« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/11/16

بسم الله الرحمن الرحيم

16 ذي القعدة 1447
4 أيار 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (ثلاثمائة وواحد): المعاني الثلاثة للفعلية في مقابل الواقع

 

المعنى الأول، وقد تحدثنا عنه، وهو ما يناسب صاحب الكفاية، فمن المناسب أن يكون هو المراد له. فصاحب الكفاية يقول في مقام الجامع بين الأحكام الظاهرية والواقعية: إن الحكم له مرتبة إنشاء ومرتبة فعلية، ويقصد بذلك أن الحكم تارةً يكون قد أُنشئ، ولكن ليست على طبقه مرتبة تامة من الإرادة، وقد تكون على طبقه مرتبة ناقصة من الإرادة، وأخرى قد تكون على طبق هذا الحكم المُنشأ إرادةٌ تامة وقوية وجدية، ويكون فيه روح الحكم وحقيقة الحكم، وهذا هو معنى الفعلية.

إذاً المعنى الأول للفعلية في مقابل الحكم الإنشائي: يُراد بالفعلية الإرادةُ القوية والتامة في مقابل مجرد الإنشاء الذي هو مجرد لقلقة لسان. فيقول المحقق الخراساني صاحب الكفاية: إن الأصول العملية كالاستصحاب إنما تنفي مرتبة الفعلية دون أصل الحكم بوجود الحكم الإنشائي، وبذلك يجيب على شبهة ابن قِبَة.

فيكون الجواب هكذا: توجد ملازمة بين الحكم الإنشائي لوجوب الصلاة وبين الحكم الإنشائي لوجوب الوضوء، وحينما نشك في وجوب الوضوء الغيري فإننا لا نشك في الحكم الإنشائي لوجوب الوضوء، بل نشك في وجوب الوضوء جِدًّا وحقيقةً. والاستصحاب حينما ينفي وجوب الوضوء فإنه لا ينفي وجوب الوضوء الإنشائي، حتى تقول: فككنا بين الحكم الإنشائي للوضوء والحكم الإنشائي للصلاة، بل إن الاستصحاب إنما ينفي خصوص الوجوب الفعلي للوضوء، يعني ينفي الإرادة الجدية والقوية والمحكمة التي تثبت لوجوب الوضوء غيريًا، وبالتالي لا يوجد تنافي إذ أن جريان الاستصحاب لا ينفي الملازمة، لأن الملازمة إنما تكون بين الحكمين الإنشائيين، وما ينفيه الاستصحاب هو الحكم حقيقةً، أي الإرادة الجدية والقوية لوجوب الوضوء، لا الحكم إنشاءً.

لكن هذا الكلام ليس بتام، فمن الغريب العجيب دعوى وجود ملازمة بين الحكمين الإنشائيين وعدم وجود ملازمة بين الحكمين الحقيقيين الواقعيين. هذا غريب عجيب! يعني توجد ملازمة بين الحكم الإنشائي لوجوب الصلاة والحكم الإنشائي لوجوب الوضوء، ولا توجد ملازمة بين إرادة وجوب الصلاة جِدًّا وإرادة وجوب الوضوء جِدًّا؟ بل الملازمة بلحاظ الحكم الفعلي أقوى من لحاظ الحكم الإنشائي، بل ربما في الإنشاء المولى يُنشئ وجوب الصلاة ولا يُنشئ وجوب الوضوء، بخلاف الملازمة في عالم الفعلية، فإن المولى إذا أراد الصلاة جِدًّا فإنه قطعًا يريد الوضوء جِدًّا. وبالتالي إذا أجرينا الاستصحاب عن وجوب الوضوء جِدًّا فإننا فككنا بين الحكم الجدي لوجوب الصلاة والحكم الجدي لوجوب الوضوء.

إذاً لو أردنا تنزيل عبارة صاحب الكفاية في المقام على هذا المصطلح، وهو أنه يُراد بالحكم الفعلي الإرادةُ التامة، فبناءً على هذه المباني يكون معنى ذلك أن الملازمة بين الوجوبين الإنشائيين ولا توجد ملازمة بين الوجوبين الحقيقيين الفعليين، وهذا واضح البطلان، فإن الأمر بالعكس تمامًا، فإن مجرد إنشاء أحد الحكمين كالصلاة لا يستلزم إنشاء الحكم الآخر كالوضوء، بينما الطلب الحقيقي لذي المقدمة كالصلاة يستلزم الطلب الحقيقي للمقدمة كالوضوء. فبناءً على تمامية مبنى وجوب مقدمة الواجب قطعًا توجد ملازمة بين الحكمين الحقيقيين الفعليين.

النتيجة النهائية: لو أخذنا بالمعنى الأول الذي يناسب أن يكون هو المراد لصاحب الكفاية، وأن المراد بالحكم الفعلي هو الحكم الحقيقي الذي فيه إرادة تامة، فإن كلام صاحب الكفاية لا يتم.

ذكرنا في الدرس السابق أن كلام صاحب الكفاية يتم بناءً على المعنى الأول والثالث دون الثاني، قلنا يتم بلحاظ ما ذُكر من أن الاستصحاب ينفي الحكم الحقيقي لوجوب الوضوء والملازمة موجودة بين الحكمين الإنشائيين. اليوم نكمل البحث ونقول: هذا الكلام ليس بتام، لأنك إذا ادعيت وجود ملازمة بين الحكمين الإنشائيين فمن باب أولى تدعي وجود ملازمة بين حكمين حقيقيين وإرادتين جديتين.

هذا تمام الكلام في المعنى الأول للفعلية: الفعلية بمعنى الحكم الحقيقي في مقابل الحكم الإنشائي، الفعلية بمعنى الإرادة الجدية في مقابل مجرد الحكم الإنشائي الذي هو مجرد إنشاء ولقلقة لسان.

المعنى الثاني للفعلية، وهو مصطلح المحقق النائيني: والمراد بالفعلية في مصطلح المحقق النائيني هو الحكم المجعول في مقابل الجعل. فالفعلية في مصطلح المحقق النائيني ليست في مقابل الإنشاء كما في المعنى الأول للآخوند الخراساني، بل الفعلية في مقابل الجعل. وفرقٌ كبير بين الإنشاء والجعل، إذ أن جعل الحكم لا يكون إلا بإرادة، بينما الإنشاء قد لا تكون على طبقه إرادة قوية ومحكمة وجدية، أي أنه يمكن التفكيك بين إنشاء الحكم وبين الإرادة القوية على طبق الحكم، لكن لا يُعقل التفكيك بين جعل الحكم ووجود إرادة قوية على جعل ذلك الحكم.

إذاً المعنى الأول للفعلية لصاحب الكفاية هو الفعلية في مقابل الإنشاء، والمعنى الثاني للفعلية وهو للمحقق النائيني الفعلية في مقابل الجعل. فيُراد بالحكم الفعلي المجعولُ في مقابل الجعل. فالمولى عز وجل يجعل أصل الحكم، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾[1] ، فجعل وجوب الحج على المكلف المستطيع هذا جعلٌ، فإذا استطاع المكلف خارجًا وحصل على الزاد والراحلة والأمان فإن وجوب الحج يكون فعليًا في حقه، أي إذا توفرت الشرائط الموضوعية خارجًا أصبح الحكم فعليًا وداخلًا في ذمته وفي عهدته حقًا.

إذاً يُراد بالحكم الفعلي في مصطلح المحقق النائيني هو الحكم المجعولي في مقابل الحكم الجعلي. فالمحقق النائيني يريد بالإنشاءَ جعلًا، ويريد بالفعلية الحكمَ المجعول الذي يتحقق عند تحقق موضوعه خارجًا.

فلو أُريد بالفعلية في كلام الآخوند الخراساني مصطلحُ الفعلية للمحقق النائيني، فإن كلام صاحب الكفاية لا يجري في المقام ويكون واضح البطلان بناءً على مبنى المحقق النائيني. إذ من الواضح أن جعل الوجوب لذي المقدمة إذا استلزم جعله للمقدمة، فأيضًا مجعول الحكم لذي المقدمة يستلزم مجعول الحكم للمقدمة.

وبعبارة أخرى: إذا ادعيت وجود ملازمة بين الجعلين — جعل وجوب الصلاة وجعل وجوب الوضوء — فلمَ لا تدعي وجود ملازمة بين فعلية وجوب الصلاة وفعلية وجوب الوضوء، يعني بين الوجوب المجعول للصلاة وبين الوجوب المجعول للوضوء؟ فإذا ثبتت الملازمة بين الجعلين أيضًا ثبتت الملازمة بين المجعولين.

إذاً توجد عندنا ملازمتان: ملازمةٌ بين الجعلين — بين جعل وجوب الصلاة وجعل وجوب الوضوء — وبين المجعولين — ملازمة بين الوجوب الفعلي للصلاة والوجوب الفعلي للوضوء. متى يصير وجوب فعلي إذا دخل الوقت وكان قادرًا على الصلاة ودخل الوقت وكان قادرًا على الوضوء.

ومن الواضح أن الاستصحاب لا يُخل بالمجعول ولا يُخل بالجعل. فأي معنى للافتراض أن الاستصحاب يهدم الفعلية؟ وأي معنى للافتراض بأن الملازمة إنما هي بين خصوص الجعلين ولا توجد ملازمة بين المجعولين؟ فعلى أي أساس تنفي وجود ملازمة بين المجعولين وتُثبت خصوص الملازمة بين الجعلين؟

إذاً الوجه الثاني وجواب المحقق الخراساني صاحب الكفاية من أن الاستصحاب يجري بلحاظ الفعلية والملازمة إنما تكون بلحاظ الحكمين الإنشائيين، بناءً على مصطلح الفعلية للمحقق النائيني لا يتم جواب صاحب الكفاية، كما لا يتم في المصطلح الأول — الفعلية في مقابل الإنشاء — أيضًا لا يتم هذا الجواب بناءً على المصطلح الثاني — الفعلية في مقابل الجعل.

ومن البعيد جدًا أن يريد صاحب الكفاية من الفعلية نفس المعنى الذي يريده الميرزا النائيني، إذ أن هذا مصطلح اصطلحه المحقق النائيني وهو في مرتبة ورتبة طلاب صاحب الكفاية.

صاحب الكفاية عند الأعلام الثلاثة — الشيخ آقا ضياء الدين العراقي، والمحقق الأصفهاني الشيخ محمد حسين الأصفهاني حضر عنده ثلاثة عشر سنة، والميرزا النائيني — لم يحضر عنده، حضر لعله تبركًا. وأشكل على الميرزا النائيني عند صاحب الكفاية، قالوا له: «هذا يتكبر ما يحضر درسك»، فقال: «هذا أنا أعطيه مجموعة استفتاءات في الليل ويأتيني بجوابها في الصباح، ما يحتاج يحضر عندي.» والميرزا النائيني حضر عند المجدد الشيرازي، صاحب الكفاية أيضًا حضر عند المجدد الشيرازي الذي هو كبار تلامذة الشيخ الأعظم الأنصاري.

المعنى الثالث للفعلية، وهو مصطلح المحقق الأصفهاني: بأن يقصد بالفعلية الباعثيةُ والمحركية المتقومة بالوصول. فالمحقق الأصفهاني يرى أن الفعلية فرع الوصول، فلو قال المولى للعبد: «صلِّ» ولم يصل إليه هذا الخطاب فإن هذا الخطاب لن يحركه ولن يكون فعليًا في حقه. فهل العبرة بصدور الصاروخ أو العبرة بوصول الصاروخ إلى المكان وتدميره؟ فلو طار الصاروخ ولم يصل فإنه لن يتحقق التفجير، فلكي يُفجِّر الصاروخ لا بد أن يصل الصاروخ إلى هدفه، فالثمرة من إصدار الصاروخ هي وصوله. فكذلك الأحكام، العبرة لكي تدخل هذه الأحكام في ذمة المكلفين لا تكمن في صدور هذه التشريعات من المولى، بل هذه التشريعات لا تدخل في ذمة المكلفين إلا إذا وصلت إليهم، فهذه التشريعات لا تحرك المكلفين إلا إذا وصلت إليهم.

إذاً المراد بالفعلية في مقابل الواقع: يعني يوجد حكم في الواقع، في مقابله حكم فعلي، المراد بالحكم الفعلي هو الحكم الواصل إلى المكلف والمحرِّك له.

هذا الكلام — المحركية المتقومة بالوصول — هذا أشبه شيء بالمنجزية في المصطلح العام في علم الأصول، فيقولون: هذه الأمارة منجِّزة، أي مُدخِلة للتكليف في الذمة وتُنجِّز التكليف عليه، لكن متى؟ إذا وصلت إليه الأمارة فإنها تحركه.

بناءً على تعريف المحقق الأصفهاني للفعلية وأنها المحركية المتقومة بالوصول، يتم جواب صاحب الكفاية. فنقول هكذا ـ لاحظ معي حلو يا حلو، حلو يا حلو ـ: توجد ملازمة بلحاظ الواقع، يعني بين واقع وجوب الصلاة وواقع وجوب الوضوء، يعني توجد ملازمة بين الوجوب النفسي والوجوب الغيري واقعًا. والاستصحاب إذا جرى فإنه لا ينفي الحكم الواقعي لوجوب الوضوء، بل ينفي الحكم الفعلي لوجوب الوضوء. ومن المعقول أن تجب الصلاة عليك ولا يجب الوضوء عليك، وذلك في صورة ما إذا وصل وجوب الصلاة إليك ولم يصل وجوب الوضوء إليك، وبالتالي جريان الاستصحاب لا يستلزم التفكيك في الملازمة.

إذاً على أساس مبنى المحقق الأصفهاني من أن الحكم الفعلي هو الباعثية والمحركية التي تكون بالوصول، فلا بأس بالتفكيك بين الوجوبين في مرحلة الفعلية، بأن يصل وجوب ذي المقدمة وهو الصلاة دون وصول وجوب المقدمة كالوضوء. ولا بأس بالقول بأن الاستصحاب يهدم الفعلية، فيقول الاستصحاب: كنت على يقين من عدم وجوب الوضوء عليك منذ الأزل والآن تشك في وجوب الوضوء فعلًا في حقك، يجري الاستصحاب: «لا تنقض اليقين بالشك»[2] ، ولا يلزم التفكيك بين وجوب الوضوء ووجوب الصلاة فعلًا، لأن وجوب الصلاة فعلًا وصل إليك أما وجوب الوضوء لم يصل إليه، فيكون الجواب الصحيح على الإشكال.

ويكون جواب صاحب الكفاية تامًا بناءً على مبنى المحقق الأصفهاني من أن المراد بالفعلية المحركيةُ المتقومة بالوصول.

هذا تمام الكلام في المطلب الأول، وهو عدم ورود الإشكال في فرض احتمال الملازمة في خصوص مرحلة الواقع دون مرحلة الفعلية.

يبقى الكلام في المطلب الثاني، وهو ورود الإشكال لو كانت الملازمة تامة في المرحلتين، أي في مرحلة الواقع وفي مرحلة الفعلية معًا.

المطلب الثاني يأتي عليه الكلام.

وصلى الله على محمد وآله الكرام.

 


[2] . مضمون الحديث النبوي الشريف المروي في كتب الفقه والأصول، وهو أصل الاستصحاب المستفاد من روايات عدة، منها ما رواه زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام. انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج1، باب نواقض الوضوء.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo