« فهرست دروس
الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث الأصول

47/11/15

بسم الله الرحمن الرحيم

15 ذي القعدة 1447
3 أيار 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدرس (ثلاثمائة): إشكال احتمال ارتكاب المحال في جريان الاستصحاب وجوابه

 

الوجه الثاني في عدم جريان الأصل العملي هو دعوى احتمال ارتكاب المحال، وهذا الوجه الثاني لا يختصّ بخصوص مورد المسألة الفقهية وهي وجوب المقدمة، بل يعمّ ويشمل أيضًا المسألة الأصولية أي مسألة الملازمة.

إذًا الوجه أو الإشكال الثاني يفيد أنه لا يمكن إجراء الاستصحاب لا في المسألة الفقهية وجوب المقدمة ولا في المسألة الأصولية وهي مسألة الملازمة.

والوجه في ذلك: إننا نريد بإجراء الاستصحاب أن ننفي بالأصل العملي الوجوب الغيري، وإجراء الأصل العملي لنفي الوجوب يؤدي إلى احتمال ارتكاب المحال، إذ أننا إذا شككنا في وجوب الوضوء واستصحبنا عدم وجوب الوضوء فإننا نحتمل ارتكاب المحال، إذ أننا نحتمل وجود ملازمة بين الوجوبين النفسي والغيري، فنحتمل وجود ملازمة بين وجوب الصلاة النفسي ووجوب الوضوء الغيري، فنحن نحتمل استحالة الانفكاك بينهما، فيكون إجراء الاستصحاب لنفي الوجوب الغيري عن الوضوء تفكيكٌ بينما يُحتمل أنهما متلازمان والتفكيك بينهما مستحيل، ومعنى إجراء الاستصحاب عن وجوب الوضوء أننا نعمل عملًا نحتمل أن يكون مؤديًا إلى المحال، إذ أننا نحتمل وجود ملازمة بين وجوب الوضوء الغيري ووجوب الصلاة النفسي، وإجراء الاستصحاب عن وجوب الوضوء تفكيك بين الوجوبين اللذين نحتمل أنه لا انفكاك بينهما، فيكون احتمال ارتكاب المحال ليس بتامّ، إذ أن احتمال المحال محال، وثبوت ما يُحتمل استحالته محال، بخلاف الأصول العملية وبقية الحجج الشرعية فإنه لا بد من انتهائها إلى نتائج مقطوعة لا إلى نتائج محتملة، فاحتمال الاستحالة في ثبوت التعبد مساوق مع عدم ثبوت التعبد، وهذه نكتة تختصّ بالمقام، بخلاف لو أجرينا استصحاب عدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال فإننا هناك لا نحتمل أن يؤدي ذلك إلى المحال.

خلاصة الوجه الثاني أو الإشكال الثاني على إجراء الاستصحاب في مقدمة الواجب: نقول نحن نحتمل وجود ملازمة بين الوجوب النفسي كالصلاة وبين الوجوب الغيري كالوضوء، فإذا وجبت الصلاة لزم وجوب الوضوء، فإذا أجرينا استصحاب عدم الوجوب في الوضوء الواجب الغيري لزم أن نفكك بين وجوب الصلاة النفسي وبين وجوب الوضوء الغيري، فيكون إجراء الاستصحاب يؤدي إلى احتمال ارتكاب المحال، والأدلة الشرعية من أدلة اجتهادية كالأمارات وأدلة فقاهتية كالأصول العملية لا نحتمل فيها المحال، بل لا بد أن يكون الشيء مقطوعًا، إذًا لا يمكن الاستصحاب في الوجوب الغيري للوضوء، واضح إن شاء الله.

وقد تعرّض إلى هذا الإشكال صاحب الكفاية فيُراجَع كفاية الأصول[1] ، وناقش الشيخ محمد كاظم الخراساني صاحب الكفاية هذا الوجه الثاني فقال: إن هذا الوجه والإشكال الثاني يكون تامًّا على تقدير ولا يكون تامًّا على تقدير آخر.

والسرّ في ذلك: إن الاستصحاب لا ينفي الوجوب الغيري الواقعي، فالاستصحاب لا ينفي الوجوب واقعًا وحقيقةً، وإلا لقلنا بالتصويب، والمراد بالتصويب تبدّل الواقع عما هو عليه وأن تكون الأمارة دائمًا مصيبة وأن يتبدّل الواقع على وفق الأمارة، وهذا التصويب محال عندنا، فلو قلنا إن الاستصحاب ينفي الوجوب الغيري واقعًا وحقيقةً للزم القول بالتصويب.

إذًا الاستصحاب لا ينفي الوجوب الغيري واقعًا وحقيقةً بل ينفي الوجوب الغيري فعلًا، وفرق كبير بين الحكم الواقعي وبين الحكم الفعلي، فتكون النتيجة هكذا: توجد ملازمة بين الوجوب النفسي والوجوب الغيري في مرحلة الواقع، والاستصحاب حينما ينفي الوجوب الغيري للوضوء فإنه لا ينفي الوجوب الواقعي بل ينفي الوجوب الفعلي، فإذا كانت هناك ملازمة محتملة بين الوجوب النفسي والوجوب الغيري فهذه الملازمة إنما هي في مرحلة الواقع لا في مرحلة الفعلية، أي أنه بين واقع وجوب الصلاة والوضوء تكون ملازمة لا أنه توجد ملازمة بين فعلية وجوب الصلاة وفعلية وجوب الوضوء، فالإشكال غير وارد لأننا لا نحتمل الملازمة في مرحلة الفعلية.

خلاصة جواب الآخوند على الوجه الثاني: يقول الآخوند الملازمة المدّعاة بين الوجوب النفسي كالصلاة والوجوب الغيري كالوضوء إنما هي ملازمة بين حكمين واقعيين، فالملازمة ناظرة إلى مرحلة الواقع، وأما ما ينفيه الاستصحاب من الوجوب فهو إنما ينفي الوجوب في مرحلة الحكم الفعلي لا مرحلة الحكم الواقعي، إذًا هناك اختلاف في المرحلة بين مورد الملازمة ومورد جريان الاستصحاب، فلا يجري الإشكال الثاني والوجه الثاني.

إذًا فما هو محتمل الاستحالة إنما يكون بلحاظ مرحلة الواقع، إذًا ما هو محتمل الاستحالة يكون بلحاظ مرحلة وهي مرحلة الواقع، والتفكيك بالأصل يكون بلحاظ مرحلة أخرى يعني التفكيك بالأصل بلحاظ مرحلة الفعلية، وما يكون محتمل الاستحالة يعني الملازمة بلحاظ مرحلة الواقع.

نعم، لو كانت الملازمة بين الوجوب النفسي والوجوب الغيري بلحاظ كلتا المرحلتين معًا أي بمرحلة الواقع والفعلية معًا، فإذا ادّعينا وجود ملازمة بلحاظ كلا العالمين بحيث إن وجوب الصلاة واقعًا يستلزم وجوب الوضوء واقعًا ووجوب الصلاة فعليًا يستلزم وجوب الوضوء فعليًا، فإن الإشكال الثاني والوجه الثاني يتمّ، لأنه بإجراء الاستصحاب عن وجوب الوضوء يتمّ التفكيك بين الفعليتين بين فعلية وجوب الوضوء وفعلية وجوب الصلاة.

إذًا هذا الكلام ينحلّ إلى مطلبين:

المطلب الأول: إن الوجه الثاني غير واردٍ على تقدير الملازمة الواقعية فقط، لأن جريان الاستصحاب إنما يتمّ لنفي الفعلية لا الواقعية.

المطلب الثاني: إن الإشكال الثاني واردٌ على تقدير احتمال الملازمة في كلا العالمين، فلو وُجدت ملازمة بين وجوب الصلاة النفسي ووجوب الوضوء الغيري في كلا العالمين أي عالم الواقع وعالم الفعلية، فحينئذ يكون الإشكال تامًّا، إذ أن الاستصحاب ينفي وجوب الوضوء فعلًا وهذا عبارة عن احتمال ارتكاب المحال، لأنه من المحال التفكيك بين الواجب النفسي والغيري واقعًا وفعلًا.

ولنتكلّم عن كلا المطلبين:

المطلب الأول: إن الوجه الثاني والإشكال الثاني ليس بواردٍ، لأنه الاستصحاب ينفي الوجوب الغيري فعلًا والملازمة ناظرة إلى التلازم بين الوجوب النفسي والغيري واقعًا، والظاهر من لحن عبارة صاحب الكفاية في كفاية الأصول[2] هو الميل إلى المطلب الأول وأن الملازمة المحتملة إنما هي في مرحلة الواقع لا في مرحلة الفعلية، والمنفي بالأصل هو الوجوب بلحاظ مرحلة الفعلية لا مرحلة الواقع، فلا يرد الإشكال.

إذًا هنا يوجد بحثان:

البحث الأول: جريان الأصل فيما لو كانت الملازمة بين الوجوب النفسي والغيري في مرحلة الأحكام الواقعية فقط.

البحث الثاني: عدم جريان الاستصحاب فيما إذا كانت الملازمة بين الواجب النفسي والواجب الغيري في مرحلة الفعلية، واضح أو لا؟ لأن الاستصحاب ينفي الوجوب الغيري في عالم الفعلية، فإذا قلنا بالملازمة بين الوجوب النفسي والوجوب الغيري في عالم الفعلية لزم أن يكون الاستصحاب يفكّك بين المتلازمين، وهذا يؤدي إلى احتمال ارتكاب المحال، لأنه من المحال التفكيك بين الوجوب النفسي والوجوب الغيري بلحاظ مرحلة الفعلية.

وهنا لا بد أن نتساءل: ماذا يقصد المحقق الخراساني صاحب الكفاية من مصطلح الفعلية؟ وماذا يقصد بمرحلة الفعلية؟ لكي نفرق بين مرحلة الفعلية ومرحلة الواقع في الأحكام الشرعية؟

الجواب: توجد ثلاثة معانٍ للفعلية في الواقع، بناءً على المعنى الأول والثالث يتمّ كلام صاحب الكفاية، وبناءً على المعنى الثاني لا يتمّ كلام صاحب الكفاية. المعنى الأول يُستظهر من كلام صاحب الكفاية، والمعنى الثاني للميرزا النائيني، والمعنى الثالث للمحقق الأصفهاني، وإليكم المعاني الثلاثة للفعلية تباعًا:

المعنى الأول: الفعلية هي الأحكام الإنشائية التي يكون على طبقها إرادة مولوية تامة، ففرق كبير بين أصل الإنشاء والحكم وبين وجود إرادة تامة على وفق ذلك الحكم، فالحكم الإنشائي مجرد لقلقة لسان ومجرد اعتبار، فإنشاء الحكم يعني أصل إنشاء الحكم مجرد لقلقة لسان مجرد اعتبار، هذا الاعتبار وهذا الإنشاء متى يكون فعليًا في حق العبد؟

الجواب: يكون فعليًا إذا وُجدت على وفق هذا الإنشاء إرادة مولوية تامة وقوية.

إذًا فرق بين الحكم الإنشائي وبين الحكم الفعلي، والمراد بالحكم الإنشائي الحكم الذي يعتبره المولى وينشئه المولى مع غضّ النظر عن قوة الإرادة، قد تكون الإرادة ناقصة قد تكون الإرادة قوية قد تكون شديدة جدًا، فالمرحلة الأولى هي مرحلة الحكم الإنشائي، المرحلة الثانية مرحلة الحكم الفعلي، فهذا الحكم الإنشائي إذا جاء على طبقه إرادة مولوية قوية وجادة وقال: يا عبدي أحضر الماء الآن وإلا ضربت عنقك، هنا دخل الحكم مرحلة الحكم الفعلي.

وعلى أساس التفرقة بين الحكم الفعلي والحكم الإنشائي فرّق صاحب الكفاية وجمع بين الأحكام الواقعية والأحكام الظاهرية في ردّه على شبهة ابن قبة، ففي شبهة ابن قبة يقول: قد تكون صلاة الجمعة في الواقع حرامًا وقامت الأمارة ظاهرًا على وجوبها، فكيف نجمع بين الضدّين؟ أي بين الوجوب والحرمة، لصلاة الجمعة حرمة واقعية ووجوب ظاهري، فأجاب بأن الأحكام الواقعية إنما هي مجرد اعتبارات وإنشاءات، والاعتبار والإنشاء سهل المؤونة يخضع لاعتبار المعتبر ووضع الواضع وإنشاء المنشئ.

فذهب صاحب الكفاية إلى فعلية الحكم الظاهري في موارد الأصول والأمارات وبقاء الحكم الواقعي إنشاءً محضًا، ولا تناقض في اجتماع حكمين متضادّين على مستوى الإنشاء والاعتبار، وإنما التناقض والاستحالة في اجتماع إرادتين واقعيتين فعليتين، يعني التنافي إنما يكون في الأحكام الفعلية، يعني ما يصير إرادة قوية على الحرمة وإرادة قوية على الوجوب، لكن مجرد إنشاء واعتبار الحرمة ومجرد إنشاء واعتبار الوجوب لا مشاحّة في ذلك، فلو قام أصل أو أمارة ظاهرًا على خلاف الحكم الواقعي فهذا خلاف الحكم الإنشائي وليس خلافًا للحكم الفعلي، لأن الحكم الفعلي عبارة عن الإرادة القوية التامة المحكمة، وبالتالي إذا خالف الحكم الظاهري الحكم الواقعي يكون الحكم الظاهري هو الحكم الفعلي الذي عليه إرادة قوية، والحكم الواقعي هو مجرد إنشاء ولقلقة لسان ومجرد اعتبار وليس عليه إرادة قوية، فلا تنافي في البين.

فإذا كان مراد المحقق الخراساني من الفعلية هو عبارة عن الحكم الإنشائي الذي قام عليه إرادة مولوية تامة، فمعناه أن الملازمة المحتملة إنما هي بين الوجوب الإنشائي للصلاة والوجوب الإنشائي للوضوء، واستصحاب عدم الوجوب للوضوء لا ينفي الوجوب الإنشائي للوضوء بل ينفي الوجوب الفعلي للوضوء.

أعيد وأكرّر: إذا فرّقنا بين الحكم الإنشائي والحكم الفعلي نقول: توجد ملازمة بلحاظ مرحلة الواقع والحكم الإنشائي بين إنشاء الوجوب للصلاة وإنشاء الوجوب للوضوء، فالملازمة بين الحكمين الإنشائيين لا الحكمين الفعليين، فإذا أجرينا الاستصحاب عن وجوب الوضوء فإننا نكون قد أجرينا الاستصحاب عن الوجوب الفعلي لا عن الوجوب الإنشائي، فلم يلزم من إجراء الاستصحاب الترخيص في احتمال ارتكاب المحال.

إذًا بناءً على إرادة هذا المعنى للفعلية يعني الإرادة التامة والقوية، يكون من الوضوح بمكان عدم صحة دعوى اختصاص التلازم بين الوجوبين في مرحلة الأحكام الواقعية وعدم ثبوته في الأحكام الفعلية.

إذًا الخلاصة: الخلاصة بناءً على هذا المعنى الأول للفعلية، المراد بالحكم الفعلي الحكم الإنشائي الذي قام عليه إرادة قوية وجادة، يكون الاستصحاب ينفي الحكم الفعلي، والملازمة بين الوجوب النفسي والوجوب الغيري إنما هي ملازمة بين حكمين إنشائيين، فالاستصحاب لا ينفي الوجوب الإنشائي بل ينفي الوجوب الفعلي والإرادة الجادة والقوية.

هذا تمام الكلام لبيان المعنى الأول للفعلية، معنى الفعلية حسب ما يُفهم من كلام صاحب الكفاية: الحكم الفعلي هو الحكم الإنشائي الذي قام عليه إرادة تامة وقوية في مقابل الحكم الإنشائي.

المعنى الثاني للفعلية ما ذهب إليه المحقق النائيني، يأتي عليه الكلام.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 


[1] . كفاية الأصول، الشيخ محمد كاظم الخراساني، ج2، ص199.
[2] . كفاية الأصول، الشيخ محمد كاظم الخراساني، ج1، ص200، تعليقة أبو الحسن المشكيني.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo