وماهية الثلج.
الخلاصة: متى تثبت لوازم الماهية؟ ومتى تثبت لوازم الوجود؟ الجواب: لوازم الماهية تثبت لثبوت الماهية سواء الماهية وُجدت في الذهن أو في الخارج أو لم توجد. ما المراد بالماهية؟ الماهية اصطلاحًا هي مصدر صناعي من سؤال ما هي؟ ما هو؟ فإذا خُتم بياء مشددة وتاء مربوطة يصير مصدرًا صناعيًا. الماهية هي ما يُقال في جواب ما هو؟ ما هو الإنسان؟ حيوان ناطق. ما هو الأسد؟ حيوان زائر. عندنا حيثيتان: حيوان ناطق موجود، حيوان زائر موجود.
وتوجد مدرستان في الفلسفة: مدرسة المشَّاء ومدرسة الإشراق. مدرسة المشَّاء تُنسب إلى الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا وهم يقولون بأصالة الوجود، ومدرسة الإشراق تُنسب إلى شيخ الإشراق السهروردي وهم يقولون بأصالة الماهية. الإشراق، مدرسة الإشراق، أنا قلت شنو؟ قال: أحسنت، الإشراق. بعضهم يقول: أصول الإشراق عند أفلاطون أستاذ أرسطو، وأصول المشَّاء عند أرسطو، فيصير هكذا: مدرسة المشَّاء من أرسطو طاليس إلى أبو علي ابن سينا، ومدرسة الإشراق من أفلاطون إلى شيخ الإشراق السهروردي.
وصاحب المنظومة الملا هادي السبزواري هو امتداد لمدرسة الحكمة المتعالية. الحكمة المتعالية جمعت بين أربعة أشياء مزجت بينها: علم الكلام والعرفان النظري ومدرسة الإشراق ومدرسة المشَّاء. قال الملا هادي السبزواري: «إنَّ الوُجودَ عِندَنا أصيلُ دليلُ مَن خالَفَنا عَليلُ». صار درسنا فلسفة وليس بأصول. الملا صدر المتألهين، ملا صدرا الشيرازي، صاحب مدرسة الحكمة المتعالية، أصل ونظر لأصالة الوجود. أستاذه السيد ميرداماد، المولى محمد باقر ميرداماد، هو يرى أصالة الماهية.
ما المراد بالأصالة؟ منشأ الأثر. الآن أنا أتكلم، هذا الكلام أثر لوجودي وجود الإنسان أو أثر لماهية الإنسان حيوان ناطق؟ أنت الآن تشرب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا الشرب أثر للوجود أو أثر للماهية؟
إذًا مدرسة الحكمة المتعالية ومدرسة المشَّاء يرون أن الأصالة للوجود، يعني منشأ الأثر هو الوجود، يعني الأكل، النوم، الشرب، الكلام، الحياة، الموت للوجود، وجود الكائنات، بينما مدرسة الإشراق ترى أن الأصالة للماهية، أن الشرب بهذه الكيفية والكلام بهذه الكيفية أثر لماهية الإنسان وماهية هذا الحيوان. واضح إن شاء الله، هذه المقدمة واضحة.
إذا اتضح هذا، أشكل المحقق الأصفهاني على هذا التفريق بين لوازم الوجود ولوازم الماهية. هم قالوا ماذا؟ الفرق بين لوازم الوجود ولوازم الماهية؟ قالوا: لوازم الماهية تثبت لنفس الماهية بغض النظر عن وجودها، يعني الإمكان لازم للإنسان وماهية الإنسان بقطع النظر عن وجوده ذهنًا أو خارجًا، الزوجية لازم يثبت لمفهوم الأربعة وماهية الأربعة بقطع النظر عن وجود الأربعة في الذهن أو الخارج. يقول: هذا يتنافى مع أصالة الوجود، الأثر واللازم يثبت للوجود ولا يثبت للماهية، هذا ينسجم مع أصالة الماهية ولا ينسجم مع أصالة الوجود. «إنَّ الوُجودَ عِندَنا أصيلُ دليلُ مَن خالَفَنا عَليلُ».
هذا تمام الكلام في بيان النقطة الثانية ومنشأ من إشكال المحقق الأصفهاني عليها.
الدرس القادم إن شاء الله نقرر إشكال المحقق الأصفهاني والجواب عليه.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.