47/11/11
11 ذي القعدة 1447
29 أبريل 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليًلا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدرس (مئتان وتسعة وتسعون): المقام الثاني جريان الأصل العملي في الملازمة
المقام الثاني: جريان الأصل العملي في الملازمة، أي المسألة الأصولية، فالمصبّ الثاني للأصل العملي كالبراءة أو الاستصحاب هو الملازمة، أي إذا وجب شيءٌ لزم وجوب مقدمته، فاللزوم بين الوجوبين، بين وجوب ذي المقدمة كالصلاة ووجوب المقدمة كالوضوء، هذه الملازمة مسألة أصولية، إذا وجب شيءٌ لزم وجوب مقدمته، هذه مسألة أصولية، فيُقال: إننا نشك في ثبوت هذه الملازمة أو لا، فنستصحب عدمها، لكن هذا الكلام ليس بتامٍّ لإشكالين:
الإشكال الأول: إنه لا أثر للملازمة، فكما أن الوجوب الغيري كالوضوء أو الاجتياز لا أثر له من منجّزية أو معذّرية، فلا يستقل الوجوب الغيري بالتنجيز أو التعذير، وإنما التنجيز والتعذير ثابتٌ للواجب النفسي، أي لذي المقدمة لا للمقدمة، فكذلك الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته لا يوجد له أثرٌ من منجّزية أو معذّرية، فلنفرض أنه بنفي الملازمة نفينا الوجوب، ولكن قلنا إن الوجوب الغيري لا أثر له، إذ أن المنجّزية والمعذّرية إنما هي من آثار الواجب النفسي كالصلاة، وأما الواجب الغيري كالوضوء فلا يوجد له أثرٌ مستقلٌّ، ولا يوجد للوضوء منجّزيةٌ أو معذّريةٌ مستقلةٌ عن الصلاة التي هي الواجب النفسي.
الإشكال الثاني: لو تنزّلنا وسلّمنا جدلًا بوجود أثرٍ للواجب الغيري، وقلنا: كما توجد منجّزيةٌ ومعذّريةٌ للواجب النفسي كالصلاة، توجد أيضًا منجّزيةٌ ومعذّريةٌ للواجب الغيري كالوضوء، فله أثرٌ مستقلٌّ ومنجّزيةٌ أو معذّريةٌ مستقلةٌ عن الواجب النفسي، وهذا خلاف مبنانا، لكن لو تنزّلنا وسلّمنا جدلًا وقلنا: كما أن الواجب النفسي له أثرٌ من منجّزيةٍ ومعذّريةٍ، فكذلك أيضًا الواجب الغيري له أثرٌ من منجّزيةٍ ومعذّريةٍ، فحتى لو سلّمنا بوجود أثرٍ للوجوب الغيري، فحينئذٍ يأتي الإشكال الثاني، فنقول: إن ترتّب هذا الأثر على الملازمة ليس شرعيًّا بل بنحو الملازمة العقلية، ومن هنا نسأل هذا السؤال: ما الفرق بين الترتّب الشرعي وبين الترتّب العقلي؟
الجواب: الترتّب الشرعي عبارةٌ عن ترتّب الحكم المجعول من الشارع على موضوعه المقدَّر الوجود، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾[1] ، فهنا يوجد جعلٌ شرعيٌّ وهو جعل الوجوب على موضوعٍ مقدَّرٍ ومفترَضٍ الوجود، وهو المكلَّف المستطيع، هذا يُقال له جعلٌ شرعيٌّ، فالجعل الشرعي عبارةٌ عن ترتّب الحكم المجعول على موضوعه المقدَّر الوجود، بخلاف الترتّب العقلي، فهو عبارةٌ عن ترتّب نفس الجعل على أسبابه، فهذا ترتّبٌ تكوينيٌّ، فترتّب تحقّق الشيء نظرًا لتحقّق أسبابه، هذا يُقال له ترتّبٌ تكوينيٌّ وليس بترتّبٍ شرعيٍّ، شخص تزوج فأنجب هذا ليس ترتّب شرعيّ، هذا ترتّبٌ تكوينيٌّ، إذا تحقّق السبب تحقّق المسبَّب، فهذا ترتّبٌ تكوينيٌّ يحكم به العقل، فهذا ليس ترتّبًا بحسب حكم الشارع، بل هو ترتّبٌ بسبب حكم العقل، فهنا يحكم العقل: إذا توقّف شيءٌ على شيءٍ كترتّب الصلاة على الوضوء، ووجب هذا الشيء وهو الصلاة، يحكم العقل بلزوم تحقيق الوضوء، هذا ليس حكمًا شرعيًّا، هذا ليس جعلًا شرعيًّا على موضوعٍ مقدَّرٍ الوجود، هذا ترتب تكوينيٌّ، يعني ترتّب الجعل على أسبابه المحقِّقة له، وفرقٌ بين الترتّب الشرعي وبين الترتّب التكويني.
فإذا أصبحت مسألة الملازمة مسألةً عقليةً تكوينيةً وليست مسألةً شرعيةً، فحينئذٍ لا يمكن إثبات الملازمة أو نفي الملازمة بإجراء الاستصحاب، إذ أن الاستصحاب لا يجري في التكوينيات، وإنما يجري في الشرعيات.
وبتعبيرٍ أدقّ في موطن بحثنا نقول: إن الملازمة العقلية التكوينية هي التي دفعت المولى إلى إنشاء الجعل، لا أن الشارع المقدَّس قد جعل الوجوب على هذه الملازمة. إذًا هذه الملازمة في مرتبة العلّة لا في مرتبة المعلول، الملازمة بين وجوب شيءٍ ووجوب مقدمته هي التي جعلت المشرِّع أن يضع الوجوب، لا أن المشرِّع قد جعل الوجوب على الملازمة.
النتيجة النهائية: لا يجري الأصل العملي كالبراءة أو الاستصحاب في مسألة الملازمة الأصولية، لأمرين:
أولًا: لا يوجد أثرٌ شرعيٌّ للملازمة من تنجيزٍ أو تعذيرٍ.
وثانيًا: لو قلنا بوجود أثرٍ شرعيٍّ للملازمة، فإننا نقول: إن الملازمة حكمٌ عقليٌّ وليست شرعيةً، فلا يجري فيها الاستصحاب.
هذا تمام الكلام في عدم جريان الأصل العملي كالاستصحاب في المقام الأول، وهو نفس وجوب المقدمة، يعني النتيجة الفقهية، وفي المقام الثاني، وهو نفس الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، وهي مسألةٌ أصوليةٌ، فاتّضح أن الأصل العملي كالاستصحاب لا يجري لا في الملازمة التي هي مسألةٌ أصوليةٌ، ولا في نفس وجوب المقدمة الذي هو نتيجةٌ فقهيةٌ.
لكن صاحب الكفاية أعلى الله في الخلد مقامه قد بحث وجوهًا أخرى لنفي جريان الأصل، وناقش بعضها، لكن هذه الوجوه التي ذكرها صاحب الكفاية لنفي جريان الاستصحاب في المسألة الفقهية أو المسألة الأصولية قابلةٌ للمناقشة، فلنتطرّق إلى هذه الوجوه[2] .
الوجه الأول: ما أورده صاحب الكفاية على إجراء الاستصحاب بالنسبة إلى خصوص الملازمة التي هي مسألةٌ أصوليةٌ دون الوجوب الذي هو مسألةٌ فقهيةٌ، فالوجه الأول مختصٌّ بنفي جريان الاستصحاب عن خصوص الملازمة، فقال رحمه الله: «إن الملازمة بين وجوب شيءٍ ووجوب مقدمته أزليةٌ أبديةٌ وجودًا أو عدمًا»، يعني إذا توجد ملازمةٌ بين وجوب شيءٍ ووجوب مقدمته، إما هذه الملازمة موجودةٌ منذ الأزل وإلى الأبد ولا تنقطع، وإما هذه الملازمة غير موجودة منذ الأزل وإلى الأبد، فمن حيث المبدأ والمنتهى هذه الملازمة إما موجودةٌ أو لا موجودة، فلا يوجد فاصلٌ وأمرٌ ثالثٌ بينهما، يعني إما نتيقّن بوجودها ونتيقّن ببقائها، وإما نتيقّن بعدم وجودها ونتيقّن بعدم بقائها، فلا مجال لجريان الاستصحاب، إذ أن موضوع الاستصحاب هو الشكّ، وهنا لا شكّ، إذ يوجد عندنا قطعٌ، إما قطعٌ بوجود الملازمة أو قطعٌ بعدم الملازمة.
وهذا البيان يناسب الملازمة التي هي مسألةٌ أصوليةٌ، ولا يناسب الوجوب الذي هو مسألةٌ فقهيةٌ، لأن الوجوب الغيري كالوضوء نقطع بأنه لم يكن موجودًا، فنشكّ في حدوثه، فنستصحب العدم الأزلي، وأن هذا الوجوب ليس موجودًا من حيث الأزل،
فإذًا هذه النكتة المذكورة في الوجه الأول لا تناسب نفي جريان الاستصحاب بالنسبة إلى المسألة الفقهية وهي الوجوب الغيري، لكنها تناسب بحث الملازمة. فهل ما ذكره صاحب الكفاية من وجهٍ صحيحٌ أو ليس بتامٍّ؟
الجواب: تحقيق الحال والمطلب أن الملازمة لها معنيان:
المعنى الأول: الملازمة اللولائية، أي بمعنى القضية الشرطية، أي لو وُجد هذا لوُجد ذاك، أي لو وُجد وجوب الصلاة لوُجد وجوب الوضوء، فعلى فرض صدق الملازمة اللولائية، فإنها تكون صادقةً قبل وجود طرفيها في العالم، فقبل وجود الصلاة وقبل وجود الوضوء توجد الملازمة اللولائية، وهي أزليةٌ وجودًا أو عدمًا، فلا معنى لجريان الاستصحاب فيها.
إذًا كلام صاحب الكفاية في الوجه الأول تامٌّ لو قُصد بالملازمة الملازمة اللولائية: لو وُجد هذا لوُجد ذاك، هذه إما تامةٌ وجودًا أو عدمًا، فلا معنى لجريان الاستصحاب فيها، فيتمّ كلام صاحب الكفاية. واضحٌ أو لا؟
المعنى الثاني: الملازمة الفعلية، والمراد كون الملازمة بنحو القضية الفعلية، أي كون هذا بالفعل قد أوجد ذاك فعلًا، وهذا أمرٌ حادثٌ، تقول: «لا صلاة إلا بطهورٍ»، يعني لا تتحقّق الصلاة فعلًا إلا إذا تطهّرت بالفعل، والتطهّر والصلاة أمرٌ حادثٌ وليس بأمرٍ قديمٍ، فإن عِلّية كلّ شيءٍ بهذا المعنى فرع وجوده، وما لم يوجد لم يكن موجِدًا، فبناءً على المعنى الثاني للملازمة، الملازمة الفعلية، يمكن إجراء الاستصحاب، يعني يمكن استصحاب عدم العِلّية.
يلّا لاحظ معي المطلب حلو يا حلو، حلو يا حلو، المطلب حلو يا حلو، هل الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، الملازمة بين وجوب الصلاة ووجوب الوضوء، هل هي ملازمةٌ من القسم الأول، الملازمة اللولائية، يعني لو وُجدت الصلاة وُجد الوضوء، أو هو من قبيل القسم الثاني من الملازمة، أي الملازمة الفعلية، يعني لو وجبت الصلاة فعلًا وجب الوضوء فعلًا؟ يلّا أنتم بذوقكم العرفي، هذا التدقيقات والتشقيقات الأصولية لا تشوّش أذهانكم، إذا نعرض على العرف ونسأله: إن توقّف الصلاة على الوضوء هل هو بنحو الفعلية أو بنحو اللولائية؟
لأجابنا العرف: بأنه بنحو الفعلية، يعني إذا فعلًا عليك الصلاة وجب عليك الطهور، يعني هذه الحائض ما وجبت عليها الصلاة، لا يجب عليها الوضوء. والملازمة الفعلية يُعقَل فيها جريان الاستصحاب، لأن الأمر الفعلي الآن لم يكن فعليًّا في الماضي، فالصلاة لم تكن واجبةً والوضوء لم يكن واجبًا في السابق.
إذًا يلّا لاحظ معي، حلو يا حلو، لاحظ معي: الوجه الأول الذي ذكره صاحب الكفاية لنفي إجراء الاستصحاب في الملازمة ليس بتامٍّ، إذ قال: إن الملازمة أبديةٌ إما وجودًا وإما عدمًا، فلا يجري فيها الاستصحاب، والجواب: ما ذكره صاحب الكفاية تامٌّ في القسم الأول من الملازمة وهي الملازمة اللولائية، وأما القسم الثاني من الملازمة وهو الملازمة الفعلية، فيُعقَل فيه جريان الاستصحاب، لأن الواجب الفعلي حادثٌ فعلًا، وهو مسبوقٌ بالعدم، فيُستصحَب العدم السابق، إذًا الوجه الأول الذي ذكره صاحب الكفاية لنفي جريان الأصل ليس بتامٍّ وقابلٌ للمناقشة.
الوجه الثاني يأتي عليه الكلام، وصلّى الله على محمدٍ وآله الكرام.